المحلل الاقتصادي العراقي محمد حسين: رفع سعر النفط يفيد حكومتي بغداد وأربيل ولكن الشعب سيتضرر

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

السليمانية ـ «القدس العربي»:  تحدثت «القدس العربي» إلى محمد حسين، المحلل الاقتصادي في مركز «ناليا للاستشارات والسياسة العامة» في السليمانية، ضمن إقليم كردستان العراق، عن توقعاته لمسارات الاقتصاد العراقي والعالمي على خلفية الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا هذه الأيام، حيث ربط ارتفاع أسعار النفط باستمرار الحرب أو توقفها سريعا، واعتقاده ان ارتفاع أسعار النفط يخدم حكومة العراق ويضر شعبه، كما تحدث عن تدهور أوضاع الإقليم اقتصاديا وفساد الأحزاب فيه.

○ ما هي توقعاتك عن تأثير الحرب الروسية في أوكرانيا على أسعار النفط والغاز عالميا؟
• من المؤكد ان أسعار النفط ستتأثر بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، والسيناريوهات المتوقعة للحرب وتأثيرها على أسعار النفط تتوقف على احتمالات متعددة، فيما إذا توسعت الحرب وانخرطت فيها بعض الدول الأوروبية وأعضاء الناتو، أو تبقى محدودة بين روسيا وأوكرانيا، أو إذا نجحت روسيا باحتلال أوكرانيا خلال أسبوعين، أو إذا بدأت المقاومة ضد الغزو الروسي، وإذا أثرت العقوبات الدولية على الصادرات الروسية أو قللتها إلى النصف، بالتأكيد سعر النفط يمكن ان يصل إلى أكثر من 120 دولارا للبرميل، حسب توقعات الخبراء، أما إذا توقفت صادرات روسيا كليا، فالمتوقع ان يصل سعر البرميل إلى 150 دولارا. وكل السينايوهات تعتمد على الحراك السياسي في أوروبا وأمريكا وتداعيات الحرب المتغيرة، وأهداف كل طرف منها.
○ هل تتوقع ان تكون هناك نتائج إيجابية لارتفاع أسعار النفط وزيادة موارد العراق، على أوضاع المواطنين وحياتهم المعيشية؟
•إذا نظرنا لموضوع الأسعار بشكل عام فتأثيراتها إيجابية على العراق، وكما تعلم فإننا في العراق وكردستان ليس لدينا شيء للتصدير غير النفط الخام، والحرب تؤثر على أسعار النفط وهذا شيء مفيد للعراق. ولكن المسألة لا تقتصر على هذه المعادلة، لأن أي ارتفاع في أسعار النفط يؤثر على مستوى التنمية في الدول الأوروبية وأمريكا والدول التي تستهلك النفط الخام، ولكن السعر سينخفض بعد زوال الأسباب. ورفع سعر النفط يفيد حكومتي بغداد وأربيل، ولكن الشعب سيتضرر وسيدفع ثمن ارتفاع أسعار النفط، لأن أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية سترتفع هي الأخرى في الأسواق العالمية بسبب زيادة كلف الإنتاج والنقل وازدياد سعر الطاقة، خاصة ان في العراق نحو 11 مليون إنسان تحت خط الفقر، وستزداد معاناتهم أكثر مما هو موجود حاليا.
○ كيف سيتأثر العراق بانقطاع واردات أوكرانيا عنه وخاصة الحبوب والقمح والحديد والمعادن وغيرها؟
• نقص الصادرات الأوكرانية سيؤثر على بعض دول العالم ومنها العراق، ورغم ان أوكرانيا ليست شريكا تجاريا كبيرا للعراق، ولكن أسعار المواد التي كانت تصدرها سترتفع، فالطحين الأوكراني أو الطحين البديل ارتفع سعره حاليا إلى نحو 10في المئة، وكذلك أسعار زيوت الطبخ، وسيكون له تأثير مباشر على العراق، والأمر طبيعي فارتفاع أسعار المواد في دول العالم له تأثير مباشر وبنفس اليوم على أوضاع العراق.

○ هل تعتقد ان انقطاع واردات أوكرانيا يمكن ان تستفيد منه إيران وتركيا لسد النقص؟
• لا أعتقد ان إيران وتركيا يمكن ان يسدا كل النقص في الواردات الأوكرانية، فالبلدان يعتمدان على استيراد الحبوب ومواد أخرى من روسيا وأوكرانيا وغيرها، وأعتقد ان إيران وتركيا سيتأثران بالحرب في أوكرانيا ولا يمكن ان يكونا بديلا للصادرات الروسية والأوكرانية بسبب الجفاف الحاصل في إيران وتركيا، الذي أثر على الزراعة فيهما، حيث تسبب بانخفاض 20 في المئة من الحبوب في إيران للموسم الماضي، لذا لا يمكنهما ان يعوضا نقص الصادرات الروسية والأوكرانية في الأسواق العالمية التي تشكل نحو 30 في المئة من صادرات الحبوب في العالم.
○ في العراق استثمارات كبيرة للشركات الروسية وخاصة في القطاع النفطي في الإقليم وجنوب العراق، ماهي تداعيات العقوبات الدولية على روسيا على تعامل العراق مع الشركات، بالنسبة لإخراج روسيا من نظام السويفت والتحويلات المالية منها وإليها؟
• هذه مشكلة كبيرة لحكومة بغداد والإقليم، فالشركات الروسية مثل روسنفت لها حوالي 14 مليار دولار استثمارات في العراق وخاصة في القطاع النفطي، والبنك المركزي العراقي طلب الآن من مؤسسات الدولة التريث في التعامل مع الشركات الروسية، بسبب العقوبات الأمريكية والغربية ضدها، حيث أن الشركات الروسية شريك مهم للعراق في الاستثمار، وعملوا في البلد منذ سنوات طويلة ويعرفون مع الحكومة العراقية كيفية التعامل مع العقوبات الدولية عليهم، ولا أستبعد انهم سيجدون طريقة لحل المشكلة، ولكن هذه الطرق غير الرسمية لن تكون سهلة وستكون لها كلفة عالية جدا وتبعات قانونية كثيرة. ونذكر مثلا ان حكومة الإقليم لجأت إلى شركة مشبوهة يديرها شخص باكستاني للحصول على وارداتها النفطية بطرق غير شرعية ولكن حصلت مشاكل.
○ ما هي احتمالات ان تؤدي العقوبات الدولية على روسيا إلى قيام موسكو ببيع نفطها بأسعار مخفضة إلى بلدان مثل الصين والهند ما يجعلها تتخلى عن استيراد النفط العراقي؟
• كل الاحتمالات واردة في سوق النفط العالمي، وهذه الأيام العرض أقل من الطلب، وحتى بدون حرب أوكرانيا، فالمتوقع ان أسعار النفط لن تقل عن 84 دولارا. روسيا لديها شراكة مهمة مع الصين، ولديهما أنبوب مباشر بين البلدين لنقل النفط، وعبره إلى الهند وإسرائيل، ولكن لا أعتقد ان الصادرات النفطية الروسية ستؤثر على النفط العراقي، لأن الهند والصين أسواق كبيرة جدا، وتحتاج الصين يوميا إلى أكثر من 13 مليون برميل، وكذلك الهند وبقية الدول الآسيوية تعتبر سوقا كبيرة للنفط، والتنمية الاقتصادية في هذه البلدان سريعة جدا. هناك مخاوف من ان الإنتاج الروسي لن يبقى بنفس المستوى الحالي، نحو 11 مليون برميل ولكن بعد ستة أشهر من العقوبات سينخفض، وفي هذه الحالة سيترك آثاره على السوق العالمي، لذا لا أرى النفط الروسي بديلا عن النفط العراقي، وحتى إذا حصل فإن العراق يستطيع ان يجد أسواقا بديلة في دول العالم.
أما بالنسبة لأسعار النفط، يوجد مصطلح «السعر العادل» المقبول عالميا، وأرى ان سعر النفط إذا تجاوز 100 دولار فهو غير عادل، لأنه سيؤثر على الإنتاج الصناعي وعلى حياة المستهلكين، وبالتالي فإن ارتفاع النفط كثيرا قد يؤدي إلى ركود ومشاكل اقتصادية أكثر في المدى البعيد، لذا انا متخوف من هذا التذبذب وارتفاع أسعار النفط أكثر من كوني متفاءل بالمستقبل.
○ هل حصل تحسن في الأوضاع الاقتصادية للإقليم مؤخرا بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا؟
• لا، الوضع الاقتصادي في الإقليم يتدهور وحاليا أسوأ مقارنة بعام 2021 وحكومة الإقليم تتأخر في دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الشركات الأجنبية العاملة هناك، وكما تعلم فإن الأموال المرسلة من بغداد هي التي تحرك السوق وتسدد مستحقات المواطنين، وحاليا توجد مشاكل مالية بين حكومتي بغداد وأربيل، لذا فالوضع الاقتصادي في الإقليم غير جيد وحتى الآن لم تدفع حكومة الإقليم رواتب شهر شباط الماضي.
والمشكلة ان المهربين التابعين للحزبين الحاكمين في الإقليم وتديرهما عائلتا بارزاني وطالباني، مسيطرون على المنافذ الحدودية ولا يسمحون ان تعود العائدات الكمركية إلى الحكومة، بسبب عمليات التهريب الواسعة لأتباعهما، لذا لا توجد عائدات مالية تأتي للحكومة من المنافذ.
وحتى عائدات بيع النفط في الإقليم فهي منظمة بحيث تكون قليلة جدا ولا تزيد عن 30 في المئة من عائدات بيع النفط، فجزء من العائدات يذهب للشركات المنتجة للنفط وبعضه يذهب لتكاليف الإنتاج والتسويق، لذا في نهاية المطاف، تحصل حكومة الإقليم على 25- 30 في المئة من العائدات، ومهما ارتفعت أسعار النفط وحتى إذا وصل سعر البرميل 150 دولارا فلن تحصل حكومة الإقليم أكثر من 800 مليون دولار شهريا لتمشية الأمور المالية للإقليم، فيما تستلم حاليا نحو 500 مليون دولار، وهي غير كافية لتسديد احتياجات الإقليم.
ان الشركات النفطية العاملة في الإقليم بموجب عقود الاستثمار، تستفيد من ارتفاع أسعار النفط التي تصل حصتها فيها إلى نحو 50 في المئة من العائدات، فيما تعتمد حكومة الإقليم 40 في المئة من الميزانية على العائدات غير النفطية، والحزبان الحاكمان لا يودعان هذه العائدات إلى خزينة الإقليم. وعموما فإن الوضع الاقتصادي يتردى بسبب الفساد داخل المؤسسات، وبسبب سيطرة الأحزاب الحاكمة على المنافذ الحدودية، والتهريب الواسع في تلك المنافذ، إضافة إلى الأزمة الجديدة بين الحزبين الحاكمين المتعلقة بمنصب رئيس الجمهورية وغيرها.
○ ما هو رأيك في قرار المحكمة الاتحادية حول عدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم، وهل تتوقع التزام حكومة الإقليم بهذا القرار؟ وماهي الأبعاد الاقتصادية له؟
• لا أستطيع ان أعطي رأيا قانونيا في القرار، ولكني أرى بانه سيكون مصدر مشاكل كبيرة بين بغداد والإقليم، وكذلك مصدرا للشراكة المتينة بينهما. فهو يمكن ان يكون فرصة لمعالجة المشاكل العالقة وإدارة مشتركة لقطاع النفط والغاز، بما يضمن مصلحة كل العراق، والتوزيع العادل لكل العراقيين، إلا أنني أرى الآن ان بعض الأطراف تستغل قرار المحكمة الاتحادية لتأجيج الشارع وجعله ورقة سياسية للصراع، وهذا أمر ليس في صالح البلد الذي يحتاج الاستقرار والشراكة والتنمية الاقتصادية، فيما تسعى بعض القوى من الطرفين لحل المشاكل.
○ هل انعكست الخلافات بين الحزبين الرئيسيين حول منصب رئيس الجمهورية وغيرها على الأوضاع الاقتصادية في كردستان؟
• الخلافات بين الحزبين الحاكمين كبيرة ولا تقتصر على منصب رئيس الجمهورية بل تمتد إلى الخلاف حول إدارة المنافذ الحدودية والتهريب، حيث تتبادل قيادات الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، الاتهامات بان نصيب الآخر من عمليات التهريب أكبر، وكذلك بسبب السيطرة على سوق الإقليم واحتكاره والابتزاز فيه. وهذه الخلافات ليست جديدة، ولكن بينهما أيضا مصالح مشتركة وفي النهاية سيجدان طريقة للتفاهم على تقاسم الكعكة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية