لعل الترجمة رافد من أهم روافد التلاقح الثقافي والمعرفي بين شعوب الأرض، لذا أهتم العرب المسلمون بهذا الرافد المعرفي، وهم يبنون دولتهم، فأنشأ العباسيون (بيت الحكمة) في عاصمتهم بغداد، فيما أنشأ الفاطميون (دار الحكمة) في عاصمتهم؛ عاصمة المعز؛ القاهرة، لكن هذه الدار أجهضها صلاح الدين الأيوبي بتعصبه، حين أدال الدولة الفاطمية، وكان لا بد لأهل الأندلس من (مدرسة المترجمين) في مدينة طليطلة.
لقد اهتم الخليفة المأمون بقضية الترجمة، ولاسيما عن الهندية واليونانية، على الرغم من وثنية الأفكار المترجمة، التي لا تتفق مع مفاهيم الإسلام في التوحيد، ولعل أول كتاب ترجم إلى العربية هو كتاب (كليلة ودمنة) الذي نقله روزبة بن داذويه المعروف بعبد الله بن المقفع، الذي اختلف الدارسون في مقتله، وأرى أن مقتلته الفظيعة، جاءت بسبب كتابته (وثيقة الأمان) لعبد الله بن علي عم الخليفة المنصور، الذي خرج على ابن أخيه في جهات البصرة، فلم يعثر المنصور على ثغرة كي ينفذ منها لقتل عمه، الذي ثار ضده، فقتل ابن المقفع.
هذا الكتاب نقله ابن المقفع عن الفهلوية؛ وهي الفارسية القديمة، وفيه قصص موحية، ألفه الفيلسوف الهندي (بيدبا) على لسان الحيوان والطير، ولعله كي يستطيع الكتابة بعمق والوصول إلى المسكوت عنه، الذي قد لا يرضي الحاكم (دبشليم) والتخلص من تبعات قصه وأوزارها وتسجيلها ضد مجهول؛ ضد الحيوانات والطيور!
وإذ تأسست الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، فإن القائمين عليها اهتموا بأمور الترجمة، حتى إن الملك فيصل الأول بذل جهداً مكثفا كي يجتلب المترجم الضليع عبد المسيح وزير، الذي كان له فضل وضع (المعجم العسكري) ومن ثم تعريب كل مصطلحات الجيش العراقي، ورتب ضباطه ومراتبه؛ هذا المعجم الذي سيضحى مدماكا ولبنة أولى في تعريب مصطلحات الجيوش العربية كلها، وقد أنجب العراق رعيلاً رائعا في ميدان الترجمة، سواء من اللغات الإنكليزية أو الفرنسية أة الإسبانية أو الروسية، فضلاً عن لغات العراق القديمة التي يقف على رأسها العلامة طه باقر، الذي يسجل له فضل ترجمة ملحمة (هو الذي رأى) ملحمة كلكامش أو جلجامش أو قلقميش على لغة الأديب الدبلوماسي والمترجم عبد الحق فاضل، وإذ ترجم طه باقر الملحمة نثراً، فإن عبد الحق فاضل نظمها شعراً.
ومن أفذاذ المترجمين في العراق: جعفر الخياط، وجبرا إبراهيم جبرا، ونجيب المانع، وصلاح نيازي، فضلاً عن عبد الواحد محمد، وعبد الواحد لؤلؤة، الذي له فضل ترجمة موسوعة (المصطلح النقدي) بأجزائها العديدة، وسعيد الغانمي، ومحمد درويش، ويوئيل يوسف عزيز، ولطفية الدليمي وابتسام عبد الله، وعن الروسية جليل كمال الدين، وغائب طعمة فرمان، وضياء نافع، وعن الإسبانية بسام ياسين رشيد البزاز، وعبد اللطيف الموسوي عن الفرنسية.
ثمة مقولة نقدية إيطالية مفادها: إن الترجمة خيانة، وأرى أن هذا ينطبق على الشعر، لما تكتنفه من كنايات واستعارات ومرموزات، فضلاً عن الوزن والقافية، وكذلك الأسلوب القرآني عالي المستوى، حتى إن المستشرق الفرنسي الشهير ريجيس بلاشير، الذي على الرغم من ترجمته القرآن الكريم للفرنسية، فإنه يبوح بمكنونات صدره لتلميذه إبراهيم السامرائي، إذ هو لا يدرك الوجه البلاغي في قوله تعإلى: «واشتعل الرأس شيباً»( سورة مريم 11) فضلاً عن قوله تعإلى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» (الرعد 28) لقد فهم منها أنها استفهام إنكاري؛ وهذا لا يؤدي ما أريد بالآية من معنى إيجابي وهو إن بذكر الله تطمئن القلوب، كما لم يفهم مترجمون إنكليز معنى (انشق القمر) المجازي في قول الله: اقتربت الساعة وانشق القمر».
ومن هذا الرعيل الترجمي الرائع، المترجم الضليع كاظم سعد الدين، الذي فقدته ثقافة العراق والأمة العربية يوم الاثنين الرابع عشر من شهر شباط/ فبراير 2022، الذي رفد المكتبة العربية بعديد الكتب المهمة مثل رواية (الأقرباء الأبعدون) للروائي المكسيكي الشهير كارلوس فوينتس، نقلها عن لغة وسيطة هي اللغة الإنكليزية، فضلاً عن كتاب (بحوث في الثقافة العالمية.. الألسنية والأدب والفن) وله كتاب آخر للمستشرق الروسي فيلشتنسكي، نقله أيضا عن لغة وسيطة، وهذه معضلة أخرى في عوالم الترجمة، إذ من الأفضل نقلها من لغة الأصل من غير لغة وسيطة، كي لا يبتعد المترجم عن لغة الأصل، والدخول إلى متاهة تعدد الوسطاء في الرحلة نحو لغة الهدف، كما ترجم لنا قصائد مختارة من الشاعر الإسباني القتيل غارسيا لوركا، فضلا عن كتابه الأهم (مشاهير أدباء العالم. ذكريات وحوارات) ويقع في أزيد من ستمئة صفحة، وقد أدرت عن هذا الكتاب حديثا نقديا، نشرته جريدة «المدى» في ملحقها (عراقيون من زمن التوهج) الأسبوعي والخاص بالراحل العزيز، الذي صدر يوم الخميس 17 فبراير 2022.
هذا الجهد الترجمي الرائع الذي بذله شيخ المترجمين العراقيين كاظم سعد الدين، الذي ناف على ستة عقود زمنا، هو الذي سيبقيه في ذاكرة الزمان، وذاكرة القراء الجادين، على الرغم من عمليات الإنساء والإمحاء التي تمارسها الأيام في سيرورتها نحو اللا أين.
وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ولا ريب ولا مشاحة، في أن جهود كاظم سعد الدين ستظل ماكثة لا في الأرض حسب، بل في عقول الدارسين والقراء الجادين وأذهانهم، وما هذا بالهين ولا اليسير وفي ذلك حسبه.
حاشية
الكلمة التي قرأتها في جلسة التأبين لشيخ مترجمي العراق كاظم سعد الدين، التي أقامها (بيت المدى للثقافة والفنون) في مقره في شارع المتنبي من رصافة بغداد، ضحى الجمعة 17 رجب المرجب 1443 هـ – 18 فبراير 2022، وتحدث فيها تباعا كل من: نادية هناوي، علي حداد، قيس كاظم الجنابي، علي الفواز وشكيب كاظم.
كاتب عراقي