القاهرة ـ «القدس العربي»: ليس أسوأ من تأثير الآثار الاقتصادية القاسية التي يواجهها المصريون في الوقت الراهن، سوى الحلول التي يطرحها بعض رموز المجتمع، فعقب دعوة الإعلامي عمرو أديب المواطنين التوقف عن تناول “البيض الأورغانيك”، على الرغم من أن الأغلبية تعاني في سبيل البقاء على ظهر الحياة، إذ بنقيب الفلاحين يزيد من غضب الجماهير الباحثة بشق الأنفس عن “الخبز الحاف” بعد أن دعاهم لعدم حشو الحمام بـ”الفريك” لعدم إهدار القمح، وطالب حسين أبو صدام نقيب الفلاحين، الحكومة بالتصدي لظاهرة شوي الأقماح وتحويلها إلى فريك، قائلا: “موضوع الفريك يعتبر في الوقت الحالي خطير”. وأضاف: “يعتبر حشو البط والوز والحمام في الوقت الحالي بالفريك رفاهية، إحنا عندنا الأرز ممكن نحشي بيه”. وتابع: “بنشوي القمح قبل معاد نضجه وموسم الفريك بيكون أول إبريل/نيسان والناس تقطع سنابل القمح خضراء”. وقال نقيب الفلاحين: “الفريك وصل حاليا لأسعار عالية الكيلو بـ24 جنيها في حين القمح سعر الكيلو حوالي 6 جنيهات”. ومن جانبه انضم الإعلامي والنائب في البرلمان مصطفى بكري للمحذرين من عواقب الغلاء، داعيا لدعم الفقراء قائلا: “المواطنون يعانون من غلاء الأسعار، هذه حقيقة لها أسبابها، لو واحد بيقبض 5 آلاف جنيه، هيعمل بيهم إيه، هيسدد الكهرباء والمواصلات إزاي، اعذروا المواطنين ومتفوروش دم الناس، وبلاش نستفزهم”.
واهتمت صحف أمس الجمعة 18 مارس/آذار في المقام الأول بتسليط الضوء على جهود الحكومة في التصدي للغلاء الفاحش، الذي أصبح يهدد بما لا يحمد عقباه… ومن تصريحات رموز المؤسسة الدينية: هنأ فضيلة الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، الرئيس عبد الفتاح السيسي، والفريق أول محمد أحمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والقوات المسلحة المصرية وجموع الشعب المصري، بمناسبة الذكرى الـ 33 لتحرير طابا. ومن الأخبار العامة : قالت وزارة الخارجية الإثيوبية إنه تم تعيين سفراء جدد إلى دول مختلفة، من بينهم الدبلوماسي حسن إبراهيم سفيرا لإثيوبيا لدى مصر.
حمام بالفريك
من تجليات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأوكرانية، كما أوضح حمدي رزق في “المصري اليوم” بروز تيار اقتصادي مصري لافت عالميا، ينتهج العقلانية الاستهلاكية، ويفتكس حلولا سحرية للمشاكل اليومية المتخلفة عن الحرب. أحدث التجليات الاقتصادية بعد نظرية «البيض بالبسطرمة» التي لفت العالم الافتراضي، صدرت عن مرجع اقتصادي مصرى أريب، نظرية عجائبية تسمى نظرية «الحمام بالفريك»، وتقوم على فكرة شعبوية «أنا زي الفريك محبش شريك». نظرية جاوزت «النظرية الكنزية» في الاقتصاد لصاحبها الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز، المعروفة بنظرية «الدخل المطلق»، وترى أن مستوى الدخل المطلق هو العامل الأساسي الذي يحدد حجم الإنفاق الاستهلاكي للفرد، سواء في حالة البيض الأورغانيك، أو الحمام الزغاليل. نظرية «الحمام بالفريك» لصاحبها الاقتصادي المصري حسين أبو صدام، تستهدف الحد من استهلاك الفريك، لاسيما وأن أزمة الفريك العالمية تلقي بظلالها على الاقتصاديات الناشئة، وهي اقتصاديات تتعاطى الحمام بالفريك، والبط بالفريك، والوز بالفريك، ما يشكل اختلالا في المعادلات الاقتصادية ويدفع العالم نحو الأزمة الفريكية العظمى. سعر صاع الفريك الخام كسر سقف العشرة جنيهات في أسواق المنوفية، وأزمة الفريك تقلق المؤسسات الاقتصادية العالمية، ويتوفر عليها صندوق النقد والبنك الدولي، لقياس تأثيرات نقص الفريك على مستوى التضخم العالمي، وخطورة استهلاك الاحتياطي الاستراتيجي من الفريك في بلاد تأكل الزغاليل.
اجتماع أممي
واصل حمدي رزق سخريته بشأن الدعوة للتوقف عن حشو الحمام بالفريك: معلومات تتحدث عن اجتماع أممي سيحضره نقيب الفلاحين المصري حسين أبو صدام صاحب نظرية «تداعيات حشو الحمام بالفريك في زمن الحرب» لإلقاء محاضرة على جمع من الخبراء الدوليين، بغية البحث عن حلول واقعية لأزمة الفريك العالمية، في سياق التجربة المصرية في ترشيد استهلاك الفريك (شويا أو حشوا). كلامه في الشتاء فاكهة، ومنطوقه فلسفي اقتصادى متطور، أبو صدام لفت العالم، ولقي استحسانا من خبراء البنك الدولي، وجار تعميم تجربة الحمام بالفريك في شرق جبال الأوراس. أبو صدام ليس فلاحا عاديا، ولكنه نقيب استثنائي، يفكرك بالأروبة الفرنسية ماري أنطوانيت صاحبة المسكوكة التاريخية «إذا لم يجدوا الخبز، فليأكلوا البسكويت». يقال والله أعلم، وعلى طريقة تفاحة العم نيوتن، أبو صدام كان منفعلا بالحرب الأوكرانية، وحانقا على بوتين، وعاد إلى بيته بعد طلعة تلفزيونية قاهرية، مهموما منهكا حزينا من أثر الحرب، مدد رجليه وفرد طوله على الكنبة في الصالون، ومن تعبه أخذته سِنة من النوم، فصعد لأعلى، فوق السطوح، فطاف ببرج الحمام، فطارت حمامة لأعلى، تهدل وتضرب بجناحيها، والزغاليل القرع في العش تصفر «بلاش حمام بالفريك»، فصحا من نومه على التلفزيون عدل، وألقى بمنامه على جمهرة المشاهدين، فخرجوا في مظاهرة إلكترونية حاشدة، بلاش حمام بالفريك. الأمر جد خطير، الأزمة الاقتصادية ضاغطة على أنفاس أبو صدام، طابقة على قفصه الصدري، ومعلومات يقينية مرشح بقوة لجائزة نوبل في الاقتصاد، فقط أخشى اسمه يكون محل تردد من لجنة الجائزة.
الأزمة من هنا
وضع جمال الشاعر في “الأهرام” يده على سبب الأزمة التي نعيشها: كل فلاح حاليا يزرع اللي على مزاجه.. تحرير الدورة الزراعية كان قرارا كارثيا بكل معنى الكلمة، صحيح أن لدينا حاليا تحت الاستصلاح 2 مليون فدان.. ولكن تكلفة استصلاح الفدان 300 ألف جنيه، وليست في جودة الأراضي التي تم تجريفها سابقا للأسف.. وقد أعجبتنى توصية الخبير الزراعي الدكتور نادر نور الدين بأهمية وضع قوانين للزراعة، تقتضي بأن يترك المستثمرون الأجانب في مجال الزراعة نصف إنتاجهم للبيع المحلي كنوع من التأمين لاحتياجاتنا.. زراعة اللب والبرسيم الحجازي كذلك يجب أن تتقلص تماما.. لأنها تشرب مياها كثيرة.. وأن يتوقف مؤقتا تصدير العدس والفول والمكرونة.. الحمد لله عندنا احتياطي قمح يكفي حتى نهاية العام، كما أعلنت الحكومة مشكورة.. وكذلك تم وضع خطة لبناء الصوامع.. رائع أزمة القمح هذه جعلتنى أتذكر الكاتبة العظيمة سكينة فؤاد.. زرقاء اليمامة التي حذرتنا كثيرا من عدم زراعة القمح، وكأنها كانت ترى أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا مقبلة، لا ريب فيها، وأن مجاعة القمح العالمية تهديد غير مستبعد.. كانت تقول أيضا إن إنتاج رغيف خبز من الشعير سوف يوفر نحو 40% من استيراد القمح.. كتاباتها أزعجت المسؤولين زمان.. فكان أن تم إيقافها عن الكتابة بسبب القمح.. السؤال الآن.. ماذا نحن فاعلون الآن؟ الكرة في ملعب الصديق العزيز سيد القصير وزير الزراعة، لا بد من إعادة النظر في عودة قوانين ملزمة للسياسات الزراعية وتعديل قانون عام 1993.. ووضع أولويات للأمن الغذائي المصري.. ووضع خطة لمضاعفة إنتاجنا الزراعي والسمكي.. فمن غير المعقول أن مصر التي تمتلك بحارا وبحيرات تبلغ نحو ثلاثة آلاف كم.. كما تمتلك أيضا نهر النيل العظيم بطول ألف كيلو متر.. لا تكون لديها ثروة سمكية جبارة.. لو نجحنا في استثمار ما لدينا فلربما تتغير عاداتنا الغذائية ونستطيع حينها أن نفطر في الصباح بدلا من الفول المدمس أسماكا فخيمة (بلطي وبوري وكابوريا واستاكوزا وجمبري).. مثلما يأكل اليابانيون صباحا.. ولربما تقدمنا مثلهم.. على الأقل صحيا.. وعموما فمن المؤكد أن تنوع سلة الغذاء سوف يساعدنا في تجاوز إشكالية زراعة المكرونة.. أقصد زراعة قمح المكرونة.
القدس وكييف
اندلعت الحرب على الأراضي الأوكرانية وشهدت أوكرانيا أوقاتا عصيبة، وشاهدنا معها مشاهد مؤلمة مبكية لعائلات نازحة وأطفال باكين. الوضع كما تقول نادين عبد الله في “المصري اليوم” صعب وحزين. ومع بداية الغزو الروسي وظهور هذه المشاهد المفجعة، ظهرت في مصر ردود أفعال متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي البداية، تعاطف الكثيرون مع الشعب الأوكراني وظهرت مبادرات تضامنية مفرحة، من بينها الدعاء والصلاة في الجوامع أو الكنائس، وتحمس البعض وطلب التدخل لمساعد الشعب الأوكراني بأي طريقة ممكنة. ولكن بعد قليل من الوقت، تلاشت هذه الأفكار بعض الشيء، وظهرت روايات أخرى مغايرة تنتقد الاهتمام الأوروبي والعالمي بالحالة الأوكرانية، وتتساءل لماذا لم تحظ فلسطين أو اليمن أو سوريا، أو غيرها من الدول العربية المأزومة، بمثل هذا الاهتمام، رغم الأهوال التي تشهدها شعوبها المكلومة. وهنا كما أوضحت نادين عبد الله ظهرت مثلا كاريكاتيرات تضع العلم الأوكراني على اليمن أو فلسطين، متسائلة لو كان هذا هو الحل الوحيد كي يسمع العالم أنينها مثلما سمع صريخ الشعب الأوكراني.
لطم وثرثرة
ترى نادين عبد الله أن مثل هذه السرديات تخفي وراءها كثيرا من الضعف والهزيمة. فالطبيعي هو أن تتعاطف الشعوب الأوروبية مع جيرانها لما في ذلك من قرب جغرافي وامتداد ثقافي. ومفهوم إلى حد كبير أن يهتم الحكام الأوروبيون بالقضية الأوكرانية لما في ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية. أما غير العادي فهو أن ينكر البعض هذه البديهيات أو يندهش منها. فعليا، مشكلة مثل هذه الروايات أنها تكتفي باللطم والثرثرة، وتستعيض بها عن التأثير والفعل. فالأجدر هو أن يسأل أصحاب مثل هذه الأفكار أنفسهم، ماذا فعلت الدول العربية لمساندة بعضها؟ وماذا فعلت الشعوب العربية لدعم أشقائها والتضامن المعنوي والمادي معهم؟ جميعنا يعرف أن المساندة منقوصة، وأن التضامن خافت للغاية. قد يقول قائل، ولكن الدول والشعوب العربية ليست فاعلا قويا على الساحة الدولية، ومن ثم، لا بد من أن نوجه لومنا للفاعلين الأقوياء. وهنا أيضا، مشكلة مثل هذه الخطابات أنها تعزز مفهوم الضعف نفسه، لأنها تؤكده بدلا من أن تسعى إلى تغييره. فهي تكتفي بالمكلمة، وتريح ضميرها بالثرثرة، بدلا من أن تعترف بالتقصير، وتفكر في كيفية تغيير مواقعها، فتكون فاعلا لا مفعولا به. فالحقيقة هي أنه حان وقت تغيير سرديات المهزومين هذه إلى أفعال تخلق دولا وشعوبا منتصرة ومؤثرة، بل قادرة على تقديم تضامن إنساني ودعم سياسي للجميع على السواء.
ميؤوس منه
عالمنا الآن يمكن وصفه على حد رأي عبد القادر شهيب في “الأخبار” بأنه عالم عقوبات. فقد انتشر فيه استخدام العقوبات بمختلف أنواعها، خاصة الاقتصادية، خارج إطار الأمم المتحدة بشكل منفلت بين الدول، رغم التوافق العالمي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على أن تستأثر المنظمة الدولية وحدها فرض العقوبات على الدول، وهذا ما حذرت منه مصر وأعلنت بوضوح في الجمعية العامة للأمم المتحدة رفضها له لخطورته، خاصة على الاقتصاد العالمي وشعوب العالم. مؤكد أن العقوبات الاقتصادية التي سارعت أمريكا والعديد من الدول الأوروبية وبعض الدول الأخرى إلى فرضها على روسيا بعد اندلاع الحرب الأوكرانية سوف تكون مؤلمة لروسيا وشعبها، لأنها أشبه بالحصار الاقتصادي عليها، وقد بدأت تعاني بالفعل منها، لكنها لن تكسرها أو ترغمها على الأقل في المدى المنظور أن توقف إطلاق النار وتسحب قواتها من الأراضي الأوكرانية قبل تحقيق أهدافها والمتمثلة في فرض الحياد على أوكرانيا حتى لا تكون قاعدة عسكرية للغرب تهددها، خاصة أن روسيا تراكم لديها منذ سنوات خبرة الالتفاف على العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب عليها بعد ضم شبه جزيرة القرم.. بل إن هذه العقوبات قد تمنح روسيا إذا شاءت فرصة للاعتماد أكثر على الذات، في ظل أنها ما زالت تتحكم ولسنوات مقبلة في تدفق النفط والغاز إلى أوروبا.. وهذا ما يقوله العديد من الدراسات الأمريكية التي تناولت أمر العقوبات الاقتصادية الدولية التي شاع اللجوء إليها في العقود الأخيرة، فهي انتهت إلى أن 3% فقط من العقوبات الاقتصادية الدولية حققت أهداف من فرضوها.. وهذا صحيح لأن العقوبات الاقتصادية لم تسقط حكاما مثل حكام إيران وكوريا الشمالية، ولم تغير سياسات دول عديدة طالتها مثل فنزويلا، ولم تحرم دولا من تحقيق معدل نمو اقتصادي مثل الصين، ولم تمنع دولا من أن تظفر بسلاح نووي عندما أرادت مثل الهند وباكستان.
أكاذيب الحرب
أوضح محمد حسن الألفي في “مصراوي” أن تشهد الحرب الروسية الأوروبية الجارية الآن، استخدام أقدم وأبشع الأسلحة المدمرة، لا هو نووي، ولا كيميائي، ولا بيولوجي جرثومي أو فيروسي، بل هو سلاح تدمير الإنسان من الداخل، وخلخلته معنويا وروحيا، هو سلاح الحرب النفسية. ولمدير المخابرات المصري الراحل صلاح نصر كتاب من جزءين بعنوان “الحرب النفسية معركة الكلمة والمعتقد”، وفيه تأصيل للفكرة وقدرات وتوابع هذا السلاح المدمر للجيوش وللأمم.. والحقيقة أنها سلاح، اعتمدته الجيوش كافة. ومما نذكره رسائل التتار قبل اجتياح البلدان، لتخويف وترهيب الناس وبث الرعب والخوف، وهجر البلاد ونبذ القتال، ومن التتار إلى الدواعش، وبينهم ألمانيا النازية، وعقلها المدبر غوبلز مؤسس إعلام الأكاذيب في عهد هتلر، وفى الغزو الأمريكي للعراق، شهدنا جميعا فيضانا من التسريبات المصورة والتصريحات وأنصاف الحقائق. هذا سلاح ذخيرته الكلمة، والوسيلة، والقدرة الاتصالية لناشر الشائعة. والحق أن خماسين ما يسمى بالربيع العربي بدأت كلها بسلاح الحرب النفسية، بث الشائعات، وبإلحاح لا هوادة فيه، بحيث يصدق الناس الأكاذيب ويقومون هم بدورهم بتدويرها، بل الإضافة عليها، وفي هذا كله تتلقى العقول المغيبة والجاهلة والنفوس الساخطة، والصدور العميلة، رسائل التخريب الذاتي، ولا تبذل أدنى جهد لترشيدها أو بحث معقوليتها، أو كشف دناءة الفكرة المنطوية عليها.
بمواصفات إسرائيلية
مع تجاوز الغزو الروسي لأوكرانيا يومه العشرين، ووصول المفاوضات بين الطرفين لطريق مسدود، باتت كل التوقعات التي انتهى إليها الدكتور سامح عباس في “البوابة” تشير إلى استحالة استمرار الوضع الحالي، لاسيما في ظل النزيف الاقتصادي الهائل الذي تعاني منه روسيا من جانب والعالم كله من جانب آخر. وعلى ضوء المخاوف الروسية من الدخول في مستنقع حرب استنزاف طويلة الأمد في أوكرانيا، في ظل الصمود الأوكراني، وبقاء نظام الرئيس فولوديمير زيلينسكي الموالي للغرب، فقد بات النموذج الإسرائيلي لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، هو السيناريو الأقرب لموسكو للخروج بشكل مناسب يحفظ لها هيبتها الإقليمية والدولية، وفي الوقت ذاته يمكن للأوكران الظهور أمام شاشات العالم في صورة المنتصر، كحال الحروب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في مواجهة حركة حماس. فمع اللجوء لمجلس الأمن وإصدار قرارات أممية يمكن لروسيا أن تعود أدراجها، ويستطيع رئيسها فلاديمير بوتين أن يعلن انتصاره الكبير أمام الـ450 عضوا من أعضاء مجلس الدوما، واستعراض عضلاته أمامهم بأنه نجح في وقف التوسع الأمريكي، وكسر أسطورة الناتو على صخرة الإصرار الروسي. كما يمكن له التفاخر بقوة السلاح العسكري الروسي، الذي كانت الساحة الاوكرانية فرصة له لتسويقه وبيعه في أنحاء متفرقة من العالم. بينما يمكن لزيلينسكي أن يتشدق هو الآخر بقوة الصمود الأوكراني في مواجهة العدوان والهيمنه الروسية، وكيف واجه بمفرده الغطرسة الروسية، بعد أن تخلى عنه الغرب، وأبقاه منفردا في مواجهة الآلة العسكرية الروسية. وحتى إن بقي مختفيا في أحد المخابئ خوفا من رصاص القناصة الروس. وبناء عليه فإن النسخة الإسرائيلية هي الأنسب لبوتين لإنهاء مغامرته العسكرية في أوكرانيا، بعدها سيخرج العالم بدعوة لإعادة إعمار أوكرانيا والسعي لترسيخ قواعد الأمن والسلام في المنطقة، وتبقى الشعوب هي الضحية التي تدفع ثمن المغامرات المتهورة للرؤساء الموتورين، فما دفعه الشعب الفلسطيني وما يدفعه من ضريبة الدم نتيجة للعدوان الإسرائيلي المستمر، والسياسات غير المسؤولة لحركة حماس، هكذا دفعها الشعب الأوكراني من تشرد ودمار، نتيجة لسياسات زيلينسكي المائعة الذي راهن بشعبه على طاولة القمار الأوروبية الأمريكية.
مدرسة اللاهوني
احتفى أحمد أبو المعاطي في “الأهرام” بأحد أبرز مدرسة التلاوة في الوقت الراهن: قضى الدكتور مصطفى اللاهوني، أكثر من أربعة عقود في دراسة فنون تجويد القرآن الكريم، قبل أن ينسل صوته الرائق، ليمتعنا قبل سنوات قريبة، بما تيسر من آيات الذكر الحكيم، فيما كان ينقله التلفزيون والإذاعة المصرية، بدءا من مسجد النور في العباسية، مرورا بمسجد عمرو بن العاص، في صلاة التراويح خلال شهر رمضان المعظم، وليس انتهاء بالنقل الحي من قبل الإذاعة المصرية، لصلاة الفجر من الأزهر الشريف. الذين دخلوا العقد الخامس من أعمارهم، وكاتب هذه السطور من بينهم، يتذكرون جيدا، كيف كان صوت الشيخ اللاهوني يجذب بطلاوته، آلاف المصريين الذين كانوا يتدفقون على مسجد عمرو بن العاص، في العشر الأواخر من شهر رمضان، وقد أصبح الشهر الفضيل على الأبواب، ليملأوا جنبات المسجد العتيق، قبل أن تتمدد الحشود إلى الشوارع المحيطة به، في مشهد بديع، للاستمتاع بتلك الأجواء الروحانية الصافية، على وقع هذا الصوت العذب، الذي يذكرنا بأساطين التلاوة، في العصور الذهبية لدولة القرآن الكريم في مصر، في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، هؤلاء الذين لا تزال أصواتهم المغردة، عصية على النسيان، رغم مرور عقود على الرحيل، أمثال الشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل وعبدالباسط عبد الصمد، وغيرهم كثيرون. يجسد الدكتور مصطفى اللاهوني، بصوته العذب، وعلمه الجامع، نموذجا حيا لتراث عريق وكبير، تميزت به المدرسة القرآنية المصرية على مر العصور، بين أقرانها في مختلف بلدان العالم الإسلامي، سواء من حيث الالتزام الصارم بتطبيق أحكام التجويد، ومخارج الحروف، بالتزامن مع الفهم الواعي لعلم المقامات الموسيقية، وهو العلم الذي تحول في كثير من مساجدنا خاصة الأهلية منها، إلى أثر بعد عين، في ظل تلك الأصوات العجيبة التي تداهم آذاننا خمس مرات في اليوم، عند رفع الأذان، وكثير منها لا يعرف الفرق بين الحروف المرققة والأخرى المغلظة، وقد بلغ الحد ببعض هذه المساجد، إلى تعطيل الأجهزة التي قامت بتوزيعها وزارة الأوقاف، في تجربة الأذان الموحد، لتصدع رؤوسنا بتلك الأصوات الخشنة كل صباح ومساء.
أمل يولد
نتوجه نحو “الوفد” إذ أكد علي البحراوي، أن هناك فجرا جديدا يشرق على بيت الأمة.. وشعور بالسعادة والأمل، ورغبة حقيقية في العمل والانطلاق للوصول إلى تحقيق الهدف والعودة إلى صدارة المشهد السياسي الذي كان عليه حزب الوفد دائما في سابق عهده.. تجدد الأمل بتولي الدكتور عبدالسند يمامة رئيس الحزب، وهو قيمة وقامة كبيرة بعد انتخابات نزيهة وشفافة، أشاد بها الجميع، كشف خلالها الوفديون عن معدنهم الأصيل، وأنهم أصل الديمقراطية وأساتذة الليبرالية وعشاق الرأي والرأي الآخر، الذين يختارون الأنسب للمرحلة المقبلة، عن وعي تام وإدراك كامل لكل متطلبات المستقبل. اكتمل المشهد الحضاري الذي تابعناه أثناء العملية الانتخابية والسلوك الراقي خلال المنافسة الشريفة، اكتمل بالتصريحات الإيجابية التي أطلقها الدكتور عبدالسند يمامة رئيس الحزب، وجاءت كلها مبشرة بالخير ومشجعة على العمل ومحفزة للانطلاق والإبداع والتميز، ولن يتحقق الوصول إلى الهدف إلا بالعمل الجماعي، وأن يكون كل الوفديين على قلب رجل واحد يمارسون العمل السياسي، وأعينهم على الوطن والمواطن، وأن يتم تجديد الخطاب الإعلامي بما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي تمر بها مصر، والتي تتطلب التكاتف لمواجهة التحديات وإعلاء شأن الوطن. من أجمل ما ذكره الدكتور عبدالسند يمامة في كلامه لكل الوفديين «هذا بيتكم ولا يملك أحد قرارا بحرمان أحد من دخول بيته» عبارة رائعة وذهبية، لخصت فكر الرئيس الجديد للحزب، وعبَّرت عن توجهه الذي أكده بأنه لا إقصاء لأحد، وأن الوفد ملك كل الوفديين. ويأتى التأكيد على الاعتماد على العمل المؤسسي والرأي الجماعي، وهما من ثوابت الوفد، ليبث الطمأنينة في نفوس الجميع، وحافزا على دفع عجلة العمل بكل قوة لكي يعود الوفد إلى سابق عهده قلعة سياسية وديمقراطية عريقة وكبيرة تعلَّمنا منها وسوف نظل نتعلم منها..
فليحذر صلاح
محمد صلاح صرح من قبل بأنه سعيد في ليفربول وقال إنه “لا يطلب أشياء صعبة، وإنه يبحث عن تقدير لما فعله والواقع أنه لا توجد أي أرقام معلنة، وقد تردد أن صلاح يطلب 400 ألف وهو أكبر، أو 500 ألف جنيه إسترليني كراتب أسبوعي، وبدوره يرى حسن المستكاوي في “الشروق” أن القرار الأخير في يد صلاح وهو محترف وله تجاربه وأحلامه. لكن أين يذهب صلاح لو ترك ليفربول وهو سيكون في الثلاثين من عمره عند نهاية عقده في يونيو/حزيران 2023؟ وهل ينجح في أي ناد آخر كما نجح مع ليفربول؟ تجربة رونالدو من ريال مدريد إلى يوفنتوس، ومنه إلى يونايتد، وتجربة ميسي من برشلونة إلى باريس سان جيرمان، ليست مشجعة، وكلاهما فقد الكثير من لمعانه الذي كان على مدى عقد. ثم إن البريميرليج هو أكبر وأقوى صالة عرض لكرة القدم في الكوكب، وهو الأكثر مشاهدة على المستوى العالمي. والأكثر ثراء. فالكلاسيكو الأخير بين ريال مدريد وبرشلونة لم يحظ على سبيل المثال بالقدر نفسه من الاهتمام منذ رحيل رونالدو وميسي. ونظرا للحالة الفنية التي بات عليها الفريقان، لاسيما برشلونة. الأهم من ذلك أن صلاح يحظى برصيد من الحب الهائل، وهو يقترب من أساطير نادي ليفربول على مدى تاريخه، ومن أساطير المدينة ذاتها، مثل الرباعي الغنائى البيتلز. ويقال على سبيل المداعبة إنه حين يسجل فيرمينيو هدفا يهتف الجمهور لصلاح. ولا يوجد لاعب عربي أو مصري غنى له جمهور إنكليزي كما فعل جمهور ليفربول مع صلاح.. فهل يمكن أن يعوض مثل هذا الحب؟ ألا يساوي هذا الحب آلاف الجنيهات؟ القرار لمحمد صلاح طبعا، خاصة أنه لاعب وإنسان مكافح لم يعرف المستحيل، ويستمتع بتحديات النجاح ويحب أن يخوضها.. لكن رصيده مع ليفربول ومع جمهوره، ومع قوة البريميرليج. يضع اختيار البقاء في النادي والمدينة هو الخيار الأفضل.
حلال وصحي
جودة اللحوم ترتبط كما أشار محمود البرغوثي في “الوطن” بخلوّ الذبيحة من الدماء تماما، وبنسبة المياه في أنسجة الدجاجة بعد الذبح وإزالة الريش والجلد والأحشاء، ونزع الوسادة الدهنية الخلفية، والأخيرة تكون سببا رئيسيا في تسريع الفساد البكتيري. ومن المواصفات القياسية للحوم الدواجن التي ترفع قيمتها تسويقيا، احتساب الجلد والأحشاء الداخلية والهيكل العظمي مخلفات واجبة الإعدام الصحي، وليس فرمها وبيعها لمصانع «لانشون الدواجن»، والأخيرة خدعة للمستهلك، كونه ليس عليما بطبيعة ما يشتريه ليأكله. من المؤكد أن حرارة المُنتِج وضغطه الدموي سيرتفعان لهذا الحديث، حيث يرى أن شروط التوصيف هذه ستحرمه من تحصيل قيمة وزن الغدة الدهنية المطلوب نزعها، كما أنه سيخسر ما يحصل عليه من بيع «مفروم المخلفات»، لكنه موعود بالإيجابيات التالية: ضمان مرور الدواجن المستوردة من بوابة المواصفة القياسية المصرية، وهي لا تتوافر إلا في دواجن دول أوروبا التي تطبق هذه المعايير. إلزام المستورِد بهذه المواصفات يُلقي به في سوق الدول التي تباع فيها الدواجن بسعر لا يقل عن 4 دولارات للكيلو، وهو سعر غير منافس بالمرة للدواجن الطازجة المحلية، حتى في أوج الأزمة وغلاء الأسعار. لن يجد المستورِد فرصة لاستيراد مجزآت خلفية (أوراك)، كونها تختزن دماء تجمّدت في أنسجتها، بفعل توقف القلب قبل ذبحها، نتيجة الصعق الكهربائي، وهو إجراء تفرضه منظمات الرفق بالحيوان لتخفيف الألم على الدواجن أثناء ذبحها حية على الطريقة الشرعية التقليدية. سيفوز المُنتِج بتأهيل إنتاجه ومجزره إلى مستوى يليق بذوق المستهلك المحلي، كما يرقى تلقائيا إلى مرتبة التصدير، وبالتالي تحقيق القيمة المضافة من بيع فائض الإنتاج خارج السوق المحلية. يبقى أن نشير هنا إلى أن هناك تجربة سابقة لعالِم بيطري كان قد عكف على إعداد مواصفة قياسية للحوم، نحو 6 أشهر، قدّمها إلى جهة سيادية وطنية، أملا في فرض تطبيقها، لكنها اصطدمت بمخاوف مربين كبار من فقد «الجلد والأحشاء والهياكل»، ليظل إنتاجهم دون طلبات الفنادق، وبالتالى دوام «الاستيراد»، ليخسر المربي المصري «الجلد والسقط» أيضا.
أمنية غريبة
مطلب غريب لعبده زكي حيث ناشد الجميع في “اليوم السابع” بما يلي: أنا لا أطالبكم بألا تحتفلوا بأمهاتكم، فهن أغلى ما تملكون، وإن كنتم لا تعرفون اليوم قيمتها الحقيقية، فبعد رحيلها سوف تعرفون، تماما كما علمت بعد رحيل أمي الفاضلة. أنا أناشدكم فقط ألا تبالغوا في ترويج الاحتفال، ليس حقدا عليكم ويعلم الله، فقد عرفت أن الاحتفاء بالأم مهما عظم شأنه فهو قليل، ودافعي حين أناشدكم بذلك هو أن أمي ماتت، وماتت أمهات كثيرات هذا العام، ورغم مرور شهور ليست بالقليلة ما زال قلبي ينزف، أنا الذي اعتقدت يوما أن رحيل الأم يبدو مقبولا، وكنت ألوم من يصدرون لنا أحزانهم معتقدا بأنهم يبالغون اليوم أعتذر لهم. لا أعرف على وجه اليقين إن كان حزني على فراق أمي يشبه حزن الآخرين أم لا، لكن ما أعرفه أن الحزن لا يتبدد بمرور الوقت، بل يتعاظم، ويزداد ويتفاقم، حزن يقطع الأحشاء، يكاد أن يلتهم نور العين من كثرة الدموع التي تذرفها. كل التفاصيل تمرّ أمامي في شريط الذكريات، يكفي لقطة واحدة من المشهد حتى تتحول من قمة السعادة إلى منتهى الحزن، والسعادة يا سادة منقوصة، لا ابتسامة خالصة، ولا ضحكة من القلب، مظاهر السعادة من ابتسامة وضحكة لا تتخطى حدود الشفتين واللسان، فبعدهما بداية من الحلقوم وانتهاء بالأحشاء يشبه السواد في أقصى درجاته. القلب بات مكسورا ولا اعتقد أن شيئا سيصلحه، ويبدو أنني سأعيش ما تبقى من العمر كذلك، ويبدو أن كل إنسان سيعيش مثلي طالما كانت أمه مثل أمي في عظمتها وعطائها وقيمها ونقائها. أنا ما زلت لا أعرف كيف أتخلص منها، أمي علمتني الصدق وأن الكذب جبن وخسة، وعلمتني الأمانة، وعلمتني الرضا، وعلمتني الوفاء، فكبرت وأنا لا أعرف الخيانة، وأنا أقدر من ساندني ولو أخطأ، قالت العظيمة أمي أن من أساء لك ليس بالضرورة يكرهك فتذكر يوما وقف بجانبك، لذلك أنا أصبحت لا أخون ولا أكذب ولا أحقد بفضل أمي.
كيفك أنت
نتوجه نحو بيروت بصحبة ناهد صلاح في “اليوم السابع”: لم أتوقف كثيرا عند السؤال: كيف يستطيع اللبنانيون أن يقيموا مهرجانا للسينما في ظل الوضع القاسي الذي يعيشونه؟ ليس لأن السؤال غير مهم، لكن لأنه شغلني طيلة الأسبوع الذي قضيته في لبنان بين جونية وضبية، لمشاركتي في التحكيم في الدورة الخامسة لمهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة، وكان بالنسبة لي في هذه الفترة القصيرة، هو سؤال الساعة الذي يتعلق بوضع بلد يقف بأكمله على مفرق طرق، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أنه ببعض التأمل وجدت أن الأمر اللافت بالنسبة لي ولغيري من خارج المجتمع اللبناني، هو عادي. لا أحب أن أكون نمطية أو أكتب كلمات “كليشيه”، من نوعية أن لبنان على مدار تاريخه الزاخر بالحروب والشدائد، يواجه مصائبه ويحاول أن يولد من جديد كما طائر الفينيق، فهذا كلام مبالغ فيه ويزيد من بؤس أهل البلد، ومع ذلك فالواقع يقول إن ثمة محاولات للإفلات من العُسر الملموس، مثل إرادة جمعية مجتمع بيروت السينمائي، ومؤسسها سام لحود (سيناريست، مخرج ومنتج) مع فريقه الذي ينظم المهرجان، واختاروا أن يخوضوا الحياة الشاقة بالفن والسينما على أمل التغيير، يعملون خارج أطر الطائفية التي تنخر عظام لبنان، والتي أوصلته لهذه الحال. من هنا يظهر التحدي اللبناني كأنه فعل عادي، طبيعي أن يحدث، يقول سام لحود موضحا تجاوز المهرجان الأزمات المتفاقمة في بلاده: “إذا أمضينا الوقت بالتفكير بالمشاكل فلن نشتغل أبدا، التحدي الأساسي هو أن نستطيع أن نخرج نفسيا من الحالة التي نعيش فيها”.. كلام لحود يدفع للحماسة، لكن هل الحماسة وحدها تكفي؟ واقعيا لا، فالاحتياج المادي ضروري، وهنا يظهر الجهد المبذول من أجل توفير كل ما يلزم لإقامة المهرجان، خصوصا في ظل الغياب العام للدولة أو السلطات الرسمية عن الأنشطة الثقافية والفنية، بينما يظل الحضور الأقوى لجمعيات ومؤسسات ثقافية وفنية، مثل مجتمع بيروت السينمائي. هواجس وقلق جديد يعيشه اللبنانيون والنهاية مفتوحة على مصير معلق، ولعل هذه الأحاسيس انسحبت على تجارب الأجيال السينمائية الجديدة، فالأفلام القصيرة التي أنجزها الطلاب وشاركت في المسابقة، يتداخل فيها العام بالخاص، وإن بدت كحالات فردية، إلا أنها يعتريها هذا الشعور الغامض بعدم الأمان.