العرب متعاطفون مع أوكرانيا لكنهم يسألون: ماذا عن فلسطين وسوريا؟

أحمد بلال
حجم الخط
3

لندن ـ «القدس العربي»: استحوذت الحرب الروسية الأوكرانية على اهتمام الرأي العام العربي بشكل واسع خلال الأسابيع الماضية، وأبدى العربُ تعاطفاً واسعاً مع أوكرانيا التي تعرضت لاحتلال مباشر من دولة مجاورة. لكنَّ هذه الحرب سرعان ما فجرت موجة من المقارنات في الشارع العربي وعلى شبكات التواصل وأعادت إحياء القضايا العربية المشابهة مثل سوريا التي تتعرض أصلاً منذ سنوات للقصف الروسي، وكذلك الأراضي الفلسطينية التي تعاني من الاحتلال الإسرائيلي المباشر منذ عقود.

وبدأت القوات الروسية غزوا عسكرياً مباشراً للأراضي الأوكرانية فجر يوم الخميس الرابع والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، فيما ردت القوات الأوكرانية بالمقاومة المسلحة للقوات الغازية، وسارعت دول العالم وخاصة أوروبا لتقديم الدعم المالي والعسكري والسياسي لأوكرانيا في مواجهة توسع موسكو. وقال بوتين في خطاب متلفز إن «مجمل تطورات الأحداث وتحليل المعلومات يظهر أن المواجهة بين روسيا والقوى القومية في أوكرانيا لا مفر منها.. إنها مسألة وقت» كما هدد أن روسيا سترد على الفور في حال حدوث تدخل خارجي في الوضع بأوكرانيا، مشيراً إلى أن «روسيا لن تسمح لأوكرانيا بامتلاك أسلحة نووية».
ولاحقاً لذلك أيدت الدول الغربية المقاومة المسلحة للغزو الروسي، وفتحت باب التطوع للمقاتلين الأجانب، كما أن شبكة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم «فيسبوك» أعلنت أنها ستسمح بالحث على العنف شريطة أن يقتصر على الدعوة لقتال روسيا. وبعد أقل من أسبوع واحد على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أنه سيفتح تحقيقا فوريا في جرائم حرب محتملة ارتكبتها روسيا هناك، وذلك استجابة لطلب عدد غير مسبوق من الدول الأعضاء في المحكمة.
وتسبب الغزو الروسي لأوكرانيا بموجة تعاطف واسعة في العالم العربي، خاصة على الصعيد الإنساني وبعد أن اضطر ملايين المدنيين أغلبهم من النساء والأطفال لمغادرة بيوتهم وبلادهم واللجوء إلى دول الجوار، لكن هذه الأزمة أشعلت موجة من المقارنات في العالم العربي، خاصة مع سوريا وفلسطين، حيث أن ملايين السوريين أمضوا سنوات طويلة لاجئين في المنافي وقبلهم تشرد ملايين الفلسطينيين على مختلف دول العالم بسبب الاحتلال الإسرائيلي.
والمقارنة الأساس التي يتداولها العرب في مجالسهم أو على شبكات التواصل الاجتماعي تتعلق في كيفية التعاطي الدولي مع أزمة أوكرانيا والأزمات العربية المشابهة، والتباين في الدعم المقدم لهؤلاء وهؤلاء، بل ذهب آخرون إلى التساؤل عن الفرق بين القصف الروسي على أوكرانيا والقصف الروسي على سوريا، إذ يستنفر العالم لرفض الأول بينما يغض الطرف عن الثاني، فيما يبدو أن هوية الضحايا هي الفرق الوحيد بين الحالتين، بحسب ما قال أحد المعلقين على «تويتر».
كما طرح الكثير من المعلقين العرب مقارنة أخرى بين الفلسطينيين والأوكرانيين، إذ خلال أسبوع واحد بدأت «الجنائية الدولية» تحقيقاً في جرائم الروس في أوكرانيا، بينما لا يزال الفلسطينيون بانتظار هذا التحقيق منذ العام 2014 عندما ارتكبت إسرائيل جملة من الجرائم الكبرى خلال حربها على قطاع غزة.
وقال المحلل السياسي الفلسطيني والكاتب الصحافي ساري عرابي لـ«القدس العربي» إنه «لا شك أن هذه الحرب تعيد السجال داخل الساحة العربية داخلياً، ليس فقط باتجاه لفت الانتباه إلى قضايانا العربية، وإنما باتجاه تجديد الوعي العربي أيضاً في أعقاب هيمنة الثقافة الغربية وعيش العرب لفترة طويلة بذهنية المغلوب، لأن الأمثلة الحية والمادية أكثر قوة وتأثيراً بكثير من النقاشات الفكرية المجردة».
وأضاف: «هذه الحرب سحبت النقاش إلى مجالنا العربي وجددت الوعي وأعادت النظر إلى طبيعة العلاقات الدولية والعلاقات العربية البينية وإعادة النظر إلى القوانين الدولية، وهذا كله مفيد في تجديد الوعي العربي الذاتي ولفت الانتباه إلى القضايا العربية التي اتخذ منها الغرب موقفاً مزدوجاً أو غير أخلاقي».
ويشير عرابي إلى أن هذه النقاشات مفيدة في زمن «السوشيال ميديا» ومع توفر المنابر للجميع، لكن المهم أن يتم البناء على هذه السجالات وأن تستمر على المستوى الداخلي عربياً.
ويؤكد عرابي أن المقارنة بين الموقف الغربي من أوكرانيا والموقف من فلسطين هي «أمر مفيد» حيث نلاحظ «ازدواجية المعايير لدى الغرب» ونلمس كيف تعيد الدول الغربية تعريف المفاهيم والمصطلحات بما يخدم مصالحها، إذ أن لهم مصلحة في دعم أوكرانيا بينما في الحالة الفلسطينية مصلحتهم مع الطرف الآخر وهو الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن «المصلحة هي المعيار الأساسي بالنسبة للعالم الغربي».
ويقول عرابي إنَّ الأهم هو أن «هذه المقارنة بين أوكرانيا وفلسطين مفيدة على مستوى النقاش الداخلي العربي لأن القضية الفلسطينية منذ عقود، أو على الأقل منذ حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد، وهي تعاني من تراجع الاهتمام العربي، وخاصة في السنوات الأخيرة التي بدأنا نرى فيها تشكيكاً بالرواية الفلسطينية وتبنيا للرواية المضادة وشيطنة الفلسطينيين من أجل تسويغ التحالف مع الاحتلال، أما الآن فنمط التحالف الغربي والدعم الغربي لأوكرانيا يعيد التذكير بأن ما يربط العرب بالقضية الفلسطينية أعمق بكثير من الروابط التي تجمع الأوكرانيين بمجمل الغربيين».
يشار إلى أن الحرب الروسية على أوكرانيا ما زالت تستحوذ على اهتمام واسع على شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي، كما أن أغلب وسائل الإعلام التقليدية ومحطات التلفزة والمواقع الإلكترونية والصحف المطبوعة تفرد الاهتمام الأكبر لهذه الحرب منذ اندلاعها وسط مخاوف من أن تتوسع أكثر في حال تدخلت دول غربية من أجل الدفاع عن أوكرانيا. كما أن الحرب أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط التي تعتمد عليه اقتصادات منطقة الخليج العربي، فيما أشعلت بالمقابل مخاوف من أزمة قمح قد تصيب الدول العربية وتؤدي إلى أزمات أعمق فيها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية