لندن- “القدس العربي”: ماذا تعلمنا الصور الصادمة للموتى في أوكرانيا عن حالة الإعلام والتحيزات الغربية؟. يجيب المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” يوجين روبنسون بالقول “طالما عرض الصحافيون الشجعان حياتهم للخطر من أجل توثيق رعب الحرب. ولكن لماذا كانت تغطية الغزو الروسي لأوكرانيا قريبة من القلب أكثر، وظاهرة جدا ودموية بشكل صادم؟ هل يعكس هذا الزمن الذي نعيش فيه وقدرة التكنولوجيا التي أعطتنا القدرة على نشر واستهلاك أي شيء؟ أم أن هذا يعكس تحيزات وارتباطات الإعلام؟”.
ويقول الكاتب إن حرب اليمن في عامها الثامن الآن وقد كانت وحشية. كما كانت الحرب السورية أكثر وحشية، وقام النظام السوري باستخدام السلاح الكيماوي. لكن هذان النزاعان والنزاعات الأخرى لم يتم إظهارها بنفس الصورة الفجة للموتى ومن بينها صورة “نيويورك تايمز” بعدسة قريبة لأم وطفليها ماتوا نتيجة قنبلة هاون روسية في حي إربين في العاصمة الأوكرانية، كييف. هذا لا يعني ان الصحافيين لم يشاهدوا أو يوثقوا مذابح مثل هذه في حروب أخرى. فصور الأطفال الجوعى في اليمن أو صورة فان ثي فوك العارية الهاربة من حقل النابالم في حرب فيتنام صدمت الضمير الإنساني. لكن المؤسسات الإخبارية كانت دائما حساسة من صور الناس القتلى في الحروب وبمحرمات حول إظهار وجوه الضحايا.
وكمحرر، ساعد روبنسون في مراقبة هذه القيود، إذ يقول “كان هدفنا إعلام القارئ في وقت نحافظ فيه على كرامة الموتى وعائلاتهم. وكنا نحاول تجنب تسبيب الأذى لزبائننا”.
كان هذا قبل وسائل التواصل الاجتماعي، ففي عام 1994 عندما حدثت أكثر إبادة دموية منذ الحرب العالمية الثانية في راوندا، لم يكن هناك مجال لأن يمسك مراقبون بحوادث القتل الجماعي بعدسات هواتفهم، ثم نشرها بسرعة حول العالم. فوالد الطفلين وزوج المرأة (الأوكرانيين) علم بوفاتهم من صور نشرت على تويتر. وأخبر صحيفة “واشنطن بوست” “في تلك اللحظة خسرت الجميع وخسرت معنى الحياة”.
السياق المبطن والذي لا لبس فيه له علاقة برؤية الإعلام للأوكرانيين فهم أناس مثلنا وقد نتعرض للخطر مثلهم. ومعظم الضحايا في أوكرانيا هم أوروبيون، بيض ومسيحيون
وقد تسأل المنظمات الإخبارية نفسها وبشكل منطقي عن الحساسيات التي تتخيل أنها تقوم بحمايتها، في ظل سيادة وسائل التواصل. ويمكنهم لفت النظر إلى سياقات تم فيها نشر صور أشخاص ماتوا واعتبر نشرها في صالح الرأي العام مثل موت جورج فلويد أمام كاميرات الإعلام ورجل الشرطة ديريك شوفين جاث على ركبته ولمدة 9 دقائق.
ولكن الكاتب يتساءل إن كان هناك شيء ما غير التكنولوجيا له علاقة بالحرب الحالية في أوكرانيا ولم يكن موجودا في الحروب الأخرى. فالسياق المبطن والذي لا لبس فيه له علاقة برؤية الإعلام للأوكرانيين، “فهم أناس مثلنا وقد نتعرض للخطر مثلهم. ومعظم الضحايا في أوكرانيا هم أوروبيون، بيض ومسيحيون. وقلة منهم تتحدث الإنكليزية. وبمعاطفهم المنتفخة وحقائبهم التي يسحبونها وراءهم فهم مألوفون لنا عندما يصعدون إلى القطارات التي تنقلهم إلى المنفى مع أطفالهم الذين يلعبون بالدمى والليغو”.
وعبر الإعلام قصدا أو في وعيه الباطن عن تعاطفه مع هذه الحرب وجعلها تراجيديا حية من خلال التركيز وبشكل خاص على الضحايا واللاجئين. وتم تصويرهم لنا بالأفراد وليس كجماهير لا يمكن التعرف على وجوه الهاربين فيها. ودعي المشاهدون والقراء، إن لم يتم إجبارهم، لتخيل أنفسهم في ظروف مشابهة. ولا عجب من قيام أعضاء في الكونغرس الأمريكي، في انعكاس لمواقف مناطقهم الانتخابية، بالضغط على إدارة الرئيس جو بايدن كي تعمل ما بوسعها للتدخل القوي، رغم المخاطر الواضحة من التدخل في حرب مع روسيا.
لقد تم تصوير الضحايا واللاجئين كأفراد وليس كجماهير لا يمكن التعرف على وجوه الهاربين فيها
ويقول روبنسون إن المدنيين قتلوا وشردوا في أثناء غزو العراق عام 2003 ولم تكن معاناتهم أقل. ولكن الحقيقة التي لا يسمح لنا بالتعرف عليها هي أن الضحايا، الذين لم يكونوا في هذه الحالة أوروبيين، بيضا ومسيحيين، كانوا يعانون من نيران الأمريكيين الذين أطلقوا عليهم قذائف المدفعية والصواريخ.
ويرى روبنسون أن الصحافة الأمريكية هنا لم تكن متحيزة عن قصد، ولديه كل الاحترام للصحافيين الذين غطوا الحرب بمن فيهم برينت رينو، الصحافي الأمريكي الذي قتل عند حاجز تفتيش في كييف.
وتقول ماري ليبنسكي، مديرة مؤسسة نيمان للصحافة بجامعة هارفارد، “لم تكن هذه هي أول حرب بالنسبة له، ولم تكن أول ظروفه المعقدة ولم يكن كاوبوي”. “كان شخصا رائعا وحساسا جدا وخجولا يتعامل بسهولة مع الناس. وكان في داخله إنسانية”. وليبارك الله لصحافيين بهذه الشجاعة والتعاطف وحبذا لو تم إظهار التعاطف مع ضحايا الحروب في كل مكان، الذين هم بشر مثل الأوكرانيين.