ملاحة بصرية في تفاصيل الأرض المخفية وتجريدها اللوني
محمد العامري في معرضه الجديد بدار المشرق:ملاحة بصرية في تفاصيل الأرض المخفية وتجريدها اللونيعمان ـ القدس العربي من يحيي القيسي استضافت دار المشرق في عمان المعرض الجديد للفنان الأردني والناقد محمد العامري، وذلك خلال الفترة من 14 آذار (مارس) المنصرم، وحتي الرابع من شهر نيسان (ابريل) الجاري، وكان أمين عمان الكبري نضال الحديد قد افتتح المعرض الذي يعكس تجربة جديدة في سلسلة أعمال العامري، ومن الواضح أن خبرات الفنان وهاجسه التجديدي تبرز بين الحين والآخر في معرض مختلف، يبذل العامري فيه جهدا واضحا في البحث عن أراض بكر في التجريب بالمواد والتقنيات، وطرق وموضوعات جديدة، وفي معرضه الجديد هذا الذي سماه ملاحة بصرية يرغب باعادة النظر بالتفاصيل التي تواجه المشاهد يوميا في الأرض والصخور وملامح الحياة دون أن ينتبه اليها، وعلي كل حال من الواضح أن العامري قد استفاد من خبراته الفنية المتواصلة في المشهد المحلي والعربي التشكيلي لانجاز ما يخصه من بصمة جديدة، تبحث في اللون و الاشارات التجريدية التي حفلت بها لوحاته، وقد أنجز عشرات المعارض الخاصة، كما أصدر مجموعة من الكتب النقدية، والدواوين الشعرية، وهو اليوم يعمل صحفيا في القسم الثقافي في جريدة الدستور الأردنية، ومسؤولا عن الفن التشكيلي في وزارة الثقافة.يقول الناقد والأكاديمي المغربي د. فريد الزاهي عن أعمال العامري الجديدة في نص نشر بعضه في مطوية المعرض، وجاء بعنوان بهاء الحواس، تشظي المعني وقد ترجمه عن الفرنسية د. وليد سويركي: تستمد أعمال العامري الأخيرة ثراءها وعمقها وملمحها البلوري الشفاف من هذا الانفتاح المغامر الذي تشهد به عدة (تجارب وسيطة) بين ارض وسماء.ان جاز لي القول ان اليد تواصل تأرجحها بين المكتسب واللامألوف، بين البراعة اللونية المعبرة والبحث ذي الطبيعة المفكرة.ثم تأتي الأعمال التي نحن بصددها هنا والتي تندرج بسهولة ضمن رؤية علي قدر من التجانس اذ تطرح ذاتها كتجربة محملة بالكثير من الاسئلة هنا، فلم يعد ثمة شكلانية موضوعاتية تتجه صوب المرئي بل نجد مزيجا معقدا من الأحاسيس اللونية المتحررة من كل مرجعية محددة. لم تعد ثمة الاعيب بلاغية حول معني يتم تقاسمه، بل اندفاعة غنائية يدخل فيها جسد الفنان حالة من الوجد امام الشكل.ولكي يقترب الفنان أكثر من جوهر المرئي ومن أجل مقاربة اللامرئي في اكثر جوانبه حسية نراه يقتصد في لمسته، يتظاهر بعنف الاحتكاك مع سطح اللوحة ليحول اللمسة الي مداعبة رقيقة ومتطلبة، ملتبسة وصارمة في آن معا كما لو ان اللوحة تستحيل جسدا مرهفا تعيد اليد خلقه دون كلل وفق تشكيلات لا قصدية فيها لكنها ذات دلالة.في الواقع يعرض لنا العامري فنا للمحسوس تحركه الرغبة المحمومة في الغيرية وتخترقه مفارقات كثيرة وجراح داخلية خاضعة لتقلبات شهوتها للابداع المفتوح علي المستقبل.حيث تغتني اللوحات بتدرجات الونها المائية بتطعيمات يضيفها جسد انثوي ممشوق، او حيوان وحيد مع محراث..الخ، تحضر هذه الأشكال لتعبر عن العزلة المرعبة بين رياح التشكيل والتي يفصح عنها من ناحية أخري استخدام الخامات المؤكسدة التي تترجم علاقة ضبابية مع الزمن ومع الوجود ايضا.اذا كانت العلامة الجوهرية لهذه الممارسة التشكيلية هي اللعب مع التكوين فان هذه النتيجة هي في الواقع نقطة قوة هذه التجربة ومصيدتها ذلك ان الكثافة تكاد تصل الي الاشباع احيانا تاركة لفعل (التكوين) مهمة تدبر فائض المعني المنبثق من اللوحة. بيد ان هذا الاشباع ليس معطي مباشرا علي الدوام انه مكون ايضا عبر استخدام محموم للشكل واللون علي حد سواء بغية التقاط الوجوه المتعددة للحظة التشكيل ويجب ان نقرأ مثل هذه المفارقة هنا كمعني مزدوج مرتبط بالرؤية التشكيلية وبالآفاق التي تفتحها الرؤية أمام التطور الفني. أما عن خصوصية هذا المعرض قياسا لمعارضه السابقة يجيب العامري مجيبا علي سؤال لي بقوله ملاحة بصرية مشروع ابداعي يذهب الي اعادة الاعتبار للتجريد المتواجد في الطبيعة، ويتحرك ضمن سياق واحد راصدا تفاعلات العناصر الأربعة في الطبيعة: الماء والهواء والتراب والنار، ويشكل دعوة لـ العين الثالثة لمشاهدة ما تحت القدم اذ أن كثيرا من الناس يرون صورة فوتوغرافية للطبيعة بشكلها الخارجي دون الغوص داخل هذه الطبيعة لمشاهدة الألوان وتفاصيلها وانتاجها في اللوحة أي بمنظور بصري غير جمالي، ولهذا تأتي لوحاتي لتغوص في تلك المنطقة التي لا ينتبه اليها كليلو البصر عادة . أما فيما يتعلق باغراقه في التجريد بعيدا عن المدرسة التعبيرية علي سبيل المثال والي أين سيقوده هذا التجريب يتابع بقوله جميع المدارس الفنية لم تنته والذي يقول أن الواقعية انتهت أوالبوب آرت أو التكعيبية مثلا فهو واهم، ولكن الفنان الباحث دائما يذهب الي تجريد واختزال الخطاب البصري تماما كما يفعل الشاعر في القصيدة عندما يبدأ سرياليا وبتفاصيل كثيرة لينتهي بعد خبرة طويلة الي قصيدته المكثفة التي تعطي وهجا أعلي وأكثر ديمومة، ومفهوم التجريد تم تناوله بصورة خاطئة في كثير من الأحيان فعلينا أن نعيد الاعتبار للخطاب التجريدي بواسطة حاصل جمع خبرات الفنان من تخطيطات واقعية وتعبيرية ودراسات للمشاهد الواقعية التي يتم هدمها في منطقة التجريد، وأذكر هنا موروث المتصوفة في اللغة المكثف، ولكن في جانب آخر تم السطو علي التجريد تماما كما حدث في قصيدة النثر، حيث نشهد هجوما مدججا بالجهل من قبل هواة لم يتقنوا بعد أساسيات العمل الفني والسؤال هنا كيف لي أن أجرد الشجرة كفنان وأنا لا أعرف جسدها وهيئتها، فالتجريد هو اعادة بناء مختزل لوجود الشكل والذي حدث في معظم الساحات العربية من قبل أناس قفزوا من أسفل السلم الي أعلاه، وبدأوا بالتجريد، وأنا أنعتها بالزعرنة الفنية والاستغفال للمقتني غير المثقف .وفي رد علي سؤال لي عن كثرة المعارض التي يقيمها، والانتقادات التي يواجهها من الفنانين الأردنيين لهذا الأمر يقول العامري في كل عام أقيم معرضا حسب مخططاتي، وهذا المخطط هو مشروع متصل ومنتظم حسب الحالة الابداعية فأنا أرسم من 6 ـ 8 ساعات يوميا، ومن ينعتني بكثير المعارض قد جاء من كسل الفنان الأردني تحديدا فليس كثيرا علي فنان أن يقيم معرضا بعشرين لوحة في كل سنة، فلدي اجتهادات وهم يومي لمتابعة البحث والاكتشاف لمادة اللون وسطحها.وأطالب الفنان الأردني لمتابعة الأعمال المطروحة وأنا أعول علي حياة اللوحة علي الجدار، وكثير من الفنانين عندنا انقطعوا عن الرسم منذ الثمانينيات واكتفوا بالثرثرة، وردي النهائي هو الانشغال المتواصل بالعمل الفني لايجاد صيغ جمالية جديدة بدل الاكتفاء بالتقوقع واجترار الوهم .وكونه من النقاد التشكيليين سألته عن كيفية تعامل النقد في الأردن مع تجربته، وماذا استفاد هو أيضا من هذه الخبرة النقدية في أعماله فأجاب أنا أري أن كثرة مشاهدة المعارض الرديئة والمتميزة وكثرة التجوال في المحافل الدولية والبيناليات التشكيلية ساهم الي حد كبير في جدّيتي باتجاه العمل الفني، وأدعو أي فنان يستطيع أن يسافر للسفر لأن معظم ما نفكر به قد تم انجازه والدخول في منطقته، المعرفة بما يحدث بالعالم جزء أساسي في العمل الفني حتي يضمن الفنان أن يقدم ما هو جديد.أنا شخصيا أضع سقفي بما يحدث في العالم وليس في الأردن ووجدت هذا الصدي حينما عرضت أعمالي في ألمانيا، وحيث الغاليري المحايد والناقد المحايد والمشاهد الذي لم يعرفني من قبل، وقد تعامل الجميع مع أعمالي بدهشة عالية، وقد بيعت أعمالي الكثيرة والسبب هو مستوي العمل الفني الذي يفرض نفسه .أخيرا ما هي العوائق التي يواجهها كفنان تشكيلي أردني يقول العامري أنا شخصيا مصمم علي تجاوز أي عائق ولأن الهم الابداعي يقوم علي التجاوز والاختلاف مع الغير، ولكن أتمني أن تقوم بعض المؤسسات الخاصة والعامة في الأردن لاعادة الاعتبار للعمل البصري من خلال رصد ميزانيات لشراء الأعمال الفنية، تكون بمثابة ثقافة بصرية تطرحها المؤسسات التعليمية والاقتصادية للعينة المستهدفة، والجانب الآخر أن تقوم تلك المؤسسات بطباعة تلك الأعمال وتوزيعها علي أكبر مساحة ممكنة من الناس والزبائن في المكاتب مثل البوسترات ودفاتر المذكرات، وأذكر هنا ما اقترحته أمام رئيس الوزراء الأسبق فيصل الفايز بأن يقوم مجلس الوزراء باصدار امر علي جميع الوزارات برصد ميزانيات سنوية لشراء الأعمال الفنية وتوزيعها علي سفارات الأردن في الخارج أيضا.العوائق التي يواجهها الفنان الأردني هي تراجع الماكينة النقدية تجاه العمل الفني واستيعابه وهذه مشكلة مطروحة علي مستوي الوطن العربي ويعاني الفنان أيضا من عدم وجود حوار عال من قبل الأكاديميين والفنانين من قبل ما يطرح، معظم الساحات مؤدبة ولا تثير أي اشكال نقدي تجاه ما يطرح فتمر التجارب كما لو أنها حفلة عرس دون أن تثير اسئلة جمالية مما جعل بعض المتسللين الي حقل التشكيل أن يتجرأوا علي منافسة الفنان الحقيقي من خلال تثوير علاقاته الاجتماعية والبكاء بين أيدي المقتنين وهذا كله ليس له علاقة بمنطق الفن.0