الخرطوم – «القدس العربي»: دعت لجنة المعلمين السودانيين لتظاهرات “مليونية رد الكرامة”، اليوم الخميس، احتجاجاً على اعتداء قوات أمنية بالضرب على معلمين واعتقالهم بشكل عنيف من داخل مدرسة بمدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور. وفي الأثناء، حاصر مئات الطلاب منزل والي ولاية جنوب دارفور المكلف، حامد التجاني هنون، أمس الأربعاء، تنديداً بضرب المعلمين واعتقالهم بشكل مهين من داخل المدرسة.
واعتدت قوات أمنية، الإثنين الماضي، بالضرب على مدير مدرسة نيالا الثانوية، ومعلمين آخرين واعتقلتهم من داخل مباني المدرسة. وعلى خلفية الحادثة، نفذ المعلمون في مدينة نيالا، وقفة احتجاجية، الثلاثاء، أمام مباني وزارة التربية والتعليم الولاية، وأعلنوا الإضراب الشامل عن العمل، حتى تتم محاسبة المتورطين في الاعتداء.
وقالت لجنة المعلمين في ولاية جنوب دارفور، في بيان، إن المعلمين في جميع المراحل الدراسية في الولاية سيتوقفون عن العمل، إلى حين تقديم الجناة لمحاكمة عادلة وتقديم اعتذار كاف من وزارة الداخلية وأمن وشرطة الولاية والوالي المكلف والمدير العام المكلف لوزارة التربية والتوجيه في الولاية.
وأكد والي ولاية جنوب دارفور، حرص حكومته على الاستقرار الأكاديمي واستمرار ما تبقى من العام الدراسي.
وقال في تصريحات صحافية إن حكومته لن تتهاون في تطبيق القانون على أي شخص كان، مؤكداً أنها ستتخذ القرار المناسب بخصوص الحادثة بعد إجراء التحقيقات اللازمة. ونفت شرطة ولاية جنوب دارفور، صحة مقطع مصور لحادثة الاعتداء على المعلمين، وأكدت في بيان، الثلاثاء، أن القوة التابعة للشرطة قامت باعتقالهم فقط.
ويظهر المقطع المصور، الذي نشرته لجان المقاومة في مدينة نيالا، للحادثة، اعتداء منسوبي الشرطة على المعلمين بالضرب واعتقالهم بشكل عنيف. وقالت شرطة جنوب دارفور، في روايتها للحادثة، إن ضابطاً برتبة ملازم شرطة كان يقود قوة من قوات الاحتياطي المركزي، إلى رئاسة شرطة محلية نيالا شمال، يوم الحادثة. وأضافت: “عندما كانت القوة في طريقها إلى مباني رئاسة الشرطة، وجدت طلاب مدرسة نيالا يغلقون الطريق الرئيسي، مؤكدة أنهم رشقوا كوادر الشرطة بالحجارة، وأنها بالمقابل تصدت لهم وقامت بتفريقهم.
وتابعت: “دخلت القوة إلى مدرسة نيالا، ودار نقاش بينها وبين المعلمين بشأن ما قام به الطلاب، قبل أن تقوم باقتياد خمسة من المعلمين إلى رئاسة شرطة محلية نيالا”. وأكدت شرطة الولاية، وفق البيان، أنها بعد اقتياد المعلمين إلى رئاسة الشرطة، ناقشت معهم ما حدث فقط، وانتهى الأمر بحل المشكلة وأعيد المعلمون لمدرستهم بعربة الشرطة وهم في تمام الرضا.
وبعد استنكار المعلمين لتصريحات شرطة الولاية، قامت رئاسة الشرطة الاتحادية بتأكيد إدانتها لما تعرض له المعلمون في مدرسة نيالا الثانوية بنين من قبل قوة تتبع للشرطة، مؤكدة تشكيل مجلس تحقيق حول واقعة دخول الحرم المدرسي. وقال المكتب الصحافي للشرطة في بيان أمس: “تؤكد رئاسة قوات الشرطة بأن المعلمين محل احترام وتقدير وتبجيل ولا نسمح بأن يكون بيننا أو من منسوبينا من يأتي بمثل ما جاء بالمقطع”.
وأضافت: “ما شاهدناه في المقطع سلوك مرفوض جملة وتفصيلًا، ونؤكد قدراتنا للوصول للحقيقة ومحاكمة مرتكبيه أو صانعيه مهما كان”، مؤكدة أنها ستتابع نتيجة التحقيق العاجل، بخصوص المقطع المصور واتخاذ الإجراءات الرادعة والحاسمة تجاه مرتكبيها. وتشهد مدينة نيالا ومدن أخرى تظاهرات واسعة واحتجاجات طلابية، منذ الأحد الماضي، تنديداً بالتدهور الاقتصادي وغلاء المعيشة وللمطالبة بإسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة للمدنيين. بالتزامن مع إضرابات ووقفات احتجاجية مطلبية لقطاعات مهنية، أبرزها المعلمون وعمال السكك الحديدية. وفي وقت أكد المعلمون في نيالا استمرار الإضراب الشامل عن العمل، لحين محاسبة المتورطين في الاعتداء. وينتظر أن يعلن المعلمون في مدن السودان المختلفة جدولة جديدة للإضرابات، الأسبوع المقبل، تنديداً بضعف الرواتب والهيكل الراتبي الجديد الذي أعلنته وزارة المالية. ووصفت لجنة المعلمين السودانيين الاعتداء على المعلمين في مدرسة نيالا بـ”السقطة الأخلاقية التي تضاف إلى صحائف الانقلابيين”، مؤكدة أن ما حدث لمعلمي مدرسة نيالا الثانوية بنين هو امتداد لما ظلت تقوم أجهزة القمع والبطش، للسلطة العسكرية. وأضافت في بيان، أمس، يحاول قادة الانقلاب توهماً كسر عزيمة شعبنا، وهم لا يعلمون أن هذه الجرائم إنما تزيد في (فاتورة) سيدفعونها مرغمين عاجلاً أو آجلاً. وأعلنت عن تسيير المعلمين لتظاهرات تحت شعار “رد الكرامة”، اليوم الخميس، تتوجه إلى مباني وزارة الداخلية، وسط الخرطوم، لتسليم مذكرة تطالب بمحاسبة مرتكبي جريمة مدرسة نيالا الثانوية. ويسلم المعلمون، مذكرة أخرى للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، تحوي رصداً لكل الانتهاكات التي تعرض لها المعلمون والتلاميذ والطلاب داخل وخارج المدارس منذ انقلاب العسكريين في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وقال عضو لجنة المعلمين السودانيين، عمار يوسف، لـ”القدس العربي” إن حادثة الاعتداء على المعلمين في نيالا، ليست الأولى من نوعها، منذ الانقلاب العسكري، حيث قتل معلم، وعشرات الطلاب خلال قمع الأجهزة الأمنية التظاهرات، الرافضة للانقلاب العسكري، فضلاً عن ضرب واعتقال أكثر من 100 معلم من داخل وأمام مباني وزارة التربية والتعليم في ولاية الخرطوم، مما أسفر عن إصابات عديدة، وإجهاض إحدى المعلمات.
وبالتزامن مع تظاهرات المعلمين في العاصمة الخرطوم، تخرج تظاهرات في ولايتي الجزيرة وكسلا، رفضاً لاستخدام العنف ضد المعلمين، يقول “يوسف”، مؤكداً أن الاعتداء على المعلمين والحط من كرامتهم، واقتحام مباني المدارس والاعتداء عليها بالغاز المسيل للدموع أمر مرفوض، ويجب ألا يتكرر مرة أخرى.
وأضاف: “أنهى المعلمون السودانيون، أمس، الإضراب المعلن منذ الأحد الماضي، وسيعلن الأسبوع القادم إضراب جديد وفق الجدولة المعلنة، مشيراً إلى أن معلمي جنوب دارفور سيواصلون الإضراب الشامل المعلن منذ الثلاثاء”.
ولم يستبعد يوسف أن يدخل المعلمون في المدن الأخرى إضراباً شاملاً، مؤكداً أن ذلك يعتمد على مستجدات الأحداث. من جانبها، استنكرت لجنة المعلمين في ولاية الجزيرة، وسط السودان، الاعتداء على المعلمين في جنوب دارفور، واصفة إياه بالتصرف الهمجي والسافر. وقالت في بيان: “لم يكن للمعلمين المعتدى عليهم ذنب سوى المطالبة بحقوقهم المادية التي تكفل لهم ولابنائهم العيش الكريم، مشيرة لاستخدامهم الإضراب، كوسيلة مشروعة تبيحها كافة القوانين والأعراف المحلية والدولية، للاحتجاج على تدني الأجور والهيكل الراتبي الجديد الضعيف”.
وأضافت: “ظل المعلمون يتحملون الإهمال والتجاهل لقضاياهم المهنية، إعلاء لمصلحة الوطن وأبنائه فوق مصالحهم خلال فترة الظلم والاستبداد والقهر ضاربين أروع الأمثال في التضحية ونكران الذات”.
وطالبت لجنة معلمي ولاية الجزيرة وزارة التربية والتعليم الاتحادية بتحمل مسؤوليتها في الدفاع عن حقوق منتسبيها وحمايتهم كواجب أخلاقي ومهني. وقالت لجنة المعلمين في ولاية كسلا، شرق السودان: “لقد تابعنا بحزن عميق ما حدث لزملائنا مشاعل النور والمعرفة في مدرسة نيالا الثانوية بنين من ضرب وسحل وانتهاكات دون مراعاة لكرامة المعلم وإنسانيته”.
وأضافت: “إن مواجهة مطالب المعلمين المشروعة بهذا السلوك المُشين من القوة التي داهمت المدرسة يدل على السقوط الأخلاقي وينذر بالانهيار الشامل في كافة نواحي الحياة”. وتابعت أن “ما حدث امتداد لما ظلت تقوم به السلطة الانقلابية من بطش وقمع مفرط دون وجه حق وهي لا تعلم أن كل هذا لن يزيدنا إلا قوة و إصراراً على السير قدماً في المضي إلى الامام حتى تحقيق النصر”.
وطالبت لجنة المعلمين، وسط دارفور، الجهات العدلية بمحاسبة الذين اعتدوا على المعلمين أمام داخل المدارس وأمام الطلاب. وأكدت إدانتها لاعتقال المعلمين، مطالبة بإطلاق سراح جميع المعلمين المعتقلين في مدن السودان المختلفة. وأضافت أن “التعامل الوحشي غير الإنساني الذي يرتكبه هؤلاء في حق زملائنا لا يزيدنا إلا تماسكاً وقوة لمواجهة التحديات الماثلة.