لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: تراجع عدد الذين يعبرون الحدود هربا من الحرب في أوكرانيا في الأيام الأخيرة، لكنه قد يرتفع مرة أخرى إذا امتد القتال إلى غرب البلاد، وفق ما أكد مسؤول في مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، أمس الجمعة، في حين نفى الاتحاد الأوروبي التعامل بمعايير مزدوجة مع اللاجئين من أوكرانيا مقارنة بأولئك القادمين من سوريا.
وحسب ما قال المسؤول الأممي ماثيو سالتمارش عبر رابط فيديو من بولندا «نشهد تباطؤا. تباطؤا عاما» في أعداد الفارين» موضحا أن دفء الطقس قد يكون عاملا مساهما في ذلك.
وقال إن أعداد العابرين يوميا إلى بولندا، البلد الذي يستقبل معظم الوافدين، تراجعت بنحو النصف نزولا من ذروتها التي بلغت حوالى 100 ألف يوميا.
وفي المجمل تقول وكالات الأمم المتحدة إن 3.27 مليون شخص فروا من أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 24 فبراير/ شباط، فيما نزح مليونان داخليا.
وفر الكثير من هؤلاء من مدن محاصرة في شرق البلاد إلى مدينة لفيف الغربية، التي نجت من العنف إلى حد كبير حتى الآن.
وحسب سالتمارش «إذا حدث بالفعل تصعيد في لفيف، فهناك خطر من تجدد الحركة باتجاه الحدود».
رغم ذلك، قال إن المزيد من اللاجئين الذين عبروا الحدود البولندية في الأيام الأخيرة بدت عليهم علامات الصدمة بصورة أوضح من الفارين في وقت أسبق من الأزمة.
وأضاف أن «الكثيرين منهم ليس لديهم أي خطط ولم يتضح إلى أين هم ذاهبون».
وضع فريد
في الموازاة، شدد الاتحاد الأوروبي، أمس الجمعة، على أنه لا يتعامل بمعايير مزدوجة مع اللاجئين من أوكرانيا مقارنة بأولئك القادمين من سوريا، في وقت يواجه أكبر أزمة هجرة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وتعرّض التكتل لاتّهامات بأنه رحّب باللاجئين الأوكرانيين بانفتاح أكثر، مقارنة بما كان الحال عليه مع أولئك الذين فروا من نزاعات في الشرق الأوسط.
لكن نائب رئيسة المفوضية الأوروبية مارغريتيس سخيناس قال إن سياسة التكتل حيال اللاجئين لا تتباين حسب البلد الأصلي.
لكنه أضاف أن الوضع الحالي مع اللاجئين القادمين من أوكرانيا «فريد» نظرا إلى أنها محاذية لعدد من دول الاتحاد الأوروبي، بخلاف سوريا.
وأوضح للصحافيين في اسطنبول «لدينا عدد من الدول الأعضاء (في الاتحاد الأوروبي) المحاذية لأوكرانيا، لذا فإن حركة (اللجوء) تأتي مباشرة إلى الاتحاد الأوروبي».
وتفيد الأمم المتحدة بأن أكثر من ثلاثة ملايين شخص فروا من أوكرانيا منذ الغزو الروسي في 24 شباط/فبراير، عبر أكثر من مليونين منهم إلى بولندا، المنضوية في الاتحاد.
ومنح الاتحاد الأوروبي اللاجئين الأوكرانيين وضع حماية مؤقتة، أي أنه يحق لهم البقاء والوصول إلى الرعاية الصحية وارتياد المدارس والعمل.
وقال سخيناس «سنتأكد من أن الحماية التي منحناها لهؤلاء الأشخاص تطبّق كمبدأ عام في أنحاء الاتحاد الأوروبي».
في المقارنة، وصل أكثر من مليون شخص معظمهم من سوريا إلى السواحل الأوروبية في 2015، لكنهم لم يُمنحوا وضع الحماية بشكل تلقائي. ويفيد الاتحاد الأوروبي بأن دوله الأعضاء منحوا حق اللجوء في نهاية المطاف لأكثر من 550 ألف لاجئ سوري عامي 2015 و2016.
وأقام العديد من السوريين في تركيا بناء على اتفاق أبرمته أنقرة مع الاتحاد الأوروبي عام 2016 تحصل بموجبه على حوافز تشمل مساعدات مالية، مقابل استقبالهم.
وشدد سخيناس على أن الاتحاد الأوروبي أوفى بمسؤولياته حيال اللاجئين السوريين.
وقال «قمنا بواجبنا ولا أرى أن هناك معايير مزدوجة».
ويمكن للسوريين الفارّين من الحرب في بلدهم التقدّم بطلب للجوء في أوروبا، لكنهم لا يحصلون على وضع الحماية بشكل تلقائي، كما هو الحال بالنسبة للاجئين الأوكرانيين.
منحت الهاربين من الغزو الروسي حماية مؤقتة وحق العمل والحصول على رعاية صحية
ولفت سخيناس إلى أن الأمر مرتبط بالجغرافيا نظرا إلى أن أوكرانيا تتشارك حدودا مع خمس دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وأضاف «ستبقى أوروبا وجهة لجوء للأشخاص الفارّين من الحرب أو الاضطهاد.. هذا ما يميّزنا كأوروبيين».
ترحيب بالأوكرانيين
يأتي ذلك تزامناً مع ترحّيب دول وسط أوروبا بأعداد غير مسبوقة من اللاجئين الفارّين من أوكرانيا، بعدما تعرّضت إلى انتقادات في الماضي لرفضها استقبال لاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا.
وخلال موجة الهجرة عام 2015 التي حملت أكثر من مليون لاجئ إلى أوروبا، أثارت الجمهورية التشيكية والمجر وبولندا وسلوفاكيا حفيظة الاتحاد الأوروبي برفضها استقبال أي منهم ورفضها نظام الاتحاد الأوروبي في إعادة توزيع المهاجرين.
لكن منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير، لم توفّر الدول الأربع الشيوعية سابقًا المعروفة بـ«مجموعة فيشغراد» والتي كانت خاضعة لسلطة موسكو حتى عام 1989، جهدا في مساعدة الفارّين من الحرب.
وأشار محللون إلى قرب أوكرانيا الثقافي واللغوي والجغرافي من المنطقة كبعض أبرز العوامل خلف تغيير دول وسط أوروبا نهجها، فضلاعن حقيقة أن معظم اللاجئين نساء وأطفال.
وأفاد عالم الاجتماع مارتن بوشتيك، وهو مدير وكالة «ستيم» للاستطلاعات ومقرّها براغ، «الوضع مختلف تمامًا الآن».
وأوضح أن أوكرانيا «مجتمع قريب جدّا منّا ثقافيًا، فيما الأشخاص الذين يأتون من الشرق الأوسط بعيدون كثيرًا ولا خبرة لدينا في التعامل معهم، بخلاف (أولئك القادمين) من دول غربية».
كما لفت إلى أن الصدمة التي أحدثتها الحرب لعبت دورًا مهمًا في هذا الصدد.
وأفاد «حدث الأمر هنا والآن، ولم تكن هناك فسحة كبيرة للنقاش. لا يطلق على المرحلة الأولى من حدث صادم مرحلة البطولة من دون سبب».
وفرّ أكثر من ثلاثة ملايين أوكراني من بلدهم عبر سلوفاكيا والمجر ورومانيا ومولدافيا وخصوصًا بولندا، التي استقبلت أكثر من مليوني لاجئ. واستقبلت كل من الجمهورية التشيكية والمجر وسلوفاكيا أكثر من 200 ألف لاجئ حتى اللحظة.
«معاناة كبيرة»
وأشار المحلل في براتيسلافا، غريغوريي ميسيزنيكوف إلى أن التغطية الإعلامية للغزو الروسي لعبت دورًا.
وقال إن «معاناة الشعب الأوكراني مذهلة إلى حد يجعل السلوفاكيين يشعرون بالتعاطف مع اللاجئين الأوكرانيين».
وتحوّلت موجة الهجرة عام 2015 إلى قضية سياسية في الدول الأربع حيث تخوّف السياسيون من إزعاج الناخبين.
لكن الوضع الحالي لا يحتاج إلى الكثير من البحث بالنسبة للدول الأربع التي عانت من الاضطّهاد سواء من السلطات التي حكمتها أو من موسكو نفسها على مدى أربع عقود من الحكم الاستبدادي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وقالت الخبيرة السياسية في جامعة وارسو آنا ماتيرسكا ـ سوسنوسكا إن نفور بولندا التاريخي من روسيا لعب دورًا نظرا إلى أن «عدو عدوّنا هو صديقنا».
وأفادت «كان رد فعل المجتمع البولندي جيّدا وكانت الحكومة ملزمة الامتثال به. لعب تقاربنا الثقافي واللغوي دورا».
وتابعت «يزداد تعاطف الناس نظرًا لحقيقة أنهم يرون خصوصًا النساء والأطفال» في أوساط اللاجئين.
وعام 2015، تميّز رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خصوصًا بموقفه المعارض بشدّة للمهاجرين، حتى أنه شيّد جدارًا عند الحدود مع صربيا لوقف تدفّقهم.
ونظرًا إلى أنه أقام علاقات وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عارض أوربان إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، بخلاف العديد من نظرائه في الاتحاد الأوروبي.
لكنه حاليًا يؤيّد استقبال لاجئين أوكرانيين، العديد منهم من العرقية المجرية ومنطقة ترانسكارباتيا.
وقال الثلاثاء إن «المجر ستواصل مساعدة اللاجئين لكنها ما زالت ترفض الهجرة».
وفي تعليقه على هذا التمييز في وقت سابق، قال أوربان «لا نعيش في الغرب المرتاح. نعيش في ظل صعوبات».
وتابع «لذلك تمكّنا من التمييز بين من يعد مهاجرًا أي قادمًا من الجنوب، ومن اللاجئ».
وأكد «إنهما كلمتان مختلفتان في اللغة المجرية. المهاجرون: توقفوا.
وأما اللاجئون فيمكنهم الحصول على كل المساعدة التي يحتاجون إليها».
وأقامت عائلة متحدّرة من ترانسكارباتيا وصلت مع طفلين في منزل وزيرة العدل المجرية يوديت فارغا المنتمية إلى حرب أوربان «فيدس».
لكن عالم الاجتماع في براغ بوشتيك حذّر من أن الموقف الحالي حيال اللاجئين قد يتبدّل إذا طال أمد الحرب ولم يتراجع عدد الوافدين من أوكرانيا.
وعلى غرار باقي أوروبا، تعاني دول «فيشغراد» من صعوبات اقتصادية في أعقاب وباء كوفيد وازدياد أسعار الطاقة والوقود.
ووفق بوشتيك «بالتأكيد، ستتغيّر المشاعر بشكل ملحوظ. يحصل ذلك في جميع الأوضاع الخطيرة التي تؤثر على المجتمع بأسره».
وأكد أن «تغيّر المزاج سيعتمد على الطلب على المجتمع. لا نعرف بعد العدد الذي سيأتي والعدد الذي سيبقى».