شرق سوريا: حملة مدنية أطلقتها 5 جمعيات ومنظمات محلية لدعم لجان الصلح المجتمعية

حجم الخط
0

دير الزور (سوريا) – «القدس العربي»: «كثير من السيدات والفتيات غير قادرات على اتخاذ قرار يتعلق بحقهن في الميراث أو الزواج وأبسط الحقوق»، بهذه الكلمات بدأت الناشطة النسوية كوثر غضوان السداح المتحدرة من بلدة هجين الواقعة بريف دير الزور الشرقي حديثها الى جريدة «القدس العربي»، وترى بأن الحراك النسوي على الرغم من كل التحديات التي تواجهها، أصبح ضرورة ملحة في مجتمع يسوده العرف العشائري والمنطق القبلي لتفعيل الحراك المدني ودعم المرأة السورية وتمكينها وحمايتها، ومن خلال أنشطتها: «أريد مساعدة النساء لكسب الثقة بأنفسهن وامتلاك القدرة ليصبح لها دور فاعل في المجتمع».

قيادات نسوية لحملات سلام في ريف دير الزور

وتعمل كوثر عضو في «لجان الصلح المجتمعية» لدعم عمليات بناء السلام في منطقة يغيب عنها القانون المدني والسلطات الحكومية منذ 10 سنوات، وتشغل منصب قيادية إدارية في منظمة «إنصاف للتنمية»، وخصصت حسابها وصفحاتها الزرقاء بمواقع التواصل الاجتماعي لنشر حملات توعوية وصور ارشادية ومعلومات عن حقوق النساء. وتشير الى أن نساء وفتيات دير الزور عايشوا جهات عسكرية متعددة ومتشددة أجبرتها على الانغلاق، وبعد الانعتاق والخلاص من تنظيم «الدولة» الذي حكم المنطقة سابقاً قرابة 6 سنوات بين أعواد 2013 و2019، «الكثير منهنّ تخشى مغادرة المنزل لدواعٍ أمنية واخريات بسبب قيود المجتمع، لذلك أركز على حملات التوعية لحاجة المرأة إلى العمل وجدارتها وتحملها مسؤولية المساهمة في بناء مجتمعها».

حضور لافت للمرأة

وتشارك هذه الناشطة في تنظيم ورشات تدريبية وجلسات مفتوحة تثقيفية عبر منظمة (إنصاف) ودائرة معارفها وعلاقاتها، بهدف توضيح صورة المرأة في «لجان الصلح» والأخيرة أشبه بمحاكم شعبية نجحت في حل مشكلات في مناطق عملها بريف دير الزور الشرقي تتعلق بقضايا معيشية، كتوزيع المساعدات على الأهالي أو تنظيم توزيع الكهرباء والماء والخبز، وحل قضايا الخلافات الشخصية بين سكان المنطقة والنازحين من مناطق أخرى، في ظل نقص الموارد والأزمة الاقتصادية، وصولاً إلى المشكلات الناتجة عن حوادث المرور والابتزاز عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من القضايا التي تُقلق السلم والاستقرار المجتمعي.
وعن دورها في هذه اللجان تابعت كوثر حديثها لتقول: «حضور المرأة في اللجان عزز قدرتها على الوصول إلى قضايا تكون النساء طرفاً فيها، كقضايا الطلاق والميراث والخلافات الزوجية والعائلية»، نظراً للخجل وحرية البوح والتحدث بدون قيود: «لذلك وجودنا أعطى مساحة آمنة للنساء للتعبير عن مشاكلهن وشرحها».
وأطلقت خمس منظمات مدنية حملة مناصرة لتعزيز دور «لجان للوساطة المجتمعية» بريف دير الزور الشرقي بداية الشهر الحالي، بعد سنوات من غياب المحاكم والسلطات القضائية واختلاف سيطرة الجهات العسكرية، وأعلنت حملة بعنوان «الصلح خير»، في إطار سعيها لإعادة ترميم العلاقات بين أبناء المنطقة وتعزيز التماسك المجتمعي، وتستهدف الحملة المناطق والمدن والبلدات الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وهذه المنطقة خارجة عن سيطرة القوات النظامية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد.
حيث تشارك في الحملة منظمات وجمعيات «ديرنا» و«فراتنا» و«سامه» و«ماري» و«إنصاف للتنمية»، والتي شكلت (لجان الصلح) من شخصيات مؤثرة وفاعلة في المجتمع، إلى جانب رجال دين من ذوي الخبرة والكفاءة وأصحاب السمعة الحسنة بين الأهالي، وذكرت كوثر السداح بأن اللجان لديها نحو 70 ملف دعوى وقضايا عالقة تنتظر حلها وقسم منها متعلقة بالنساء، وعلقت قائلة: «خلال مشاركتي لاحظت وجود مشكلة عندما تصل الأمور إلى الطلاق لا تمتلك النسوة دراية قانونية كافية بالإجراءات، لذلك أقوم بالدفاع عنهنّ»، كما تنشر معلومات وحقائق قانونية وروابط مواقع تثقيفية لفهم حقوق النساء، «فأنا مهتمة بإيجاد بيئة جيدة لنساء دير الزور من أجل تعزيز دورها القيادي».

تدريبات للمناصرة والتمكين

تقول الأمم المتحدة في دراسة أن العام 2020 لوحده اضطرت 450 ألف امرأة وفتاة للنزوح داخليًا في سوريا، جراء الدمار والخراب الذي طال معظم المؤسسات الخدماتية من ضمنها المشافي والمستوصفات الطبية في ريف دير الزور الشرقي، التي تعنى بصحة المرأة والفتاة اللواتي يعتبرن الفئات المستهدفة والأكثر تضرراً من نيران المعارك القتالية وحرمت من أبسط حقوقهنّ. أما نور عجيل منسقة البرامج في منظمة «ماري للتنمية» وتنشط منذ ربيع العام 2019 في مناطق ريف دير الزور الشرقي وتقع هذه البقعة الجغرافية شرقي سوريا ومحاذية للحدود مع دولة العراق المجاور، شاركت في تنظيم وحضور العشرات من الدورات التدريبية والورشات، وفي العاشر من الشهر الحالي شاركت أكثر من 50 امرأة وفتاة في ورشة «نساء من أجل السلام» في منتدى عُقد في بلدات الباغوز والبصيرة لتبادل الخبرات ولتمكين المرأة في كل منطقة، وناقشوا على مدار ثلاثة أيام متتالية طرق تعزيز القيادة والتواصل واستعرضن معاً مبادراتهن المجتمعية، واتفقت المشاركات على توصيات خاصة تساهم في توسيع أفق تأثيرهن ضمن مجتمعاتهن في مجالي بناء السلام والتماسك المجتمعي ليشمل ذلك عقد لقاءات تنسيقية منتظمة لتبادل المعرفة والتخطيط لمبادرات مستقبلية مشتركة.
ولدى حديثها الى جريدة «القدس العربي» وفي معرض ردها على أهمية التدريبات تقول نور بأن أهم عنصر في التدريبات والورشات العملية بالنسبة للمرأة هو المناصرة والتمكين، «نسعى لضمان أن تحتل النساء أولويات مركزية في قرارات السلام والأمن، كما نشرح كيفية مواجهة العوائق الاجتماعية والثقافية ومخاطر الحماية التي تشكل عقبة من المشاركة الكاملة للمرأة في تحقيق السلام وحفظه»، وتعمل هذه النساء ضمن مجتمعاتهن لإعداد وتنفيذ مبادرات بناء السلام بالاعتماد على اهتماماتهن وخبراتهن واحتياجات مجتمعاتهن.
وأطلقت هذه الجمعيات العديد من المبادرات المدنية وركزت على مسألة تجاوب الأهالي والدور المهمّ لأهمية في دعم عمليات الاستقرار وتخفيف مستوى العنف، إضافة إلى الدور الأساسي التي تلعبها في حل جذور النزاعات وأظهرت الى درجةً ما الإلزام الأدبي الذي يتمتع به أعضاءها لدى أطراف النزاعات، مما جعلها موردًا من موارد السلام المهمّة محليًا في دعم التماسك المجتمعي عبر دوره الكبير في استقرار الحياة اليومية للمجتمعات المحلية.

«ليصبح دورهن أقوى»

وأوضحت عجيل بأن «لجان الوساطة المجتمعية» أشبه بمحاكم شعبية تستند في عملها لمزيج من القانون السوري والقوانين الدولية ذات الصلة وتشريعات حقوق الإنسان، ومن بين أعضاء اللجان محامون وقانونيون ورجال دين لهم معرفة ودراية بالقانون نتيجة عملهم السابق في محاكم الدولة، «نعمل على حض سكان المنطقة والمشاركات لإقناع ذويهم على التخلّي عن العنف، والمحافظة على النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات الحرب السابقة».
وأعربت ياسمين التي شاركت بورشة تدريبية بداية شهر مارس/آذار الحالي في بلدة محميدية السورية إنها تريد ان تنصح كل سيدة وفتاة المشاركة في هذه الأنشطة والأعمال التطوعية: «حقيقةً أنصح بالمشاركة في العمل التطوعي لبناء المعرفة والخبرات والقدرة بهدف إحداث تغيير في المجتمع، نحن بحاجة للانخراط في هذه النشاطات والمساهمة الفعالة في مجتمعاتنا»، منوهة الى أن مجتمع دير الزور عموماً والمناطق العشائرية خصوصاً يجري التعامل مع الرجال في بجدية أكثر من النساء، «أريد مساعدة كل فتاة وامرأة ليثقن بأنفسهن وليصبح دورهن في المجتمع أقوى، لأنني مهتمة بزيادة الوعي والثقافة».
وشاركت مؤسسة «الشارع للإعلام والتنمية» السورية بالحملة وعن دورها في دعم جهود «لجان الصلح» ومبادرات السلام يقول الناشط أيمن علاو في حديث لجريدة «القدس العربي» إن الحملة هدفها نشر ثقافة السلام وحل الخلافات بين الناس بالطرق والأدوات السلمية، وقال: «لتخفيف حدّة تلك النزاعات ومنع تفاقمها لأن المنطقة شهدت فوضى سلاح وحروب كثيرة، بغية كسر دائرة العنف التي أحاطت بالمجتمع خلال السنوات الماضية»، ويرى بأن هذه المناطق ذات طابع عشائري وما يزيد من تعقيد الوضع وتأزمه غياب الدوائر والمحاكم المختصة بعد سنوات عجاف من الحرب.
وأوضح بأن المنطقة كان يسودها العرف العشائري حتى بوجود القوات النظامية والسلطات الحكومية، واختتم حديثه ليقول: «كان جلياً عندما تتدخل الدولة لحل خلاف عشائري تتصرف وكأنها جزء من المنازعات القبلية، بدلاً من السعي لإيجاد وسائل بديلة لمحاسبة المتورطين الأمر الذي قوض القضاء وحط من شأنه».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية