الخرطوم- «القدس العربي»: في وقت تتصاعد الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري والإضرابات المهنية في مدن السودان المختلفة، اقتحمت مجموعات مسلحة ترتدي زي القوات النظامية، مباني بنك الدم المركزي، بالتزامن مع تظاهرات مليونية ضد “غلاء المعيشة”، التي توجهت أمس الخميس نحو القصر الرئاسي وسط الخرطوم. بالموازاة، توجه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، أمس، إلى العاصمة الوغندية كمبالا، لعقد اجتماعات ثنائية مع الرئيس الوغندي يوري موسيفيني، ومنها سافر إلى جوبا عاصمة دولة جنوب السودان.
وشارك الآلاف في تظاهرات مليونية متعددة في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، أكدت رفض الانقلاب العسكري، ونددت بالعنف ضد المعلمين وبغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. وبينما وصل المحتجون في تظاهرات الأمس إلى تخوم القصر الرئاسي، واجهت الأجهزة الأمنية التي انتشرت بكثافة في محيط القصر والشوارع القريبة المتظاهرين بإطلاق عبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية بكثافة، ولاحقتهم وصولاً لأحياء الخرطوم 2 والخرطوم 3 وسط الخرطوم.
وفي الأثناء، اقتحمت مجموعات مسلحة ترتدي زي القوات النظامية، مباني بنك الدم المركزي، واستولت على ممتلكات العاملين هناك، فيما أكد شهود عيان تعرض المتظاهرين خلال عمليات الملاحقة في أحياء الخرطوم للنهب من قبل مجموعات ترتدي أزياء القوات النظامية. وأصيب العشرات خلال قمع وملاحقة الأجهزة الأمنية للمتظاهرين في مدن العاصمة السودانية الثلاث، الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، بينما لم تعلن لجنة أطباء السودان المركزية عن عدد المصابين حتى لحظة كتابة التقرير.
وقالت تنسيقيات لجان المقاومة في ولاية الخرطوم، إن مليونية الأمس “جاءت للتنديد بسياسات السلطة الانقلابية التي أدت بشكل مباشر إلى الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد”، مشيرة إلى أن هذه السياسات أدت إلى فقدان مباشر لمبلغ 150 مليون دولار من صندوق النقد الدولي كانت ستخصص لمعالجة ودعم ميزانية الأدوية المنقذة للحياة، والأسمدة، والموسم الشتوي الزراعي، وقطاع الكهرباء، وبرنامج “ثمرات”، بمبلغ يصل لأكثر من 1.5 مليار دولار. ولفتت إلى أن قادة الانقلاب سيلجأون في نهاية المطاف إلى طباعة مزيد من العملة والتعامل بشراء الدولار من السوق السوداء، مشيرة إلى أن ذلك سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل أكبر، وتواصل زيادة الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة. وفي الوقت ذاته، سيّر المعلمون تظاهرات مليونية لـ “رد الكرامة”، أمس، التي توجهت من مباني وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الداخلية، منددين بالعنف ضد المعلمين. وسلم المعلمون وزير الداخلية المكلف، عنان حامد، مذكرة احتجاج رافضة للاعتداء على معلمين في مدينة نيالا عاصمة ولاية غرب دارفور من قبل قوات نظامية، فضلاً عن الانتهاكات الأخرى التي تعرض لها المعلمون.
وأشارت المذكرة إلى تعدي مجموعة ترتدي زي القوات النظامية بشكل مهين لعدد من معلمي مدرسة نيالا الثانوية الحكومية بنين، بسبب التزامهم بإضراب معلمي السودان المعلن عن العمل، وشددت على أن ما قامت به القوات النظامية تسبب في تعريض المعلمين بمدرسة نيالا إلى إيذاء بدني ولفظي، مؤكدة أن الإساءة لهؤلاء المعلمين تمثل إساءة لمعلمي السودان بكل مدنه وأريافه. ولفتت إلى تعرض المعلمين منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لانتهاكات عديدة على يد منسوبي الشرطة منذ وقفة المعلمين بوزارة التربية والتعليم ولاية الخرطوم أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مروراً بحوادث الاعتداء على المدارس، مشددة على أن استهداف المدارس بمعلميها وطلابها كان له أثر سيئ على نفوس المعلمين والطلاب وأسرهم.
وأشارت إلى اعتداء كوادر أمنية بالغاز المسيل للدموع على مدرسة ذات النطاقين للبنات، بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل، وحدوث عدد من حالات الإغماء بين المعلمات والتلميذات بالمدرسة. ولفتت إلى إعلان ولايتي جنوب دارفور والنيل الأزرق تعليق الدراسة بسبب تظاهرات شارك فيها الطلاب والمعلمون، وكانت من مسبباتها رفض ما تعرض له المعلمون بولاية جنوب دارفور بمدرسة نيالا الحكومية. وطالب المعلمون وزارة الداخلية بتقديم اعتذار رسمي على كل الاعتداءات التي قامت بها القوات النظامية، وفتح تحقيق شفاف وسريع حول الوقائع، ومحاسبة من تثبت عليهم تهمة فيها، مشددة على ضرورة اتخاذ ما يلزم من الإجراءات والتدابير لضمان عدم تكرار ما حدث.
وأضاف المعلمون: “نأمل أن تلعب الشرطة السودانية الدور المنوط بها كجهاز مدني، بعيداً عن الدور الذي تحاول دوماً الحكومات الديكتاتورية رسمه للشرطة، حتى أثر ذلك على العلاقة بين الشرطة والشعب ووضع جداراً عازلاً بينهما”. وتابعت: “الشرطة للشعب، ومنه وينبغي أن تكون أمينة على الشعب وممتلكاته، لا أن تكون يداً باطشة للسلطة تحركها حيثما تريد”.
إلى ذلك، أعلنت السلطات في ولايتي النيل الأزرق وجنوب دارفور، تعليق الدراسة لجهة تواصل التظاهرات الطلابية طوال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع إضراب المعلمين في مدن السودان المختلفة الذي ينتظر أن يتجدد الأسبوع المقبل. وما زال عمال السكك الحديدية في مدينة عطبرة، يواصلون الإضراب احتجاجاً على تدني الأجور، في وقت تشهد المدينة تظاهرات متواصلة تنديداً باستيلاء العسكريين على السلطة والضائقة المعيشية التي تفاقمت عقب الانقلاب العسكري.
واستمرت التظاهرات التي ارتفعت وتيرتها مطلع الأسبوع الجاري، في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، أبرزها ود مدني، وعطبرة، وبورتسودان، والقضارف، وكسلا، والدمازين، وكوستي.
وبالتزامن، نظم العاملون بمصنع سكر حلفا الجديدة، وقفة احتجاجية أمس الخميس أمام مباني رئاسة المصنع، رفضاً لقرارات إدارة الشركة التي تم بموجبها تخفيض العلاوات وإلغاء عدد من المنح، فضلاً عن تخفيض حصص العاملين في المصنع من السكر.
وفي الأثناء، عقد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، اجتماعاً ثنائياً مع الرئيس الوغندي يوري موسيفني، أمس الخميس، خلال زيارة استمرت ليوم واحد للعاصمة الوغندية كمبالا. وقال إعلام المجلس السيادي في بيان أمس، إن البرهان عقد اجتماعاً ثنائياً مع الرئيس الوغندي في كمبالا، ناقش العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك. ورافقه وزير الخارجية المكلف علي الصادق، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل. وأضاف: “أطلع البرهان، موسيفني على مستجدات وتطورات الأوضاع في السودان ورؤيته لحل الأزمة السياسية، التي تعتمد على قيام حوار شامل يفضي إلى توافق وإجماع وطني ويضع أسساً راسخة للتحول الديمقراطي”، حسب البيان.
وتابع: “دعا موسيفيني لعدم إقصاء أي طرف في العملية السياسية داخل السودان”، مؤكداً على ضرورة تكوين حكومة انتقالية من التكنوقراط المستقلين لإدارة الفترة الانتقالية. وطالب كافة الفاعلين السياسيين للانخراط في حوار شامل يفضي إلى حلول مرضية وعاجلة، معتبراً الانتخابات هي الحل لخروج السودان من الأزمة الراهنة.
وقال موسيفني في تغريدة على حسابه في تويتر، إنه أكد للبرهان ضرورة إقامة انتخابات حرة وعادلة لتوحيد السودانيين وتحقيق السلام، مشيراً إلى أن “الانتخابات قادرة على ضبط السياسيين”. وتوجه البرهان من كمبالا إلى العاصمة الجنوب سودانية جوبا، في زيارة تستمر ليومين، يجري خلالها مباحثات مشتركة مع الرئيس الجنوب سوداني سلفاكير ميارديت، حسب بيان للمجلس السيادي.
والثلاثاء الماضي، اختتم البرهان زيارة استمرت أربعة أيام لدولة الإمارات، وقالت الخارجية السودانية إنها ركزت على الملف الاقتصادي، بينما أكدت تقارير محلية أن محور الزيارة كان مبادرة إماراتية لتسوية الأوضاع بعد الانقلاب، إلا أنها لم تتقدم إلى الأمام. وتعتبر زيارة البرهان للإمارات الزيارة الخارجية الأولى لقائد الجيش منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وكان من المنتظر أن يزور البرهان السعودية الأربعاء الماضي، إلا أن الزيارة ألغيت بشكل مفاجئ، ليسافر بعدها إلى كمبالا ومن ثم جوبا، في وقت تتصاعد فيه التظاهرات الشعبية الرافضة للانقلاب في السودان.