قمح الفلاحين تحت سيطرة الدولة… ومطالبتها بعدم السماح للتجار بالسطو على «ملاليم الفقراء»

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ«القدس العربي»: بمرور الوقت ومع تعالي صرخات المواطنين من عصف الغلاء بمقدراتهم، وفشلهم في مواجهة أعباء الحياة الضرورية، أصبح الشغل الشاغل أمام الحكومة وكبار رجال الدولة مختزلا في محاولة تبديد أتون الغضب المتصاعد في الصدور. أمس الخميس 24 مارس/آذار تراجع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه، في البنك الأهلي المصري، أكبر البنوك الحكومية، بواقع قرش واحد، ليسجل سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه على شاشة البنك الأهلي المصري وموقعه الرسمي 18.38 جنيه للبيع مقارنة بـ18.39 مع بدء عمل البنك، ما أسفر عن حالة من الثقة اعترت الحكومة…
من جانبه سعى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، لتقديم الأعذار حول أسباب ما حل بنا من جحيم، مبررا الأسباب التي اضطرت الحكومة لأن تقوم بإجراءات قاسية مؤكدا: “لدينا الرصيد الكافي للسلع والذى يؤمننا لشهور مقبلة”، مشيرا إلى أن مصر حققت مكاسب كبيرة جدا من برنامج الإصلاح الاقتصادي، وأن برنامج الإصلاح الاقتصادي مكن مصر من الصمود في مواجهة الأزمات. وأشار إلى أن هناك توجيهات رئاسية باستمرار معارض «أهلا رمضان» لما بعد الشهر الكريم، لتوفير السلع للمواطنين بأسعار مخفضة. ومن التقارير الاقتصادية قال هشام عكاشة، رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري، إن حصيلة طرح شهادة الادخار ذات عائد 18% بلغت أكثر من 80 مليار جنيه، خلال 3 أيام من طرحها. وكشف عن أن نسبة 85% من العملاء نفذوا الشراء عبر “الأهلي نت” و”الأهلي موبايل”. ودخلت دار الافتاء على خط الأزمة، حيث قال الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، ردا على سؤال بشأن حكم احتكار العملة الأجنبية: «يدخل ذلك في الاحتكار المحرم شرعا، وهو أيضا مُجَرمٌ قانونا، ومرتكبُ هذا الفعل مرتكبٌ لإثمٍ كبير؛ لأنه يضيق على عامة الناس، من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات ومتطلبات الحياة بسبب شح العملة، فيلحق الضرر باقتصاد البلاد، ويؤثر سَلبا في الاستقرار ومسيرة البناء والتنمية، ويوقع المحتاجين في المشقة والحرج». وأكد المفتي أنه لا يجوز التعامل في النقد الأجنبي إلا عن طريق البنوك وشركات الصرافة المعتمدة المرخص لها في هذا النوع من التعامل، والمال المكتسب مما يعرف بـ«تجارة السوق السوداء» كسبٌ غير طيبٍ. ومن أخبار الحوادث: تمكنت الأجهزة الأمنية في مديرية أمن البحيرة، من ضبط سيدة هاربة من تنفيذ 76 حكما قضائيا في دائرة مركز كفر الدوار.
إياك ورغيفي

الحقيقة التي يثق فيها محمد البرغوثي وكشف عنها في “الوطن”، أن اتفاقيات التجارة الحرة ظلت وسوف تظل مجرد وسائل ضغط تستخدمها القوى المسيطرة لمواصلة نهبها للعالم النامي وللدول الفقيرة، ثم تتحول فورا إلى أوراق معدومة القيمة، لا تلتزم بها القوى المسيطرة، إذا ما تعرض اقتصادها لظرف استثنائي. ولعل أصداء الحروب التجارية التي أثارها رئيس أمريكا السابق دونالد ترامب، ما زالت ماثلة في أذهان الكثيرين، فقد فرض ترامب تعريفات جمركية ضخمة عام 2018 على واردات الصلب والألومنيوم من الصين وكندا والاتحاد الأوروبي والمكسيك والأرجنتين وأستراليا والبرازيل، وفي عام 2020 التقى ترامب مع ممثلي شركات الصيد من ولاية «مين» الأمريكية، واستمع إلى شكواهم من الرسوم الجمركية التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي على واردات أمريكا من جراد البحر والمأكولات البحرية، فإذا به يوجه إنذارا شديد اللهجة إلى أقرب حلفاء أمريكا: «سنفرض رسوما إضافية على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبي، حتى يتم رفع الرسوم المفروضة على جراد البحر الأمريكي». لتذهب إذن اتفاقيات التجارة الحرة، واتفاقيات تحرير الزراعة إلى الجحيم، فليس هناك ما هو أهم من حماية الأمن الغذائي المصري، وتوفير رغيف العيش للمواطنين، في ظل أزمة عالمية طارئة ضاعت معها فرصة استيراد 80% من الأقماح المستوردة من أوكرانيا وروسيا. القرار المصري بالعودة إلى التوريد الإجباري للقمح المحلي، قرار مشروع وصائب إلى أقصى حد، ولا تملك منظمة دولية ولا دولة عظمى طامعة في أسواقنا أن تطالبنا بإعادة النظر فيه، لأن كل الهيئات والمنظمات التي تتابع تطبيق اتفاقيات التجارة الحرة، لم تجرؤ في يوم من الأيام على مراجعة الدول الكبرى في قرارات خرق هذه الاتفاقيات، لحماية أسواقها من الإغراق، وتوفير الحماية الكاملة لمنتجاتها الوطنية.

ضحية كل العصور

أكد محمد البرغوثي أن انفلات أسعار المدخلات الزراعية، وانعدام رقابة الجهات المختصة على نوعية وأسعار معظم المدخلات – خصوصا المبيدات والأسمدة – رفع تكلفة الإنتاج الزراعي بما يفوق قدرة الغالبية العظمى من المزارعين على مواصلة الإنتاج من الأساس، وحتى الفئة القليلة التي تزرع مساحات شاسعة وتستخدم أحدث التقنيات، باتت عاجزة عن مواصلة الإنتاج، بسبب ارتفاع أسعار المدخلات وتقلب الأسواق وسيطرة فئة مسعورة على احتكار تسعير المدخلات والإنتاج، بما يحقق لها أرباحا طائلة على حساب المنتجين. الأمر الآخر الذي لم تنتبه له اللجان المكتبية، التي وضعت أسعار توريد القمح للحكومة، هو كوارث تغير المناخ، التي تسببت في تخفيض إنتاجية معظم المحاصيل الحقلية والبستانية، وإذا كان وكلاء وزارة الزراعة في المديريات حريصين على رفع تقارير دورية بارتفاع الإنتاجية في مديرياتهم، فإن واقع الإنتاج يشير إلى تلفيق هذه التقارير، وقد عاينتُ بنفسي مهازل يندى لها الجبين، وسألتُ عددا من كتبة هذه التقارير الملفقة عن أسباب عدم مصارحة الوزير ومساعديه بحقيقة الإنتاج، وأجابوا جميعا بأن من يجرؤ على قول الحقيقة يُطاح به من منصبه على الفور! والحاصل أن مساحات شاسعة من الأراضى المزروعة بالقمح في الدلتا والوادي والصحارى انخفض إنتاجها في السنوات الأخيرة من 18 أردبا للفدان إلى إنتاج يتراوح بين 8 و12 أردبا، فضلا عن نسبة لا يُستهان بها من الأراضي المزروعة بالقمح تعرضت خلال السنوات الماضية للتملح والتطبيل، وزحفت عليها أعراض التصحر، وإنتاجها من القمح لا يكاد يصل إلى أكثر من 10 أرادب للفدان، وبعضها ينهار إلى أقل من ذلك. إنني أتصور مزارعا في الوادي أو الدلتا أو الصحراء، لم يحقق هذا العام أكثر من 10 أرادب قمح للفدان، وإذا بالحكومة تطالبه بتوريد 12 أردبا، حتى لا يقع تحت طائلة قانون يهدده بالغرامة والحبس، كيف سيتصرف هذا المزارع؟ ومن أين له بالكميات الإضافية لاستكمال نصابه من التوريد الإجباري؟ وبكم سيشتريها من التجار الذين يشترون الأردب الآن بأكثر من 1200 جنيه؟!

ينبغي عدم ترويعه

نبقى مع الفلاح الذي تسعى الحكومة لإلزامه بتوريد ما بحوزته من قمح وهي القضية التي شغلت بال الكثيرين من بينهم عماد الدين حسين في “الشروق”: سؤال يشغل بال غالبية مزارعي ومنتجي القمح في مصر هذه الأيام: هل من حق الحكومة أن تحصل على نسبة معينة من القمح المحلي؟ أم أن ذلك يعتبر ظلما للفلاحين؟ قبل دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، كانت الحكومة قد أعلنت أنها رفعت أسعار توريد القمح من الفلاحين إلى 820 جنيها للأردب، لكي يكون مقاربا لسعره عالميا. الحكومة لم تكن تلزم الفلاحين طوال السنوات الماضية بتوريد كميات محددة من القمح المحلي، بل كانت تعتمد على إغراء السعر مقارنة بسعره في السوق المحلية. في الأوقات العادية كانت الحكومة تستهدف الحصول على 3.5 مليون طن قمح من السوق المحلية من إجمالي نحو 9 ملايين طن يتم إنتاجها من 3.6 مليون فدان، لكنها أعلنت أنها تستهدف هذا العام الحصول على 6 ملايين طن بزيادة 70% عن العام الماضي. وبزيادة 8% عن الأسعار المعلنة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما سيكلف الحكومة نحو 35 مليار جنيه بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، وهو مبلغ يساوي ضعف ما أنفقته الحكومة على شراء القمح المحلي في العام الماضي، طبقا لنشرة أنتربرايز الاقتصادية، التي كتبت تقريرا وافيا عن الموضوع يوم الأحد الماضي. نعلم أن مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم حيث تستورد نحو 13 مليون طن قمح، إضافة لما تزرعه محليا، ولأن 80% من وارداتها تأتي من روسيا وأوكرانيا، فقد كان طبيعيا أن يكون هناك شعور بالخطر بسبب الحرب وبطء سلاسل الإمدادات، ما أدى إلى زيادة سعر القمح وشحنه ونقله وتأمينه عالميا.

البديل المتاح

خوفا من أي أزمات فإن الدكتور علي المصيلحي وزير التموين أعلن إلزام مزارعي ومنتجي القمح بتوريد 12 أردبا عالي الجودة من كل فدان، علما بأن إنتاجية الفدان حاليا تتراوح بين 18 ــ 20 أردبا، وقررت الحكومة زيادة حافز التوريد إلى 65 جنيها لكل أردب، ومنع المزارعين من بيع الجزء المتبقي من محاصيلهم لمشترين آخرين، أو نقل الحبوب من دون ترخيص من الوزارة. أحد الحوافز التي قدمتها الوزارة للمزارعين يقول عماد الدين حسين، وتمثل إضافة للحافز النقدي، صرف السماد المدعم لموسم الزراعة الصيفي لمن يورد 90% على الأقل من محصول القمح لديه، أما من يخالف القرار الوزاري فهناك عقوبة بالسجن من عام إلى خمسة أعوام، وغرامة تصل لألف جنيه، طبقا للقانون رقم 45 لعام 1945 الخاص بشؤون التموين. بعد هذه الإجراءات فإن البائعين والمشترين والوسطاء سوف يتقاسمون المسؤولية عن أي مخالفات، وكذلك مصادرة أي قمح يتم تداوله بطريقة غير مشروعة. بعض الفلاحين طالب بأن يصل سعر توريد الأردب إلى الألف جنيه، والحكومة تقول إنها زادت السعر بنسبة 8% عما أعلنته قبل الأزمة، وهو يساوى حجم الزيادة بعد الحرب، وأنها سوف تتحمل 35 مليار جنيه فرق سعر، إضافة إلى أكثر من 70 مليار جنيه لدعم رغيف الخبز المدعم. من وجهة نظر الحكومة فإن هناك ظروفا طارئة تتمثل في الحرب الأوكرانية، وبالتالي وجب اتخاذ كل الإجراءات لضمان توفير السلعة الاستراتيجية الأهم في مصر. وللموضوعية فهناك وجهة نظر لا يمكن دحضها في هذا الصدد. فالعديد من الدول الرأسمالية الكبرى لجأت إلى إجراءات استثنائية في أوقات الأزمات.

ضبط الأسواق

أثبتت الأيام الماضية والكلام لمحمد الشماع في “الأخبار”، أن الدولة لا تزال قوية ولا تزال قادرة على ضبط السوق المصري الذي فرط أمره في السنوات الماضية، توحش فيها التجار والمستوردون ومصوا دماء الشعب المصري، وفي الهبة التي قامت بها الحكومة لضبط الأسعار ومراقبة الجودة والأسواق، عاد إلى السوق بعض التوازن، وأثبتت أن أسباب الغلاء يعود معظمها إلى جشع التجار، وضعف الرقابة على الأسواق طوال العقود الماضية. سمحت الدولة للسوق المصري أن يفعل قانون العرض والطلب وقد آن الأوان أن يراجع هذا القانون، لأن التجار قد مارسوه دون نزاهة، يكنزون البضاعة فتشح في الأسواق وترتفع الأسعار، ثم يعيدون طرحها بالسعر المرتفع وقد تشكل في السوق أباطرة، على سبيل المثال أباطرة اللحوم المستوردة، أباطرة السماد الذي يستخدمه المزارعون، أباطرة مواد البناء التي تضاعفت أسعارها. ولعل نجاح الحكومة في هذه الأيام يعطينا الحق في أن نطالبها بمزيد من التدخل ومزيد من الرقابة على السوق المحلي، فلماذا لا يعاد تفعيل تحديد نسبة ربح المستورد بـ 25% كما كانت في بداية الانفتاح، أليست هذه نسبة مربحة، ولماذا نترك التاجر والمستورد يكسبان 100%؟ أليس ذلك إعادة إنتاج للفقر والإفقار؟! طالب الكاتب الحكومة أن تستثمر هذه الخطوات الإيجابية التي اتخذتها بأن تضيف إليها مزيدا من الحسم، ليأخذ التجار نسبة ربح عالية، ولكن تكون محددة، إذ ليس من المنطقي أن يترك المواطنون فريسة لزمرة من المستوردين وبعض التجار، الذين يتفننون في العبث بالأسعار، وعلى الحكومة أن تكون حاسمة في هذا المبدأ لأن من يحقق هذه الأرباح الخيالية دون جهد ملموس تتحول الثروة في يديه إلى وسيلة للاستبداد والإفساد، ولا عجب في أن نسمع عن الأفراح التي تتكلف ملايين الجنيهات، ولا عجب أن يصعد إلى مسرح الحياة الفنية مغنون توافه يرددون سواقط الألفاظ ويرتدون العجيب من الثياب.

فلنستعد للأسوأ

مصر بالتأكيد كما يرى وجيه أمين عبد العزيز في “المصري اليوم” ليست منفصلة عن العالم، بل إنها حتى الآن تعد من الدول الأكثر تأثرا بما يحدث، فأسعار السلع الأساسية ترتفع بشكل مخيف، وتجار الكوارث يستغلون الظروف لممارسة الاحتكار ومضاعفة معاناة الناس، غير ملتزمين بقوانين أو أخلاق، ومع انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار سوف تزداد الأمور صعوبة! وفي ظل هذه الظروف على الحكومة أن تتخذ إجراءات استثنائية وتفعل قوانين منع الاحتكار وتتشدد حيال كل من يتلاعب بأسعار السلع الأساسية، خصوصا الأغذية، كما يفترض أن تنفذ حملات توعية مدروسة يشارك فيها بشكل أساسي رجال الدين، فهذا بكل أمانة وقت الحديث عن فقه الواقع، بدلا من الدخول في مساجلات لا جدوى منها حول التراث والمسائل المختلف عليها تاريخيا، التي لا تمت لحياة الناس حاليا بأي صلة! كثير من المتلاعبين بالأسعار يسبقون غيرهم إلى المساجد وتبتل لحاهم من دموع التأثر حين التهجد والدعاء، وحين يخرجون يمارسون كل ما لا يرضي الله في البيع والشراء، على رجال الدين أن يناقشوا هذه الممارسات بوعي وحداثة، حتى يساعدوا على الأقل في إيقاظ الضمير النائم لدى هذه الفئة من التجار الجشعين. ومع دخول شهر رمضان المبارك، يجب أن نغير نمط حياتنا كليا، فنحن من أغرب الشعوب في التعامل مع عبادة فرضت علينا لتهذيب أنفسنا، وتعويدنا على تحمل الجوع والعطش، وفرض نوع من المساواة المعيشية بين الغني والفقير، إذ أن معظمنا لا يقبل إلا بالموائد العامرة بأطيب الأصناف من الطعام، وهناك تقارير بالجملة تتحدث عن إهدار أطعمة بمئات الملايين في شهر رمضان، للإصرار على استهلاك أكثر من حاجتنا اليومية، والتعامل ببذخ غير مبرر مع مواردنا الأساسية!

أين الطريق؟

سعت أمينة خيري في “المصري اليوم” للبحث عن حل للورطة التي علقنا بها: أما وقد جرى ما جرى، وارتفع الدولار وانخفض الجنيه والأسعار إلى زيادة بعدها زيادة، تعقبها زيادة، فماذا نحن فاعلون؟ هل سنمضي الوقت كله في ابتكار الـ«ميمز» الساخرة وتبادل النكات الضاحكة والتوقع بمستقبل هباب على البلاد والعباد؟ أم نفش غلنا بعض الوقت في التنكيت والتبكيت، ثم نمضي قدما في جهود الإنقاذ والإنفاذ؟ أعلم تماما أن كمية ونوعية الهبد الدائر تاريخيتان. لكن إضافة قليل من الهبد من جانبي لن تضر، حتى إن لم تنفع. ماذا لو: اتجهنا صوب المشروعات المنتجة للسلع والمنتجات، لا تلك المنتجة للعيال؟ بمعنى لماذا لا ندق على وتر المصانع والورش، بينما الأزمة ساخنة ومهيأة لإحداث تغيرات جذرية جراحية. كفانا مشروعات تنظيف خضار وتقطيعه، وتعبئة كراتين رمضان بمكرونة وصلصة وأرز وزيت وتوزيعها، وبين المتلقين كثيرون ممن يعيدون بيعها، وجمع تبرعات للغارمات الماضيات قدما في تجهيز البنات وتزويجهن لتأهيلهن، ليكن غارمات المستقبل القريب بدورهن، وتنظيم دورات تنمية بشرية حول كيف تكسبين محبة زوجك، وكيف تتفادى عصبية زوجتك، وعمل فرشة في الشارع لبيع المنتجات البلاستيكية الرديئة والدباديب الفرو المزرية، وعمل فيديوهات، كيف تسبك المسقعة وتتقن عمل المفتأة. لماذا لا يتم توجيه هذه القوى الإبداعية والعضلية والفكرية الهادرة صوب إنتاج منتجات وسلع بحق وحقيقي؟ كثافة الإنتاج والانشغال بالعمل لساعات طويلة وشعور الشخص بأنه قادر على إنتاج ما ينفع، ربما يدفع بالاقتصاد للأمام، ويرفع قليلا من مستويات المعيشة، ويصرف الانتباه عن جنون ضخ العيال. وماذا لو خاطبت الحكومة التجار المنتمين إلى «منظومة المتدينين بالفطرة» من محترفي تحين اللحظة الفارقة للقفز بالأسعار واستغلال حاجة المواطنين، وهم بالمناسبة كثيرون، وسأمتنع عن قول إنهم أكثرية بطرق مختلفة، ليس من بينها «المناشدة» و«المحايلة»، ومنذ وعيت على الدنيا وأنا أسمع وأقرأ وأشاهد أحاديث عن «ضرورة ضبط الأسعار». صحيح أنها مشكلة عالمية، لكن لماذا لا نتوقف عن الطريقين المزمنين اللذين لا نحيد عنهما منذ عقود، ألا وهما: محاولة اختراع العجلة التي قتلها الأولون بحثا، ومناشدة التجار عدم رفع الأسعار.

لهذا اجتمعوا

لماذا اجتمع السيسي مع حاكم ابوظبي ورئيس الوزراء الإسرائيلي؟ الدكتور سامح عباس لديه وجهة نظر طرحها في “البوابة”: في ظل استخلاص الدروس المستفادة من الدرس الأوكراني وتخلي الراعي الأمريكي بشكل مريب عن الرئيس فولوديمير زيلينسكي والإيقاع به وبشعبه في المصيدة الروسية، وتقديمه ككبش فداء على محرقة الرئيس بوتين، وهو المسلسل الذي يمكن تكراره مع دول الخليج العربي التي قد تكون قربانا أمريكيا على مائدة نظام الملالي في طهران. من هذا المنطلق جاءت القمة الثلاثية في شرم الشيخ التي ضمت الرئيس عبد الفتاح السيسي مع كل من حاكم أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، لتدشن مرحلة جديدة من الشراكة الجيواستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، تهدف إلى تجنب شعوب المنطقة ويلات الحروب وحمايتها من التهديدات النووية المستقبلية، ومنع دخول المنطقة في غمار سباق التسلح النووي، الذي إذا فتحت أبوابه على مصراعيه، ستعيش على بارود ساخن قابل للاشتعال في أي وقت. وهنا تكمن أهمية بُعد نظر القيادة المصرية في مواجهة التحديات السياسية الإقليمية المستقبلية، كما كان لها بُعد نظر في المواقف الاقتصادية والاجتماعية. فقيادة مصر لقاطرة المسيرة السياسية في الشرق الأوسط، يجعلها تستعيد كثيرا من الزخم السياسي الذي فقدته عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 ويجعلها تفرض رؤيتها تلبية لمصالحها الوطنية والقومية، فما يحدث في منطقة الخليج العربي ليس بعيدا عن القاهرة، وأن أي تهديدات حوثية للمدخل الجنوبي للبحر الأحمر هو تهديد حقيقي ومباشر للقمة خبز المواطن المصري البسيط. لذا يجب استيعاب وفهم الدرس الأوكراني جيدا وقراءة عناصره كافة، لا سيما العنصر الأمريكي، الذي ينسحب رويدا رويدا من منطقة الشرق الأوسط، بدأت بالعراق ثم أفغانستان، مخلفا وراءه تركة ثقيلة من الصراعات كان سببا في اختلاقها؛ لذا فإن الطرح المصري للشراكة الاستراتيجية الإقليمية القائمة على المصلحة الوطنية هي الحل الأمثل لعدم تكرار المسلسل الأوكراني في الشرق الأوسط، حال نجاح إيران في الحصول على السلاح النووي بالمباركة الأمريكية والتأييد الأوروبي.

وعد كيروش

راهن حمدي رزق في “المصري اليوم” على البرتغالي كارلوس كيروش، المدير الفني للمنتخب الوطني المصري، الذي خاطب لاعبيه قائلا: «علينا أن نحقق الإنجاز في الوقت المناسب، بروعة وبشجاعة، وجعل كل الأمور ممكنة.. نعتمد عليكم ونثق بكم، حظا جيدا يا رفاق». وعد الحر دين عليه، والمدير الفني البرتغالي للمنتخب الوطني وعد بالإنجاز، وبروعة وبشجاعة، هكذا تكون الروح الانتصارية، يقول: «لا مجال للأسف أو الانتظار للغد، مع الشجاعة وعمل الفريق الذكي والفخر، يمكننا الطيران، ولا شيء سيكون مستحيلا». أحسنت يا رفيق، لا أعرف من أين استقى كيروش حديث الرفاق، يبدو أن مترجمه معجمه روسي، لا ضير مطلقا، المهم الروح القتالية، يا رفاق اليوم يومكم، تدهسون العشب الأخضر من تحت أرجلكم، وتسجلون أحلامكم أهدافا في مرمى «أسود التيرانجا». لماذا نمسك بالوعد ونعض عليه بالنواجذ، ونقف خلفكم، وفي ظهوركم، لأننا عطشى لفرحة كبيرة في هذه الأجواء القاتمة، غابت عنا الفرحة طويلا، وإذا تحققت ستكون أجمل فرحة. السعد وعد يا عين، وبالسوابق القريبة تعرفون، إنجازكم في كأس الأمم الافريقية، والصمود أمام أعتى المنتخبات، وإقصاؤها واحدا تلو الآخر، ولولا الإخفاق الأخير في ضربات الحظ الترجيحية، لكنا أسياد القارة السمراء كرويا، ولكان صلاح «أبو مكة» يحمل كأسه الذي بكى مريرا بعد ضياعها. نعم كسبت السنغال جولة وخلفت حزنا وقلقا من قوة «الأسود» واحترافيتها، لكن هناك جولة تتجدد (الجمعة) وملحقها (الثلاثاء) في العاصمة السنغالية «داكار» والفوز يبدأ من استاد القاهرة، استاد الرعب الجماهيري، ستون ألفا ويزيد في الملعب، والملايين في البيوت، والكبير محمد صلاح يحمل شارة القيادة، وفي الملعب رجال سمر شداد. الوعد دين في رقبة كيروش وصلاح ورفاقه، لا نملك رفاهية الخسارة، الجماهير متعطشة لفوز وقبله أداء هجومي مقنع ممتع، فات وقت التمثيل المشرف، والتجارب، واكتشاف الوجوه، واكتساب الخبرات، اللحظة الانتصارية حانت، وروح الفانلة الحمراء، فانلة بألوان علم مصر تشعل الغيرة والحماسة، والرغبة العارمة في الفوز.

فرصة لو استثمرتها

تمرُ الصين بلحظةٍ وصفها الدكتور وحيد عبدالمجيد في “الأهرام” بأنها الأدقُ منذ أن بدأت في بناء قوتها الشاملة في أواخر السبعينيات. عليها أن تختار بين مواصلة الطريق التي بدأتها، وحققت تقدما كبيرا فيها، أو بدء طريقٍ جديدةٍ لا يُعرف إلى أين ستقودُها. المعطياتُ والمؤشراتُ الحالية تفيدُ أن الخيار الأول هو الأرجح، وأن أغلبية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تدعمُ موقف عدم الانحياز في حرب أوكرانيا، رغم وجود تعاطفٍ مع روسيا في بعض الأوساط. ويُتيحُ هذا الخيارُ فرصة يمكنُ أن تكون عظيمة إذا أمسك بها القادة الصينيون الذين يفضلون عادة سياسة التروي وعدم التعجل. وفي هذه السياسةِ من الحكمة ما فيها، ولكنها قد تُضيع هذه المرة فرصة عظيمة، ولا تدخلُ في نطاق التعجل الذي قد يقودُ إلى ندم. فإذا نظروا حولهم جيدا، سيجدون دورا هائما على وجهه في سماء الكوكب وأجوائه يبحثُ عمن يؤديه. دورُ تشتدُ الحاجةُ إليه لإنقاذ العالم، وليس روسيا وأوكرانيا فقط، من ويلات حربٍ ستطول، وستزدادُ الخسائرُ المترتبةُ عليها في أنحاء العالم. دور جديد بالنسبة إلى الصين، التي لم تُظهر من قبل قوتها وقدراتها السياسية على هذا المستوى، بعكس إمكاناتها الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفُها العالمُ جيدا. دورُ يمكن أن يرفعَ الصين إلى أعلى ذروةٍ على صعيد تقدير العالم واحترامه، باستثناء من لهم مصلحه في استمرار الحرب. تتميزُ الصين بما لا يتوافرُ لغيرها إذا عزمت على استثمار الفرصة، وتدخلت من أجل وقف الحرب والتوصل إلى اتفاقٍ سياسي، علاقاتُها القويةُ حتى الآن مع روسيا تجعلُ كلمتها مسموعة لدى الكرملين الذي لن يغامر في هذه الحالة بإغضاب الدولة الكبرى الوحيدة التي راهن على أنها لن تتخلى عنه، الأمر الذي يُعززُ موقفها حين تطلبُ وقف الحرب، وتضغطُ من أجل اتفاق واقعىٍ يضمنُ حياد أوكرانيا مقابل ضماناتٍ أمنية، ووضعا خاصا يتضمنُ استقلالا ذاتيا كاملا لمنطقتي دونيتسك ولوغانسيك. وفى هذه الحالة، سترتفعُ أسهمُ الصين، في مقابل مزيدٍ من انخفاض الأسهم الأمريكية، في بورصة النظام العالمي وستختصرُ الطريق التي تسلكُها منذ سنواتٍ نحو موقعٍ مُستحقٍ في قمة هذا النظام.
هدف بعيد

نبقى مع الحرب وتداعياتها بصحبة أكرم القصاص في “اليوم السابع”: اللافت للنظر أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكى يقول أن أوروبا لا تريد انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، لأنهم خائفون من روسيا، قبلها قال زيلينسكي في بداية الحرب أن الأوروبيين تخلوا عنه، ثم يقول إنه يقبل التفاوض المباشر ويطلب الجلوس مع بوتين، زيلينسكى يعرف مطالب روسيا، ويعاتب أمريكا والغرب أنهم تخلوا عنه، بعد أن شجعوه على فكرة الانضمام إلى حلف الناتو، ثم انصرفوا عنه. ومثل روسيا فإن الولايات المتحدة تتحدث عن ضرورة إنهاء الحرب، ومع هذا ترسل سلاحا إلى أوكرانيا سرا وعلنا، وحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» فإن البنتاغون أرسل إلى أوكرانيا أنظمة دفاعية سوفييتية، تشمل «SA-8»، يبلغ عمرها عشرات السنوات، وحصلت الولايات المتحدة على هذه الأسلحة الدفاعية بشكل سرى «حتى تتمكن المخابرات الأمريكية من فحص التكنولوجيا التي كان الجيش الروسي يستخدمها آنذاك»، كما ترسل الولايات المتحدة المتطوعين والمرتزقة، ويواصل الرئيس الأمريكي جو بايدن، اتهاماته وهجومه على الرئيس الروسي، حتى وصلت إلى أن يصفه بأنه مجرم حرب، بينما روسيا تنتقد بايدن وتتحدث عن وقف الحرب حال تمت الاستجابة لمطالبها أو شروطها، التي تتعلق بالأمن القومي، وأن هذا التحرك لا يرتبط ببوتين، لكن بأي شخص في الكرملين، باعتبار الحرب ليست خيارا، وتحشد روسيا جنودا لمواصلة حصار العاصمة الأوكرانية كييف، وتدمير البنية التحتية.

تهديدات رقمية

واصل أكرم القصاص مطالعته للموقف الناجم عن تداعيات الحرب: الولايات المتحدة تتهم روسيا بالتفكير في استخدام سلاح محرم أو دمار شامل، وفي المقابل فإن روسيا تتهم أمريكا ببناء مراكز للحرب البيولوجية، وتلمح بأن هناك من يقف وراء إطلاق الفيروسات.. وفى المقابل فإن واشنطن ترد باتهام موسكو بتدبير موضوع الحرب البيولوجية تمهيدا لاستعمال السلاح، وتجدد الولايات المتحدة اتهاماتها لروسيا بالتخطيط لشن حرب سيبرانية، وقالت مسؤولة في البيت الأبيض في مجال الأمن السيبراني، أن الشركات الأمريكية التي تقدم بنية تحتية حيوية ينبغي لها أن تحسن دفاعاتها للأمن الإلكتروني بسبب تهديدات رقمية مستمرة من روسيا، ونشر البيت الأبيض بيانا من الرئيس بايدن حذر فيه من أن موسكو ربما تشن هجمات إلكترونية بسبب «التكاليف الاقتصادية لم يسبق لها مثيل التي فرضناها على روسيا»، وتجدد هذه اتهامات سابقة بالتدخل في الانتخابات الأسبق، والسابقة. الشاهد أن كل الأطراف تتحدث عن ضرورة وقف الحرب، بينما تتصرف عكس هذا، بما يشعل الحرب، وتقف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية عاجزة، لدرجة أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، دعا إلى وقف المأساة في أوكرانيا وإعطاء فرصة للدبلوماسية والحوار، وقال: «مهما كانت النتيجة، لن يكون لهذه الحرب رابحون، بل خاسرون فقط»، واضطر لنشر تغريدة قال فيها، إن الحرب في أوكرانيا هي هجوم على أضعف الأشخاص والدول في العالم، وأضاف غوتيريش، عبر حسابه الشخصي على تويتر: «ارتفعت أسعار المواد الغذائية والوقود والأسمدة بشكل كبير تضرر منه أشد الناس فقرا، وزرع ذلك بذور عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات في جميع أنحاء العالم».

لولا اختلاف الأذواق

قضية جديرة بالنقاش طرحها منتصر جابر في “الوفد”: لم يذكر الدستور المصري أن الغناء الرسمي للدولة هو غناء هاني شاكر، وأنغام، ومدحت صالح.. ولم يحدد الدستور أن غناء أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم هو المصدر الأساسي للغناء المصري.. وأي غناء آخر هو غير شرعي أو غير وطني، وخروج على الدستور والقانون والنظام العام ويستوجب المنع واللعنة والمحاكمة! فلماذا الناس في مصر، سواء كانوا مسؤولين أو فنانين أو حتى نقادا، للأسف، لا يستوعبون مسألة التنوع والتعدد والاختلاف في الفن.. ووصلوا إلى مرحلة رفض كل ما هو جديد، ولا أعرف حقيقة السبب وراء التمسك في ما يسمى بالثوابت في كل شيء مع أن الحياة بصفة عامة متغيرة.. ولا شيء فيها ثابت، ولا شيء على حاله، والانسان نفسه يتغير شكلا وتفكيرا وسلوكا.. ومع ذلك يقبلون أن يظلوا ثابتين على نوع واحد من الغناء وهم أنفسهم يتغيرون كل يوم؟ ومنذ سنوات، أجريت حوارا مع الروائي والناقد الراحل إدوارد الخراط، منشور في «الوفد» حول أدب النوبة، وكان العديد من الأدباء بمن فيهم النوبيون يرفضون تسميته بالنوبي، وإنه أدب مصري حتى لا نقول أدبا صعيديا أو بحراويا أو سيناويا.. ولكن الخراط الوحيد الذي لم يمانع وقال إنه نوع من التنوع في إطار الوحدة.. وروى لي أنه تم اختطافه في أحد الأيام وكاد يقتل بسبب رفض الذهنية العربية للتنوع في الآراء والاختلاف السياسي وقبول الآخر.. عندما قامت مجموعة من أفراد جماعة أبو نضال التابعة للنظام العراقي في عام 78 باختطاف طائرة في مطار قبرص بعد اغتيالهم وزير الثقافة المصري يوسف السباعي لسفره مع الرئيس السادات إلى إسرائيل، وكان على متنها 11 شخصا من رهائن مصريين وعرب من ضمنهم الخراط الذين كان يحضر مؤتمر التضامن الأفروآسيوي! ولو أمكنني أن أصرخ للخراط من الأرض ويسمعنى لقلت له ما زلنا يا اديبنا الكبير نرفض الاختلاف والتنوع حتى في الغناء وليس في السياسة فقط!
ش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية