في اليوم العالمي للسعادة المصريون يبحثون عن رغيف.. ومصيلحي يتوعد التجار ويتعهد بإعادة الرغيف لسعره القديم

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بينما كان سكان العالم المتقدم وأثرياء الأرض يحتفلون على هامش الحرب باليوم العالمي للسعادة، كان لدى المصريين ما يشغلهم، إذ لا يزالون يخوضون معركة الرغيف حتى الرمق الاخير.. في ذلك اليوم الذي حصلت فيه فنلندا على لقب أكثر الدول سعادة للعام الخامس على التوالي، عم سماء أهل وادي النيل شعور عام بالبؤس، فالحكومة التي تعهدت بالعمل على إنقاذهم من أنياب الغلاء، ما زالت تضرب أخماسا في أسداس، بسبب ما تواجهه من مشاكل.
وعلى مدار يومي السبت والأحد 19 و20 مارس/آذار ظل رموز الحكومة يسعون لإقناع المواطنين بأهمية الصبر، كسلاح مجرب في مقاومة المحن. ومن جانبه تعهد وزير التموين والتجارة الداخلية الدكتور علي المصيلحي، بإعادة رغيف الخبز خلال 48 ساعة إلى سعره القديم كما كان قبل الأزمة الروسية الأوكرانية. وأضاف المصيلحي، أن التجار الذين يبيعون القمح للمطاحن والدقيق للمخابز قرروا زيادة الأسعار، رغم امتلاكهم لمخزون بالأسعار القديمة، مشددا على أنه لم تدخل مصر حبة قمح منذ الأزمة الروسية الأوكرانية لصالح القطاع الخاص، وكشف وزير التموين: “الرئيس قالي لو عايزين تشتروا قمح اشتروا”.. وأوضح مصيلحي: الآن لدينا 3.4 مليون طن قمح، كما أننا في هذه الأزمة لا نريد استهلاك الدولار في سعر مرتفع عالمي. ومن أخبار المساجد: عممت وزارة الأوقاف منشورا على مديري المديريات وأئمة المساجد، أكدت فيه عدم السماح بوضع أي صناديق لجمع التبرعات في المساجد، حيث أكد رئيس القطاع الديني الدكتور هشام عبد العزيز على عدم السماح بعودة أو وضع صناديق تبرعات في المساجد واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أي مخالفة في هذا الشأن.. ومن أخبار القصر الرئاسي: أصدر الرئيس السيسي قرارا بتعيين السيدة إيناس عصمت عبدالحميد عز، عضوا في مجلس الشيوخ.
ومن أخبارالمحاكم: قضت محكمة جنايات بنها، بالسجن المشدد لمدة 15 سنة لميكانيكي موتوسيكلات مقيم في دائرة مركز شرطة الخانكة لاتهامه بخطف طفلة مستغلا مرضها وقلة إدراكها، والتعدي عليها تحت تهديد السلاح.. ومن أخبار الراحلين: توفى الفنان زكي فطين عبد الوهاب عن عمر ناهز 61 عاما بعد صراع مع مرض السرطان، ومن المقرر تشييع جثمانه من مسجد السيدة نفيسة. وعانى الفنان من سرطان الرئة، الذي أصيب به في منتصف عام 2019، إلى جانب ورم في المخ أعلن عن إصابته به في شهر يونيو/حزيران الماضي.
هنيئا لفنلندا

كما تكشف مؤسسة نوبل السويدية عن أسماء الفائزين بجوائزها في أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، فإن الأمم المتحدة تفعل الشيء نفسه، ولكن على مستوى أسعد الدول وأتعسها. وتعتمد المنظمة في ما تعلنه كما أشار سليمان جودة في “المصري اليوم”، على إحصاءات يقوم بها معهد غالوب الشهير لقياسات الرأي العام. يقول المعهد إنه يوجه عدد ا من الأسئلة إلى عدد من المواطنين في كل دولة، ويأخذ النتيجة ليقارن بينها وبين إجمالي الناتج المحلي في البلد، ومع الناتج المحلي أشياء أخرى. قبل ساعات جرى الإعلان عن أن فنلندا هي أسعد بلد في العالم، وأن أفغانستان ولبنان هما الأتعس، وفي المسافة بين الدول الثلاث تباينت الدول واختلفت مواقعها على امتداد خريطة السعادة، ما بين دولة متقدمة وأخرى متأخرة. وقد جرى ذكر فنلندا كثيرا في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا، وكان السياق هو أنها من الدول القليلة المحايدة في أنحاء الأرض، وكانت روسيا ولا تزال تريد أوكرانيا دولة مماثلة لفنلندا، من حيث حيادها وعدم عضويتها في حلف شمال الأطلنطي. فهل هذا هو سبب سعادة الفنلنديين، الذين يصل تعدادهم إلى خمسة ملايين ونصف المليون، أم أن السبب هو أنها الدولة الأفضل من حيث مستوى جودة تعليمها بين الدول؟ لا شك في أن تعليمها المتقدم هو سبب سعادة أبنائها، وإذا لم يكن هو السبب الوحيد، فلا بد أنه السبب الأول. وفي أول العام كان الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم، قد زار فنلندا وعاد منها ليقول إنهم أخذوه إلى جولة في مدرسة فريدة من نوعها نشأت للمعلمين هناك عام 1886.. وهي فريدة لأن المدرس لا يتخرج فيها كما قد نفهم من اسمها، وإنما لأن مهمتها تأهيل وتدريب المدرسين بعد تخرجهم ليكونوا جاهزين لأداء رسالتهم بين الطلاب.. وقد دعوته وما أزال إلى أن ينقل فكرة هذه المدرسة إلينا لأننا أحوج الناس إليها. وإذا كانت فنلندا قد تصدرت قائمة أسعد الدول، للمرة الخامسة على التوالي، هذه السنة، فهي مرشحة لأن تظل في مكانها في القائمة لأن تعليمها يؤهلها لذلك وأكثر.

تباً لحظنا

تقول منى ثابت في “المشهد” إن يوم قبض أول معاش، تذوب فئات الطبقة المتوسطة الثلاث في واحد! معاش وكيل الوزارة أصبح اليوم أقل قيمة من امتيازات تكافل وكرامة.. عادت الإعلانات تخاطب مجتمع النصف في المئة المطمئنين مهما غدرت الأيام. الزيادة السكانية غول يلتهم الخدمات المكلفة بها الحكومة، وأهمها التعليم والصحة.. في سنوات قليلة نما الاستثمار الصحي ليصبح غولا ينافس العقاري في مصر، ليطاردنا كابوس ماذا لو أصابنا مرض نروح فين، وندفع منين، أشهر مستشفياتنا الخاصة ما عادت تناسب معاش الطبقة المتوسطة العليا، نتيجة توقيعها عقود استحواذ واندماج مع شركاء عرب وأجانب بارعين في إدارة الاستثمار الصحي.. مثل مجموعة أميدا الإماراتية، وشركة mci البولندية.. أسعارها خارج التسعيرة، تتفوق في تقليب الضحية بفواتير مختومة، ولا بديل تتعاقد معهم النقابات بنسبة تحمل 10% فقط، يستلفها أهل المريض عاش أو ارتاح. وباء (كوفيد 19) كشف ستر الطبقة المتوسطة وأهان كرامة المتوفى، وأغرق أسرته في الديون.. مستشفيات خاصة ليس فيها أقسام عزل، أو عناية مركزة – مثل الولادة- استقبلت مرضى الكوفيد، دون تسجيل بياناتهم.. وخرج منها عدد كبير في حقائب سوداء. انعدام الرقابة عليها، ضاعف التهافت على شركات التأمين الخاصة بالعلاج في الخارج، لأن التكلفة أقل جدا، والتأمين يشمل حماية المريض من الخطأ، أو الإهمال الطبي. حرصت منى ثابت على أن تذكر وزارة الصحة بأن عدد الأطفال مرضى القلب تضاعف ثلاث مرات في عام، ومؤخرا أعلنت نجاحها في إجراء حوالي مليون ومئتي ألف جراحة مرتفعة التكاليف في أقل من ثلاث سنوات، مجانا.. هذا واقع نلمسه، ولكن لأن الرعاية المتوسطة غير متوفرة في مستشفيات التأمين الصحي.. يخرج الطفل من الرعاية المركزة، ليواجه حتمية دخول رعاية متوسطة، بين أنياب المستشفيات الخاصة. الوزارة بشرتنا بنهضة حملاتها الرقابية، التي أغلقت 1270 منشأة طبية مخالفة من بين 5700 (حوالي الربع) خلال الـ11 يوما الماضية فقط – ما بين مستشفيات وعيادات ومراكز طبية – ونقلت المرضى لمستشفيات الوزارة.. طالبت الكاتبة بنشر قائمة أسماء المخالفين المحتالين لتعويض ضحاياهم، وإرهاب أمثالهم.. ولماذا لا تطالب الوزارة نوابنا بتشريع يفرض نزع ملكيتهم لصالح التأمين الصحي لتوفير أماكن الرعاية المتوسطة المجانية.

لا بواكي لنا

حذرت منى ثابت من أن بيزنس العلاج الخاص يتوحش، وشركات الاستثمار الصحي الأجنبية تتربح أموالا طائلة من مرضانا.. لذلك أضم صوتي للأستاذ الدكتور حمدي السيد في مطالبة الحكومة بأداء دورها الرقابي على المستشفيات الخاصة.. ومراجعة قرار إباحة امتلاك الأجانب للمستشفيات.. ووضع حد أقصى لتربح المستشفى الخاص، مقابل الخدمة العلاجية، ومراقبة التزامها بتسعيرة وزارة الصحة لكل تفاصيل الخدمة، من اتعاب أطباء، وتحاليل وأشعات وإقامة. قبل عام 2011 كان هناك التزام بقرار عدم بيع المستشفيات العامة، أو إنشاء مستشفيات يملكها أجانب لضمان إبعاد رأس المال الأجنبي عن التربح واستنزاف المريض.. ذاب القرار في عامي الفوضى، وبيعت بالاندماج أشهر المستشفيات ومراكز التحاليل في القاهرة والجيزة، لينعم المستثمرون بذبح المريض وأهله. هذه المستشفيات ترفض إرسال سيارات إسعافها إلا للنزلاء، رغم قرار إلزامها باستقبال الطوارئ مجانا.. العلاج الربحي تجاوز مص الدماء إلى السحل وسرقة الدولة.. الطبقة المتوسطة تنزف وتذوب مع مستحقي العلاج المجاني، الحكومة ملزمة بإيقاف النزيف، والدولة قادرة.

لا مفر

القضية التي تشغل بال الكثيرين حذر من عواقبها مرسي عطا الله في “الأهرام”: يخطئ من يظن أن العودة للتسعيرة الإرشادية ذات الصفة الجبرية للسلع الأساسية مثل الخبز، تمثل رجوعا عن نظام حرية السوق لأن مثل هذا التصور يعكس فكرا «سطحيا» لا يجوز لأحد الترويج له، والذى فعلته الدولة بتوجيه عاجل وحاسم من الرئيس السيسي للتصدي لجشع التجار، يعبر عن قدرة القيادة السياسية على النفاذ إلى فهم طبيعة الظروف العالمية الطارئة التي نعيش فيها، بسب تداعيات القلق والاضطراب الاقتصادي الناجم عن الأزمة الأوكرانية. أي نظام اقتصادي لا بد من أن يكون قابلا للتعديل والتطويع والتطوير بالدرجة التي توفر للدولة القدرة على تحمل مسؤولياتها الصعبة عند نشوب الأزمات الطارئة، بما يضمن حماية الحد الأدنى الواجب والمطلوب من استحقاقات البعد الاجتماعؤ للغالبية العظمى من المواطنين، وهذا هو ما ذهب إليه الرئيس السيسؤ دون إبطاء، ودون أن يتوقف أمام المسميات الفارغة والتنظيرات الفلسفية، فالمهم عند أي قيادة سياسية حكيمة أن تمنع أسباب نشوب الحرائق حتى لا تضطر بعد ذلك إلى استخدام خراطيم الإطفاء. وبمقدوري أن أقول بضمير خالص: إن توجيه الرئيس السيسي للحكومة بسرعة تسعير رغيف الخبز الحر، يؤكد عمق إيمان الدولة المصرية بحق المواطن المصري في ضمان قوته الأساسي، باعتبار أن ذلك حق مطلوب لا تصده عقبات أو يحجبه ضباب النظريات الاقتصادية المجردة، وذلك تحت مظلة اليقين بأن التصدي لمن يحاولون استغلال نظام حرية السوق ضد طبيعته، يؤكد تصميم الدولة على وضع الحدود، التي لا تسمح باستغلال الأزمات والمتاجرة في قوت الشعب. توجيهات الرئيس السيسي جاءت تعبيرا عن المفهوم الصحيح لمبدأ المواطنة، الذي يمثل ركنا أساسيا ضمن المبادئ الدستورية الحاكمة للعقد الاجتماعي المتراضى عليه بين الدولة والشعب.

حقيقة نتجاهلها

الحقيقة التي توصل لها الدكتور عبد المنعم سعيد في “المصري اليوم” هي أنه مهما كانت «الخصوصية» التي يجري الحديث عنها، فإن الواقع المصري قد تغير عن هذه الحالة الاستثنائية المفروضة على شعب مصر. تجربة السنوات الثماني الماضية تشهد أنه من الممكن أن تكون العملة المصرية مثل كل العملات الأخرى في العالم، وأن الإنسان المصري ليس مغرما كثيرا بالعشوائيات، وأنه يمكن أن يعيش في مناطق حديثة ورحبة، وهو ممتعض امتعاضا شديدا من نظام الثانوية العامة، ولذلك يبحث لأولاده عن نظم أخرى، كما أنه قام باختراع وسائل خاصة لتملُّك السكن، جعلت في بر مصر ملايين الشقق الجديدة. التجربة التي عشناها خلال هذه الفترة تقدم الشهادة على أن المصريين يريدون أن يكونوا جزءا من عصرهم، يستلهمون روح التقدم، من حيث تأتي مع ثقة كافية في النفس تجعلهم يعرفون أن بصمتهم التاريخية سوف تظل لامعة. وجزء من هذا العصر يعرفه المصريون جيد ا، وهو أنه منذ وحّد «مينا نارمر» القطرين، وربما قبل ذلك بآلاف السنين، عرف المصريون أنواعا كثيرة من الخبز، صنعوه كثيرا من الشعير، ومن الذرة، ومن القمح؛ وخلقوا منها أشكالا رائعة من «البتاو» و«العيش الشمسي» ورقائق الخبز التي تؤكل مسكرة ومالحة. قبل تأميم الخبز وتولي الدولة أمره في عقد الستينيات من القرن العشرين، ومنذ فجر التاريخ، ظل الخبز قضية عائلية تخص الأسرة المصرية. الأكبر عمرا من المصريين يعرفون جيدا كيف كانت تُدار عملية «الخبز» و«الخبيز» في مصر، وكيف كانت خلطة الدقيق مع الخميرة تعطي رائحة زكية وشبعا.

رائحة الخبز

أكد الدكتور عبد المنعم سعيد، أن مَن عاشوا في الريف المصري خلال الخمسينيات يعرفون جيدا أن رحلة رغيف الخبز كانت تبدأ من الحقول، عندما يتم جني الذرة أو القمح، ويجري غسله، ثم بعد ذلك يذهب إلى المطاحن التي كانت قريبة، ثم يخرج منها وقد جرى تصنيفه أنواعا ممتدة من الأكثر بياضا حتى «الردّة»، وكلها كانت لها أشكالها من الخبز والحلوى. في حديث قريب لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شارحا تمويل عمليات التنمية الجارية، أوضح أنه عندما تم رفع دعم الطاقة جرى توفير 130 مليار جنيه ذهبت جميعها إلى المشروعات التنموية المصرية. كان الاختيار هنا، هو مستقبل مصر كدولة قوية وعفِيّة ومتقدمة وعصرية بدلا من راحة مؤقتة لنفط رخيص على المواطن، ولكنه يُبقي كل الأمور على ما هي عليه من فقر. ذات الأمر حدث في مجالات شتى، فلم يكن مشروع قناة السويس الجديدة، واكتتاب المصريين فيه لصالح زيادة تنافسية القناة فقط، وإنما تنمية محور القناة كله، ولا تحتاج البرهنة على ذلك أكثر من زيارة لمنطقة على بُعد ساعة واحدة من القاهرة. تحرير رغيف الخبز من التحكم الحكومي هو تحرير للاقتصاد المصري وإطلاق للطاقات الكامنة فيه، كما حدث حتى الآن في كل عملية تحرير للثروات المصرية نقوم بها.

ممكن رغيف

ما أكثر هؤلاء الذين تتأجج مشاعر سعادتهم وتطول ساعات حظهم عندما تشتد الأزمات، هؤلاء الذين كما وصفتهم دينا شرف الدين في “اليوم السابع” لا يهتز لهم طرف ولا يتأرق لهم ضمير عندما يعاني غيرهم، بل يتمنون المزيد لطالما كانت لهم منفعة وضربة حظ وفرصة لن تعوض للاستغلال والمنفعة. فكما نعلم وترددت على مسامعنا مصطلحات “كأغنياء الحروب”، هؤلاء الذين كانوا يتصيدون الفرص في أوقات الحرب في كل زمان ومكان، تلك التي تشح بها السلع الأساسية وتحديدا المواد الغذائية. فيتاجر هؤلاء الذين تجردت مشاعرهم من الرحمة ونفوسهم من الإنسانية ليكدسوا تلك السلع ويحجبونها كلما اشتدت حاجة الناس إليها، ليخرجوها أو القليل منها بأسعار غير منطقية متأكدين أنه لا بديل أمام الناس عن الدفع رغما عنهم، متجاهلين أنات ودعوات هؤلاء التي تخرج من قلوبهم الموجعة، لتتكدس ثرواتهم ويتحولوا لأغنياء، دون سبب حقيقي لهذا الغني سوى الإصطياد في الماء العكر. وها هو التاريخ يعيد نفسه بشكل أو في آخر، ليثبت لنا أن مثل هؤلاء الذين كانوا يسمون بأغنياء الحرب هم أنفسهم من يتاجرون بالأزمات، ويسنون أسنانهم عندما تلوح بوادر أي أزمة، وإن كانت بعيدة عنهم كل البعد. فبمجرد أن شم هؤلاء رائحة بوادر الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قاموا برد فعل جنوني، كما لو كانت هذه الحرب على أرضنا، وحتى قبل أن تتضح تأثيراتها الاقتصادية التي لا بد منها، وتربص كل منهم ليقتنص الفرصة ضاربا عرض الحائط بكل شيء. وبما أننا على مشارف أيام وليالى شهر رمضان الكريم، شهر الخير والإحسان، والصوم ليس فقط عن الطعام والشراب، ولكن عن كل ما هو خبيث من خُلُق وقول وفعل، أعاده الله عليكم وعلى مصر الحبيبة بكل الخير والرخاء والأمن والسلام. وفي ظل تلك الأجواء الروحانية التي يتسم بها شهر رمضان المبارك، وبقدر ما يتسارع المصريون جميعا في فعل الخيرات، هناك أيضا من يتسارعون إلى امتصاص أكبر قدر من دمائهم واستغلال حاجتهم الملحة للسلع الغذائية والمشروبات والحلويات، وغيرها من مستلزمات عادات الشهر الكريم وطقوسه.

المحتاج لا يتسول

نتحول نحو ظاهرة لافتة انتبهت لها أمينة خيري في “المصري اليوم”: الأطفال العاملون أصبحوا مشهدا عاديا من تفاصيل الحياة اليومية. عقود طويلة من العمل على مواجهة ظاهرة عمالة الأطفال بالقوانين وبرامج تنظيم الأسرة وغيرها من جهود التوعية، توشك على التبخر في هواء الإنجاب دون هوادة، واستمرار تغلغل نفوذ مَن يُشيعون بين الناس أن العيل بييجي برزقه، وأن تنظيم الأسرة حرام، وأن التكاثر العددي دون شرط الجودة سمة من سمات الدين والمتدينين. أرى أطفالا عاملين من حولي في كل مكان. يعملون في مطاعم، سوبر ماركت، محال خضروات، ورش إصلاح سيارات، دليفري، مخابز، عمال بناء، جامعي قمامة، والقائمة طويلة وتكاد لا تستثني مهنة. ومع قرب قدوم شهر رمضان المبارك، تتضاعف أعداد الصغار، بمَن فيهم الرضع ممن يفترشون الأرصفة في هذه الأيام المفترجة، التي أصبحت موسما للتسول واستخدام الأطفال، دون رادع أو رابط لدغدغة المشاعر.. ليست قسوة قلب أو جمود مشاعر، لكن المحتاج لا يتسول إلا في ما ندر. وإذا كانت أعداد المتسولين، ومعهم جيوش من الأطفال تتضاعف في موسم رمضان فقط، فكيف يعيشون بقية أيام العام؟ ترى في كل مكان نساء – في الأغلب يرتدين النقاب – ومعهن أطفال من عمر بضعة أيام حتى سنوات المراهقة. جهود سؤالهن عما إذا كن يبحثن عن فرصة عمل لتقيهن شرور مدّ اليد طلبا للمال، عادة تُقابَل باستهجان أو التأكيد على أنهن مريضات غير قادرات على العمل. وهذا يتطلب سؤالا منطقيا: فإذا كانت السيدة مريضة لدرجة تمنعها من العمل، فكيف تسمح لها ظروفها المرضية بإنجاب طفل كل عشرة أشهر، وربما تسعة؟ والأسئلة كثيرة: أين تسكن؟ وأين زوجها؟ وهل يذهب جيش الأطفال هذا إلى المدرسة؟ لكن مثل هذه الأسئلة يجب أن تُسأل من قِبَل المواطن العادي، بل من قِبَل باحثين يمدون الجهات المختصة في الدولة بنتائج أبحاثهم. مبادرة «حياة كريمة» تتسع لكل مَن يستحق. والمستمرون والمستمرات في ضخ العيال بهذا الشكل المريع، وتحويلهم إما إلى أطفال عاملين أو أطفال متسولين، حيث الاغتيال، سواء عن عمد أو عن جهل.

بوتين والإنجيل

اهتم الدكتور محمود خليل في “الوطن” بأمر بوتين، عندما خطب في أحد الاستادات الرياضية الروسية بين آلاف المشجعين، في ذكرى ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا – عن الإنجازات التي قدمتها موسكو لسكان القرم، وكيف حسنت شروط حياتهم: صمت للحظات، وارتسمت على وجهه أمارات الخشوع، ثم قال: هناك آية في الإنجيل تقول: «ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه». الآية كما أوضح الكاتب قيلت في سياق مناسب ولا شك، فالرجل يتحدث عن القرم التي ضمها الاتحاد الروسي إلى أراضيه عام 2014، وإنجازاته فيها، وهي الإنجازات التي تعبر عن فرط إيمانه الديني، وعمله بالمعنى الإنجيلي الجليل، الذي علم الإنسان أن يسخر نفسه وكل طاقته وقدراته من أجل إسعاد أحبائه. المشهد يعيد إلى الذاكرة مشاهد شبيهة عاشها العالم خلال فترة حكم «هتلر» لألمانيا. فما أكثر ما كان يظهر بين حشود ليس لها أول من آخر، يشعل حماسهم بعباراته النارية، الموغلة في تمجيد ألمانيا والألمان، وكان ميالا أيضا إلى الاستشهاد بآيات من الإنجيل يداعب بها الوجدان الإيماني للجموع. حديثا سمعنا الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن يتحدث عن الحرب المقدسة، والصوت الهامس الذي كان يطارده في صحوه ومنامه يدعوه إلى تحرير العراق، البلد الذي غزا الأمريكيون أرضه عام 2003، وتسببوا في تفكيك دولته، وقتل مئات الألوف من أهله.. لعلك تذكر أيضا مشهد دونالد ترامب، وقد خرج ومن حوله عدد من المسؤولين الأمريكيين وهو يلوح بالإنجيل في يده.

استغلال للبقاء

يكاد يكون توظيف الدين كما اوضح الدكتور محمود خليل في خدمة أهداف سياسية قاسما مشتركا أعظم بين العديد من الحكام.. سواء في الشرق أو في الغرب.. ولكن هناك فرقا بين حاكم يستخدم الدين والآيات السماوية بهدف مؤانسة سامعيه، بما يدلل على قراراته أو يبرر خطواته، وأن يتحول الدين إلى مؤسسة حكم، أو أن يحاول أحد أن يستمد شرعيته من الدين، وليس من الشعب الذي أتى به إلى كرسي الحكم. توظيف الدين كمنصة انطلاق نحو الشرعية مسألة تتناقض مع دور الدين في حياة الإنسان.. فالسياسة لها قواعدها وأخلاقياتها وطرقها وحيلها التي تتنافى تماما مع نزاهة الدين ومثاليته.. فأنبياء الله عز وجل كانوا أصحاب رسالات تستهدف إصلاح الإنسان والسمو بأخلاقيات الأفراد، الدين يعلم الإنسان أن الغاية جزء من الوسيلة، فلا يصح أن يصل الإنسان إلى غاية نبيلة بوسيلة غير أخلاقية، أما في دنيا السياسات فالغاية تبرر الوسيلة، أيا كان قبحها أو سفهها.. ولا يليق بقداسة الأديان أن يزج بها في أسواق السياسة. هناك أيضا مخاطر تتعلق باستحضار الدين في دنيا السياسة، حتى ولو كان بغرض الاستئناس، أو دغدغة مشاعر الجماهير، أو كأداة للتلاعب بالعقول.. فكلام السماء لا يصح أن يوظف في خداع المجموع وتبرير أطماع فرد معين على الأرض. ليس معنى ذلك بحال عزل الدين عن المجتمع، خصوصا أنه يشكل الرافد الأهم للثقافة الاجتماعية السائدة.. على العكس تماما.. الإنسانية اليوم في أشد الحاجة لإحياء قيم الدين ومثله وأخلاقياته، حتى يؤدي الفرد – وليس المؤسسات أو الدول أو الجماعات – في الدنيا بالطريقة التي ترضي الخالق العظيم في الآخرة «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدا».. صدق الله العظيم.

ذاكرة انتقائية

يرى الدكتور مصطفى كامل السيد في “الشروق” أن التعامل الانتقائى مع التاريخ هو سمة لرؤية الرئيس بوتين. هو يتذكر جيدا الإمبراطورية القيصرية، التي ضمت شعوبا كثيرة في أوروبا وآسيا، وقد خرجت كلها عن الاتحاد السوفييتي في 1991 وأصبحت ــ مثل أوكرانيا ــ دولا مستقلة، ويعتبر بوتين سقوط الاتحاد السوفييتي على هذا النحو أخطر الأحداث الجيوسياسية في القرن العشرين. ويشير المراقبون إلى أنه يحلم باستعادة النفوذ الروسي على كل تلك الأقاليم، ليس فقط ما كان منها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي، بل يطمع، وهذا هو المطلب الروسي الرسمي، في انسحاب حلف الأطلنطي من كل الدول التي كانت سابقا من أعضاء حلف وارسو، وبعضها على حدود روسيا، وشكلت منطقة نفوذ للاتحاد السوفييتي، بل هو لا يعترف بأن بعض البشر الذين يعيشون في هذه الدول يستحقون أن يكونوا دولا. أوكرانيا في رأيه لم تكن دولة قبل الثورة البلشفية التي أتت بالشيوعيين إلى حكم أقاليم روسيا القيصرية سابقا، وإنما كانت منحة من لينين قائد تلك الثورة، وعلى الرغم من أن بوتين كان عضوا فاعلا في جهاز المخابرات السوفييتي في ظل الحكم الشيوعي، إلا أنه يرى أن استئصال الشيوعية يقتضي أيضا إلغاء تراثها، ومنه وجود بولندا كدولة.

أيا كان حجمها

يغفل الرئيس الروسي، كما اشار الدكتور مصطفى كامل السيد عن أن السبب الرئيسي المباشر لسقوط الاتحاد السوفييتي كان هو الفشل في تحويل ما قام به لينين، وما نص عليه الدستور السوفييتي في 1936 من منح الاستقلال الذاتي للقوميات المختلفة التي تشكل منها الاتحاد السوفييتي السابق إلى واقع. من الناحية النظرية المحض اعترف الاتحاد السوفييتي بالتعدد الثقافي داخل حدوده، وأضفى عليه طابعا سياسيا بأن جعل الحكم الذاتي حقا لكل القوميات أيا كان حجمها؛ تتمتع باستخدام لغتها والتعبير عن ثقافتها، بل اعترف بأن للقوميات الكبرى فيه حق المطالبة بتقرير المصير، ولذلك كان اسمه الرسمي هو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وكانت القوميات الكبرى فيه هي وحداته الأساسية. فهذه القوميات الخمس عشرة هي الجمهوريات الاتحادية التي تكون منها، بل إن اثنتين منها كانتا أعضاء في الأمم المتحدة وهي كل من أوكرانيا وبيلا روس، اللتين احتفظتا بتمثيل مستقل إلى جانب الاتحاد السوفييتي ذاته، ولذلك كان للاتحاد السوفييتي مع هاتين الجمهوريتين ثلاثة أصوات بثلاثة مقاعد في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان رئيس كل من الجمهوريات الخمس عشرة ينتمي إلى القومية السائدة فيها، وكانت كل من هذه الجمهوريات تستخدم لغتها القومية إلى جانب اللغة الروسية، التي كانت رابطا مشتركا في التواصل بينها. وفضلا على ذلك فبعض أبناء هذه الجمهوريات وصل إلى أن يكون أقوى شخصية في الاتحاد السوفييتي؛ فستالين كان من جورجيا، وخروشوف الذي تلاه أمينا عاما للحزب الشيوعى السوفييتي هو أصلا فلاح من أوكرانيا، بل إن الحق في الحكم الذاتي امتد إلى داخل الجمهوريات الاتحادية، فعندما تتكون بعضها من قوميات أصغر يصبح لهذه القوميات أن تتمتع بوضع الجمهوريات ذات الحكم الذاتي، ومن بين الجمهوريات العشرين في هذا الوضع، كانت ست عشرة منها تقع في جمهورية روسيا الاتحادية ذاتها، واثنتان في جورجيا، وواحدة في كل من أذربيجان وأوزبكستان، وحتى في حالة وجود قوميات أصغر فمن حقها أن يكون لها إقليم مستقل.

عقول في إجازة

لدى عماد الدين حسين في “الشروق” من الوقائع التي تدفعه للدهشة: هل نعذر الكثير من الناس في كل مكان في العالم حينما يعتقدون أن هناك مؤامرة كونية متكاملة لإغراق العالم بالمشكلات المتنوعة، التي يدفع ثمنها الفقراء؟ على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة أطالع قصصا وفيديوهات تعتقد أن هناك مؤامرة. هذا الاعتقاد ليس قاصرا فقط على البسطاء وأنصاف المتعلمين، بل إن هناك من يؤمن به من المثقفين، وما يمكن أن نطلق عليهم النخبة. قبل أيام قليلة قابلت سيدة متعلمة تعليما راقيا، وقالت لي بوضوح إن «الكبار» اختلقوا حكاية فيروس كورونا، لكي يشغلوا به العالم، ويبيعوا منتجاتهم الصحية وعقاقيرهم ولقاحاتهم للدول الفقيرة والنامية. وحينما انتهت اللعبة واكتشفها العالم، كان لا بد من اختراع لعبة جديدة. فجاءت قصة أوكرانيا، وهكذا بدأت كورونا تتراجع، في حين صارت أوكرانيا في الصدارة. استغربت منطق هذه السيدة، لكن المفاجأة لم يكن كلامها، بل إنني سمعته مع اختلاف الصيغة من أشخاص يفترض أنهم مثقفون جدا، أما المفاجأة الأكبر فكانت وجود علماء كبار في دول مختلفة ما يزالون يصرون على أن كورونا اختراع لإشغال العالم. لا أملك معلومات سرية، ولست عضوا في «مجلس إدارة العالم، وبالتالي لا أدعي المعرفة أو حسم مثل هذه القصص، لكن وإلى أن نجد أدلة دامغة على وجود هذه المؤامرة فلا أملك إلا تصديق الأمور الفعلية المنطقية المتاحة أمامنا». ربما تكون هناك مؤامرة، وربما تكون إحدى الدول الكبرى أرادت إغراق العالم في هذه المشكلة غير المسبوقة، لكي تحكم سيطرتها على العالم أكثر، وربما تكون دولة أخرى كبرى هي من فعلت ذلك، لكي تتقدم هي وتؤخر غيرها، لكن بما أن كل ذلك يظل فرضيات نظرية، لا أحد يملك دليلا قاطعا على صحتها، فإنها تظل أشبه بحكايات ما قبل النوم أي للتسلية.

شكرا يا علي

قصة تستحق أن تروى سرد تفاصيلها في “الأهرام” الدكتور أسامة الغزالي حرب: هل تعرفون من هو علي فرج؟ إنه مهندس مصري شاب، عمره الآن ثلاثون عاما، تخرج في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة، لعب منذ صغره الاسكواش وحصل على أول بطولاته فيه أثناء دراسته الجامعية. دفعه تفوقه المبكر في تلك اللعبة إلى احترافها. حقق إنجازات دولية رائعة. شملت ألقابه بطولة السويد المفتوحة للاسكواش، وبطولة مصر للاسكواش، وبطولة أمريكا المفتوحة للاسكواش، وبطولة العالم وكذلك بطولة موتور سيتي المفتوحة. ووصل إلى نهائيات بطولات: هونغ كونغ، والصين، والعالم والجونة والأهرام… علي فرج إذن هو أحد العمالقة المصريين الذين يتسيدون لعبة الاسكواش على مستوى العالم. وفي التصنيف الأخير لرابطة لاعبي الاسكواش لأفضل 50 لاعبا في العالم تظهر أسماء ثلاثة عشر لاعبا مصريا، يقع في مقدمتهم علي فرج. غير أن هذا التاريخ الرياضي الحافل لعلي فرج ليس هو ما يدفعني اليوم للكتابة عنه، ولكنني أتكلم عن واقعة بسيطة، حدثت يوم الاثنين الماضي عندما كان علي فرج يتسلم جائزة فوزه ببطولة «أوبتاسيا» للاسكواش رجال، التي جرت في ملاعب نادي ويمبلدون في لندن. وإنني أرجو منك أيها القارئ الكريم أن تعود لمقطع الفيديو الذي يقف فيه علي فرج ليتسلم جائزته، وإلى جانبه الشخص الذي يبدو أنه طلب منه أن يعلق على الاجتياح الروسي لأوكرانيا… فتحدث علي، بدون سابق إعداد طبعا، وبصوت متهدج باللغة الإنكليزية :«كلنا تابعنا ما يجري حاليا في أوكرانيا، ولا أحد يرضى عن ذلك، لأنه لا يمكن لأحد أن يقبل تلك العمليات. ولكن لم يكن يسمح لنا بالحديث عن السياسة في الرياضة، ولكن بما أنه أصبح مسموحا الآن بذلك.. أود أن يتذكر الناس أيضا ما يحدث في كل أنحاء العالم.. الفلسطينيون يتعرضون للاضطهاد طوال 74 عاما… (وهنا صفق الحاضرون بقوة) ولكنب أعتقد أن قضيتهم لا تتناسب مع الإعلام الغربي، الآن يمكننا أن نتحدث عن أوكرانيا وفلسطين… أرجو أن تأخذوا ذلك في الاعتبار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية