فتحي عبد السميع في «الجميلة والمقدس»: البحث عن علاقة الإبداع بفنون الأدب الشعبي والديني

حجم الخط
0

 

بغداد – «القدس العربي»: يربط الشاعر والكاتب المصري فتحي عبد السميع بين أكثر من فن كتابي، محاولاً الوصول لتقنية نقدية من خلال اهتماماته بالأدب الشعبي بأنواعه: الحكاية الشعبية، الحكاية الخرافية، السيرة الشعبية، والبحث في المقدس وعلاقته بالأدب عموماً. ومن خلال عنوان كتابه الصادر مؤخراً ضمن منشورات مجلة الهلال المصرية «الجميلة والمقدس»، سعى لربط الفنون الجميلة، والتي يقصد بها هنا كل ما يطرحه الإبداع، من شعر وقصة ورواية وغيرها، ومعترضاً في الوقت نفسه على عدم إدراج الأدب ضمن الفنون الجميلة، بالمقدسات جميعاً، إن كانت شعبية أم دينية أم أسطورية.

علاقة الأدب بالمقدس

يشير عبد السميع إلى أن تعددية الدلالات والجهات التي تحيل عليها لفظة مقدس، أو جذر قدس بشكل عام، تبرز أن المقدس الإسلامي «ليس مفارقا، بل هو متراتب وحاضر في الزمان والمكان والذوات، وتراتبيته العمودية هاته لا تجعله متعارضا أو مناقضا للدنيوي، بل إن الدنيوي يحتل موقعاً داخل الفضاء المتراتب المقدس، فالطبيعة داخل التصور الثقافي الإسلامي طاهرة أصلاً، وهي مكان صالح لإقامة الصلاة ما لم يدخل عليها ما يدنسها، إنها مدنسة بالعرض لا بالجوهر كما يقول الفقهاء والصوفية».
مضيفاً أن تجربة الكتابة في حد ذاتها تتقاطع مع تجربة المقدس، وتتداخل معها، ففي لحظة الكتابة ينقسم العالم إلى عالمين، مختلفين، ومتمازجين في الوقت نفسه، عالم الواقع، وعالم الخيال، العالم الدنيوي الذي يغرق الكاتب في تفاصيله، خارج الكتابة، والعالم الآخر الذي يدخله المبدع أثناء الكتابة، ويدُخلنا إليه كقرَّاء لاحقاً. ويرى عبد السميع في العلاقة بين المقدس والدنيوي، بأنها المدخل الذي دخل منه الكثير من الباحثين لمحاولة استيعاب فكرة المقدس، وقد ذهب البعض إلى أن المقدس هو نقيض الدنيوي، وهذا القول كان زائفاً، فكلا العالمين: المقدس والدنيوي، كما يذهب روجيه كايوا بقوله: يتحدد بالآخر، حتى ليستحيل بمعزل عن هذه المقارنة إعطاء تعريف دقيق لأي منهما. إنهما يتلاغيان، ويتفاوضان، وعبثا نُزيِّف القول في تعارضهما.
ومن وجهة نظر عبد السميع فإن الكاتب الحقيقي يشعر أن الكتابة مغامرة غير مضمونة العواقب، وأنه يضرب في المجهول، وهو يتمتع أثناء الكتابة بحرية لا يتمتع بها في وجوده الواقعي خارج لحظة الكتابة، وهو في مغامرته لا ينفصل عن الواقع الذي يعيشه، لكنه أيضاً وفي الوقت نفسه يتحرر منه، ويتواصل مع أعماقه الدفينة، ويبني واقعاً جدياً مختلفاً، واقعا مكونا من مشاعره قبل أفكاره، ومن خياله قبل تفاصيل واقعه المعتادة والمألوفة، والكاتب في لحظة الكتابة لا يعرف النتيجة، فقد تنتهي المغامرة بحالة إحباط، وعدم قناعة بما يكتب، تجعله يدمر ما كتبه، أو يعكف على تدميره جزئياً من خلال عملية المحو والإضافة، وقد تنتهي الكتابة بهدية حين تسفر عن نص مدهش، أو جميل.

تجارب مصرية

يقدم عبد السميع قراءة لثماني تجارب مصرية، في الشعر والقصة والرواية، لكن ما يربط بين هذه التجارب هو اشتغالها على المقدس والديني والسحري، بادئاً قراءته بـ»كتاب المحو» لأحمد فؤاد جويلي، بعنوان (اللغة الخلّاقة والحروف المقدسة). وبعد تحليله لهذه المجموعة الشعرية، يقرأ عبد السميع الملمح البارز في تجربة أحمد فؤاد جويلي، موضحاً أنها حضور التصوفِ عبْر تجليات عدة، وهذا الحضور يبدأ منذ العنوان، فكلمة الكِتاب تحيلنا إلى النص المقدّس الذي تعتبره الدياناتُ المختلفة مرجعاً لها، كما أن كلمةَ المحو والتي ترتبط بالكلمة الأولى عبْر الإضافة تذهب إلى تخصيص دلالة كلمة الكتاب، ووضعِها في إطار حالة من الفعل الصاعق، الفعل الذي يكشف عن قوة جبارة تكنس كل شيء في طريقها، والمحو يُعرف دينياً مِن خلال يوم القيامة مثلاً الذي يمحو عالَمنا تماماً، ويعيد بعثَه في هيئة جديدة، كما يرتبط المحو أيضا بالفكر الصوفي كما هو الحال في فكرة محو الذات لتُبعث من جديد في هيئة نورانية، ويحمل العنوانُ مفارقةً تجعل دلالةَ الكتاب تختلف عن الدلالة المتداولة، فالكتاب يرتبط في أذهاننا بالإثبات، والشاعر يربط الكتابَ هنا بالمحو، الأمر الذي يأخذ دلالة الكلمة إلى صورة أخرى للكتاب قد تحمل معنى القدَر، أو معنى النبوءة أو غيرها مما يجعل عنوانَ الكتاب رغم بساطته يبدو مراوِغاً، ومثيراً، لا يكشف بقدر ما يستدرج.
أما مقالته (السحر والكتابة والمقدس)، وهي قراءة في رواية «رقص إفريقي» لـعصام راسم فهمي، فيخلص فيها إلى أن حبكة الرواية تقوم على فكرة المقدس سواءٌ من حيث العقدة أم الحل، أم بناء الشخصيات، أم تقديم عوالمَ خيالية تنتمي في ظاهرها لعالم الخرافة، بينما تنتمي في باطنها لعالمنا الواقعي، فليس الخرافي كتحول الإنسان إلى تمساح، إلا تعبيراٌ مجازيا عن صورته الداخلية، وتجسيدها في إطار محسوس. مضيفاً: وتأتي صورة المقدس على مستويين، في المستوى الأول يظهر غياب المقدس كمفجِّر لأزمة العالم الروائي، وسبباً في عُقدتها، وهذا الغياب يقوم على محورين الأول هو تغييب الصورة الحقيقية للمقدس، كما هو الحال في الحكاية الساخرة التي يرويها أبو جنزير- قبْل مسخه- عن المشاجرة التي دبَّتْ بينه وزوجته بسبب صكوك الغفران. والآخر هو تغييب البُعد الجواني للإنسان، وتقديس الأمور التي تتعارض مع فكرة المقدس نفسها، فالرواية تشير صراحةً لتقديس الحديد، وتجعل من ظهوره سبباً لصيد البشر والمتاجرة بهم، وبالتالي سببا لعقدة الرواية التي يمكن اعتبارها صرخةً فنية ضد تحول الإنسان إلى آلة، واقتصاره مِن الحياة على وجه واحد من وجوهها هو الوجه المادي.
وفي ديوان أشرف البولاقي «واحدٌ يمشي بلا أسطورة» يحاول عبد السميع بحث مفاهيم: الشاعر والأسطورة والمقدس، مفيداً أن حضور المقدس في الديوان يبلغ من الكثافة حدَّ ذهابنا للقول بأن التجربةَ في جوهرها تقوم على فكرة تأويل المقدس وما يرتبط بها من تداعيات سياسية واجتماعية. وتأتي كلمة التأويل صراحةً في عدة مواضع، كما تكثر المظاهر التي تحيلنا إلى المقدس، فالتقديس يأتي صراحة من خلال مفردة كمفردة «قدِّيس»، أو يظهر بشكل سلبي من خلال مفردة كمفردة «كافر»، أو من خلال حضور كتابات مقدسة مثل «التوراة» التي تتكرر مرات عدة، والتناص مع القرآن الكريم الذي يتكرر أيضاً في مواضعَ كثيرةٍ، كما يَظهر المقدس من خلال حضور شخصيات مقدسة بشكل مباشر مثل الأنبياء، والمسيح ويوسف، عليهم السلام، وبشكل غير مباشر كيعقوب، ونوحٍ، وموسى عليهم السلام، وذلك من خلال التناص مع آيات تذكِّرنا بهم، كما يظهر المقدس من خلال أماكنَ أو أفعالٍ تتسم بالقداسة مثل الكنائس والصلاة. كما أن ظهور المقدس في الديوان يرتبط دائما بحالة صراع تتولد عنها أحداثٌ أليمة كالقتل، والصلب، والحرق، والنفي، ويُظهِر ارتباطُ رؤية القصيدة بالمقدس في الكثير من الصور أزمةَ المقدس.
في حين أن قراءته لرواية عبد الجواد خفاجي «بغل المَجلي» كانت من باب السرد والخرافة والمقدس، إذ تَربط الرواية بين تاريخ المكان وتاريخ البغل ربطاً وثيقاً، فالبغل هو العلامة الأساسية في تاريخ القرية، بل وكل ما يدخل ذاكرةَ الجماعة يتأثر بعوامل الزمن فيصيبه النسيان عدا ما يرتبط بتاريخ البغل فيبقى حياً.
ويتحدث عبد السميع عن تاريخ البغل الذي هو تاريخ التفكير الخرافي ويرجع إليه السبب في الكثير من مشكلات القرية وأهمها التعصب القَبَلي والذي يَظهر بوضوح منذ إهداء الرواية إلى أبناء الصعيد الذين تَطحن القبليةُ عظامَ حياتهم، كما يَظهر في النهاية عند انقسام اتباع المَجلي إلى قسميْن، أحدهما مكَثَ في مكان غيابه وكوَّنَ نجع الغرقانين والآخر عاد إلى قصره وكوَّن نجع البغالين. لكن العلاقة بين النجعين تتوتر كطبيعة العلاقات بين عائلات الصعيد حتى تصير إمكانية النسبِ بينهما مستحيلة، وكأن قدر القرية هو جمعُ أشتات لا تآلف بعضها، ولا يوحدها سوى التفكيرِ الخرافي ومِن هنا تصبح القرية رمزاً لقرى الصعيد المصري بشكل عام.
وفي مجموعة «العودة إلى جوبال» لسعيد رفيع، يحرص الكاتب، حسب ما يبين عبد السميع، على ظهور المكان من خلال بُعده الجغرافي، فتظهر الأماكن بأسمائها، كمَرْسَى عَلَم، والشلاتين، والقصير، وشدوان والجفتون وصنافر وتيران وجزر الفنادير التي تقع شرق الغردقة. ويوحِّد السرد بين الشخصيات من خلال مهنة الصيد وعلاقة الصيادين بالبحر، فيبرز من خلال الوصف مكان تواجدهم وتفاصيل عالمهم، مثل مرسى القوارب والبيوت المتشابهة في عدم انتظامها والمبنية من أحجار الجير وسقوفها المغطاة بألواح الصاج والأستبوس وعظام الأسماك المتناثرة والشباك المهترئة الملقاة فوق الأسطح ونجمات البحر المعلقة على البيوت وزي الرجال المتمثل في الجلباب الأبيض أو الأزرق، وصولاً إلى تشابههم الجسدي خاصة بشرتهم الخشنة ولونها الذي يتداخل فيه الأسمر مع البني من أثر لفحة الشمس.
كما يبحث فتحي عبد السميع عن المقدس والأسطورة في عدد من المؤلفات، منها: «الوَردة والوِرْد/ الشعر المقدس الشعبي».. قراءة في ديوان «قبَّلت وردتَها» لمحمود الأزهري، و»الرعوية وجنَّة أركاديا»، قراءة في ديوان «موسيقا للبراح» لبهاء الدين رمضان، و»الحكاية الشعبية والنموذج الأسطوري المقدس»، قراءة في قصة «يوميات في حياة شخص عابر» لأحمد حسين الدقر، وغيرها من الكتب.

فتحي عبد السميع: «الجميلة والمقدس».
دار الهلال، القاهرة 2014.
270 ص.

صفاء ذياب

اشترك في قائمتنا البريدية