الحداثة والالتزام: تجاذب أم تنافر؟

نواجه بداية، عند حديثنا عن قضية الحداثة «Modernism» إشكاليتين، متمثلتين أساسا في حدي ثنائية الثابت والمتغير، وهو ما يدفعنا إلى الخوض في الرأيين المتناقضين بخصوص هذه المسألة، وهذا تفصيلهما:
الرأي الأول: تعد الحداثة معيارا ثابتا للتقدم في المجتمع، باعتبارها ممارسة علمية داحضة للمقولات الكلاسيكية؛ أي المقولات الثابتة، من خلال إدراك الثابت والمتغير في الثقافة السائدة والاشتغال على هذا المتغير، و»ما دامت الحداثة تشكل صدمة للموروث والتقليد والثابت، فإنها تدخل الاضطراب في الرؤى المطمئنة إلى استقرارها، وتُعيد النظر في الفهم المشترك، لدرجة أنه أمام تدخلاتها لا يكف ـ أي الفهم المشترك – عن الإعلان عن عدم فهمه لما يجري حوله» (محمد نور الدين أفاية).
الرأي الثاني: الحداثة لا تهدم الثوابت القطعية ولا تطالها، بل إن هذه الثوابت هي التي شكلت الحداثة ومهدت لقيامها، «ومن ثم، فإن الحداثة ـ في هذا الخطاب- لا تتنافى مع الأصالة، ولا هي نقيض لها أو ضدها كما صورها أو تصورها بعض الدارسين. إن كلا منهما لا يمكن أن يقوم بغير الآخر» (وليد قصاب).
يمكن أن نرجع الحداثة الغربية إلى الرأي الأول الذي يحدث قطيعة مع الماضي، وعندما نقول الماضي، فإننا نشير إلى الدين والفلسفة والعلوم والفنون، فقد قال كل من بودلير ورامبو، على سبيل المثال، إن الحداثة «عملية تدمير للأشكال الثابتة التي تحول دون تطور الفن والمشاعر والأفكار والعادات، إلخ. فهي تسمح بذلك التبرم المبدئي إزاء ما هو جديد وما يعتبر نفسه مالكا لشرعية مطلقة» (محمد نور الدين أفاية) بينما نرجع الرأي الثاني إلى الحداثة العربية، التي لا تتنكر للماضي وإنما تعمل وفقه بآليات جديدة، وهو ما أكد عليه الباحث طه عبد الرحمن في قوله: «لا حداثة إلا بصدورها من الداخل، لا بورودها من الخارج، ولا حداثة إلا مع وجود الإبداع، لا مع وجود الاتباع؛ فلا تكون الحداثة إلا ممارسة داخلية مبدعة»
لا تقل أهمية قضية الالتزام «Commitment» عن القضية السابقة؛ أي قضية الحداثة، فقد تم الخوض فيها من قبل الباحثين، نظرا للخلفيات الأيديولوجية التي تحملها في ثناياها، أما عن مفهوم الالتزام فهو «الارتباط التام بقضية أو موضوع أو تصور، ما يعني أن العمل الأدبي مهما كان جنسه يجب أن يكون لغاية وهدف وبغياب الغاية يفقد مبرره، لذا ينظر إلى الأدب على أنه وسيلة من وسائل التوعية والتأثير والتغيير، وبالضرورة لا بد من أن تكون له وظيفة داخل مجتمع يحتاج دائما إلى من يقوّم مسيرته أو يسهم بذلك على الأقل» (إبراهيم عقرباوي).
بعد الوقوف عند القضيتين وما ترومانه، يمكن طرح إشكالية أساسية، وهي:
ـ ما مدى صحة القول بوجود حداثة تلخص قضايا الأمة، وتبحث في قيمها الثابتة؟
إن الرأي الأول للحداثة ـ وقد تطرقنا إليه سابقا- يرفض فكرة ارتباطها بقضايا الأمة، وفي ذلك يقول هابرماس: «إذا أضفنا مفاهيم مثل الثورة والتقدم والتحرر والتطور وروح العصر والأزمنة إلى «الأزمنة الحديثة» فإن ذلك يقربنا من المشكل الأساسي الذي طرحه الوعي التاريخي للحداثة، الذي يتمثل في كون الزمن الحديث المرتبط بالثقافة الغربية يثبت، أن الحداثة لا تقدر ولا تريد أن تستعير المعايير التي على أسسها تتوجه من مرحلة تاريخية أخرى، إنها مضطرة لأن تستمد معياريتها من ذاتها، ودون استعانة ممكنة، فإن الحداثة لا ترجع إلى ذاتها» (محمد نور الدين أفاية) وبالتالي لا يمكن الجمع بين الحداثة والالتزام باعتبار أن الحداثة تضيق حدودها عند الاقتران بالسياقات المحيطة بها، وتنفتح بتنصلها وخروجها عنها.
بينما يتبنى الرأي الثاني للحداثة القول بارتباطها بمصير الأمة، حيث ينبغي «أن تنبع من داخل الأدب العربي ذاته، ومن بنيته الخاصة المميزة له، ولا يجوز أن تفرض عليه فرضا من الخارج، أو تكون صدى لتيار أدبي غربي» (وليد قصاب) ويمكن أن نعتبر هذه المحاولة العربية ـ إن صح القول- طريقة لإعطاء شرعية للحداثة، وهو ما يؤكد عليه شكري عياد عند قوله، إن «للحداثة العربية جانبها الأيديولوجي باعتبارها ثورة النخبة» (عبد العزيز حمودة).
ومن جهة مماثلة، يقول الطاهر وطار إن: «الحداثة هي أن تهضم ما يجري في عصرك، وأن تنتج منطلقا من ذاتك ومحيطك وبيئتك، أما أن تخرج كما لو أنك في سفينة فضائية لتبدأ السباحة في عالم ليس عالمك، ولست أساسا مؤهلا للعيش فيه، فأنا لا أراه حداثة بقدر ما أراه استيلابا وعجزا. الإبداع الحقيقي – الحداثة، إذا لم تنبع من إمكاناتنا، ومن ضرورة اتصالنا بالآخر، والمحيط القريب جدا منا، فهي غير مجدية» وفي ذلك ينفي الأديب الطاهر وطار وجود الحداثة بعيدا عن السياق الاجتماعي الدال على خصوصيتها، كما يرفض إسقاط الحداثة الغربية بمفاهيمها المؤدلجة على النصوص العربية، التي تختلف كل الاختلاف عن النصوص الغربية. ونجد رمضان حمود نفسه الذي دعا إلى التجديد بقوة، والذي له رأي خاص في ماهية الأدب. يطلب إلى الشعراء ألا ينسوا واجبهم في خدمة بلادهم» (محمد مصايف) ويعتبر رمضان حمود – القائل بالتجديد- الالتزام صفة تتبع موصوفها ـ أي الحداثة – فالأديب لسان قومه، وعليه تبعا لذلك أن يعالج القضايا في جرأة فائقة، هذه المعالجة تتم في إطار حداثي.
إن الإجابة عن الإشكالية السابقة ستبقى مطروحة، ما دام الاختلاف الفكري والثقافي قائما بين الباحثين والنقاد، ولا يسعنا القول أخيرا إلا أن الحداثة ضرورة لفهم التحول الحاصل في العالم، ليس في مجال الأدب فقط، وإنما في جميع المجالات، ولا نقصد بذلك محاكاة الحداثة الغربية، وإسقاطها على الواقع العربي المختلف كليا عن الواقع الغربي، ولا نعني كذلك تضمين الحداثة بقضايا الأمة، وإنما البحث عن نسخة أصيلة تحتوي واقعنا، فكما يقول عبد العزيز حمودة «نحن فعلا بحاجة إلى حداثة حقيقية، تهز الجمود، وتدمر التخلف، وتحقق الاستنارة، لكنها يجب أن تكون حداثتنا نحن، وليست نسخة شائهة من الحداثة الغربية».

كاتبة جزائرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية