الدوحة – “القدس العربي”:
يكشف عبد الله الدردري الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان في حوار مع “القدس العربي”، حقائق هامة عن الوضع في البلد الذي أنهشته الحروب والأزمات والصراعات على مدى عقود من الزمن.
ويقول الخبير الأممي إن جهات دولية مانحة جمدت تمويلها للمشاريع الإنمائية، وتمويل البرامج الإنسانية في أفغانستان مع وصول طالبان للحكم منتصف 2021. ويشير الدردري وهو سوري يشغل المنصب في الأمم المتحدة، إلى أنه في وقت من الأوقات كانت أفغانستان أمام كارثة واسعة، والقطاع الصحي كاد ينهار، وكذلك النظام التعليمي، مما أدى إلى استفحال الفقر أكثر في البلد.
ويسلط الخبير والمسؤول الأممي وهو من الكفاءات السورية التي تبوأت مناصب في عدد من الدول، الضوء على حجم المعاناة. ويعتبر الدردري الذي وصل أفغانستان وفي جعبته خبرات متراكمة أن الوضع في أفغانستان فعلاً مأساوي، مع وجود أزيد من ٩٠ ٪ من إجمالي السكان تحت خط الفقر.
وفي مقابلته مع “القدس العربي” التي تنشر عدد الأحد، يقول الممثل الأممي المقيم في كابول، إن الوضع في أفغانستان فعلاً مأساوي، ولم يقرأ في التاريخ الحديث صدمة اقتصادية بهذا الشكل، مثلما هو الحال في هذا البلد.
ويستطرد أن “المرحلة الصعبة ربما تجاوزناها، أو لنقل تجاوزنا حدتها، وما نزال طبعاً في مرحلة صعبة جداً، لكن هناك مؤشرات إيجابية وأمل يلوح في الأفق”. وقدر عبد الله الدردري أنه في أفغانستان هناك حاجة لنحو ٢ إلى ٣ مليار دولار، معونات في القطاع الاقتصادي، غير المعونات الإنسانية.
وشدد على دور قطر في أفغانستان، حيث زار الدوحة لعقد الاجتماع الدوري للجنة التوجيهية للصندوق الائتماني الخاص بأفغانستان، الذي أسسه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بعد التحولات التي شهدها البلد. وهو يجمع ١٤ منظمة للأمم المتحدة، للعمل سوياً لتقديم الدعم للمجتمع الأفغاني. وأيضاً هناك عدة دول مانحة ترعى مشاريعه وتساهم فيها على حد تأكيده.
ويقول إنه “هناك تقدير لقطر سواء في المسار السياسي، والتوصل لحلول سلمية في البلد، والدعم الإنساني، وهذا التقدير مستمر، وعلاقتنا في الصندوق مستمرة مع الجهات القطرية، وسوف نتابع الحوار للخروج بنتائج إيجابية مستقبلاً”.
ويتحدث المسؤول الأممي عن الأنباء المتداولة عن عمليات بيع أفغان لأعضائهم لسد احتياجاتهم. وفي هذا الصدد يقول عبد الله الدردري “نتابع بقلق بالغ المعلومات المتداولة عن بيع الأشخاص أعضاءهم ونتحقق منها وهو أمر يعمق من الأزمة الإنسانية في أفغانستان”.
ويشير المسؤول الأممي في حواره إلى أنه كسوري وعربي، يضع خبراته المتراكمة تحت تصرف الشعب الأفغاني، لأنه واقعياً هو شعب مظلوم، وأية مساعدة يمكن أن توفر له، ستسهم في التخفيف ولو قليلاً من معاناته، ودعمه حتى يتجاوز هذه المحنة.
حثت الأمم المتحدة على اتخاذ إجراء عاجل لدعم بنوك أفغانستان، محذرة من أن ارتفاع عدد العملاء غير القادرين على تسديد قروضهم وانخفاض الودائع وأزمة السيولة النقدية يمكن أن تتسبب في انهيار النظام المالي في غضون شهور.
وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير من ثلاث صفحات بخصوص نظام أفغانستان المصرفي والمالي، اطلعت عليه رويترز، إن التكلفة الاقتصادية لانهيار نظام مصرفي، وما يترتب على ذلك من تأثير اجتماعي سلبي، “ستكون جسيمة”.
وأدى الانسحاب المباغت لمعظم الدعم التنموي الأجنبي بعد استيلاء حركة طالبان على السلطة في 15 أغسطس آب من الحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب إلى انهيار الاقتصاد، الأمر الذي فرض ضغطا شديدا على النظام المصرفي الذي وضع حدودا أسبوعية للسحب من أجل وقف السحب السريع للودائع.
وذكر التقرير الدولي “أنظمة الدفع المالي والمصرفي في أفغانستان في حالة فوضى. يجب حل مشكلة موجة سحب الودائع المصرفية سريعا من أجل تحسين القدرة الإنتاجية المحدودة لأفغانستان ومنع النظام المصرفي من الانهيار”.
ومسألة إيجاد وسيلة لتفادي الانهيار تتعقد بسبب العقوبات الدولية والمنفردة المفروضة على قادة طالبان.
وقال مسؤول كبير بالأمم المتحدة إن لدى المنظمة نحو 135 مليون دولار في بنك في أفغانستان لكنها غير قادرة على استخدام المال لأن البنك المركزي الذي تديره حركة طالبان لا يستطيع تحويله إلى العملة المحلية (الأفغاني).
وقال عبد الله الدردري رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان إن المنظمة أدخلت الدولارات الأمريكية إلى البلاد وأودعتها في بنك أفغانستان الدولي “مع وعد واضح من البنك المركزي بأن النقود الجديدة ستُحوَّل تلقائيا إلى (عملة) الأفغاني”.
يخيم مستقبل قاتم على الوضع في أفغانستان الذي تجاوز مؤخراً شعبها احتلالاً أمريكيا دام عقدين من الزمن، وسط ضبابية المشهد حول تأمين أساسيات العيش الكريم لأزيد من نصف السكان الذين عاشوا نحو نصف قرن من التوترات.
وتدق المؤسسات الدولية والمنظمات المعنية ناقوس الخطر، وتطالب المجتمع الدولي للتحرك العاجل لمواجهة أسوأ أزمة ستشهدها أفغانستان التي لم تلتئم بعد جراح سكانها بعد الأهوال التي عاشوها لسنوات.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، تمتلئ الآن المستشفيات في أفغانستان بالأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، ويدفع اليأس بالأسر إلى اتخاذ إجراءات يائسة أيضاً، من أجل إطعام أطفالها – حتى وإن كانت تلك الإجراءات بيع الأسر لفلذات كبدها.
وحسب أحدث تقرير لبرنامج الأغذية العالمي، فإن العديد من الأسر في أفغانستان تواصل البحث عن الدعم لإطعام أطفالها، والكثير من النساء لم يأكلن منذ أيام، إذ يؤثرن أطفالهن على أنفسهن، وبعض العائلات -كما ورد في تقارير موثقة- تلجأ لبيع أطفالها للتأقلم مع الجوع.
وفي إحاطة افتراضية للصحافيين من العاصمة الأفغانية كابول، قالت ماري إلين ماكغرورتي، المديرة القُطرية لبرنامج الأغذية العالمي في أفغانستان: «هذه ليست أزمة قصيرة المدى» ولفتت الانتباه إلى أن استمرار الانهيار الاقتصادي سيزيد المصاعب، واليأس والجوع.
وقالت: «مطلوب استجابة إنسانية ضخمة الآن وللعام المقبل على الأقل. والموارد المالية مطلوبة بشكل عاجل للقيام بذلك، الآن واليوم».
وأظهر تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC» الصادر عن مجموعة الأمن الغذائي والزراعة الأفغانية، تحت القيادة المشتركة لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» وبرنامج الأغذية العالمي، أن أكثر من واحد من كل اثنين من الأفغان سيواجه مستوى الأزمة (المرحلة 3) أو مستويات الطوارئ (المرحلة 4) من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر إلى آذار/مارس 2022.
وقالت ماكغرورتي: «قبل آب/ أغسطس، كان أفغاني واحد من بين كل ثلاثة، يعاني من انعدام الأمن الغذائي بشدة، والآن واحد من بين كل اثنين في هذه الدولة».
ويعكس تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي زيادة بنسبة 37 في المئة في عدد الأفغان الذين يواجهون الجوع الحاد منذ آخر تقييم صدر في نيسان/أبريل 2021 ومن بين المعرّضين للخطر 3.2 مليون طفل دون سن الخامسة، والذين من المتوقع أن يعانوا من سوء التغذية الحاد بحلول نهاية العام.
حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن تقليص المساعدات الغذائية لن يؤدي إلا إلى زيادة عدم الاستقرار واليأس في جميع أنحاء البلاد. وقال: «نشهد أزمة إنسانية ذات أبعاد لا تصدق، تتكشف أمام أعيننا، إذ يدفع الصراع، إلى جانب الجفاف وكوفيد-19 شعب أفغانستان إلى كارثة إنسانية».
وتجعل الآثار الاجتماعية والاقتصادية لكوفيد-19 الطعام الأساسي بعيداً عن متناول الكثير من العائلات، على سبيل المثال، أصبحت أسعار القمح الآن أعلى بنسبة 24 في المئة من متوسط سعرها خلال خمس سنوات.