ولع حكومي بالتلفزيون… وروسيات يلقنّ العرب أبلغ درس!

المثقف المؤمن بالقيم الإنسانية النبيلة لا يمكن إلا أن يكون ضد الحرب. حالة واحدة فقط تكون فيها مقبولة ومستساغة، بل وضرورية، هي المقاومة دفاعا عن الوطن. غير ذلك، وحشية وغطرسة وأنانية واعتداء على الوجود الإنساني.
كما لا يمكن أن نقبل العنف الفردي أو الجماعي، لا يمكن أن نقبل العنف الذي يتم باسم دول وحكومات وتحت مبررات صراعات إيديولوجية، خاضعة لموازين القوى وليس لمنطق العقل والتحضر.
فلا عجب إذن، إن وجدنا مثقفين وفنانين روسيين يعارضون الحرب التي تشنها بلادهم ضد أوكرانيا. ومن طرائف ذلك، الموقف الشجاع الذي اتخذته صحافية تعمل في قناة روسية حكومية، إذ اقتحمت استوديو للأخبار، ووقفت خلف زميلتها التي تقدم النشرة المباشرة، ورفعت لوحة تتضمن دعوة لإيقاف الحرب والكفّ عن ترديد الأكاذيب عبر التلفزيون.
في الاتجاه نفسه، اضطرت راقصة الباليه الأولى في روسيا، نجمة مسرح “البولشوي”، أولجا سميرنوفا، إلى اعتزال الفن احتجاجًا على قرار الحرب. وقبلهما، أعلنت مديرة مسرح “مايرهولد” في موسكو، واسمها إلينا كوفالسكايا، استقالتها من منصبها احتجاجا على اللجوء إلى السلاح في العدوان على أوكرانيا.
ثلاثة مواقف جريئة، ارتبطت بثلاث نساء، للمصادفة العجيبة. وأكيد أن أمثالهن كثيرون في بلاد الدب الروسي. لكن، قلما نجد سلوكا مشابها في بلداننا العربية، حينما يعلن بلد ما عدوانه على بلد جار، أو يقوم نظام سياسي حاكم بالقمع والتنكيل بالمواطنين الذين يختلفون معه، فيودعهم في السجون، ويعرضهم للتعذيب والقتل البطيء.
ومن هنا، يفضل الكثير من الفنانين والفنانات مجاراة أنظمتهم القمعية، خوفا وطمعا؛ ويعقد الحاكم الديكتاتور تحالفا معهم من أجل الدعاية له، وترسيخ منهجه المتمثل في الجمع بين الإلهاء وممارسة الاستبداد في مختلف أجهزة الدولة.

إعلام «البروباغندا» على مقاس السيسي!

قرأت منذ ثلاثة أيام تقريرا لمكتب “القدس العربي” في القاهرة، حول القيود الجديدة التي فرضها “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” المصري، وتساءلت في نفسي: هل يمكن لفناني أرض الكنانة ونقاباتهم أن يقبلوا تلك الشروط التي تعدّ من جهة إجهازا فظيعا على حرية الإبداع، وتمثل من جهة أخرى تراجعا عن العديد من الإنجازات التي حققتها الدراما المصرية على مدى عقود؟
البيان فصّل القول في الضوابط “الأخلاقية” التي يتعين على منتجي المسلسلات والأفلام الالتزام بها، كالابتعاد عن السباب، والتقليل من مشاهد الجريمة والعنف، وتجنب إظهار أبطال يتعاطون التدخين والمخدرات… حتى كأن قارئ البيان يخيل إليه أن “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” في مصر يطالب المبدعين بأن يتحدثوا عن مدينة فاضلة توجد في خيال القائمين عليه هم لا غير، وأن يغضّوا الطرف عن الجوانب السلبية الموجودة في المجتمع، التي طالما كشفت عنه روايات وأفلام ومسلسلات مصرية ناجحة.
وفي آخر التقرير، يتبين الهدف المركزي الذي يتوخّاه المسؤولون عن إعلام السيسي، حينما يطالبون منتجي الدراما بتقديم فن يمارس “البروباغاندا” (أو الدعاية) من خلال دعوتهم إلى “إفساح المجال لمعالجة الموضوعات المرتبطة بالدور المجيد والشجاع الذي يقوم به أفراد المؤسسة العسكرية ورجال الشرطة في الدفاع عن الوطن” .
حينما يبسط العسكر أيديهم على الفن، فإنهم يصادرون أهم عنصر في الإبداع: الحرية، وإذّاك تُكبّل العقول، ويُعتقل الخيال، ويصير الفنانون ببغاوات رهائن الديكتاتور!

وزراء التلفزيون والتدشينات!

بعض الحكومات العربية، ومنها حكومتنا الموقرة، تفهم التواصل المؤسساتي على طريقتها الخاصة، إذ تختزله في الحضور بالتلفزيون فقط، حتى ولو تعلق الأمر بنشاط وزاري بسيط جدا، يندرج ضمن العمل الإداري اليومي.
ومن ثم، صار مشهدا مألوفا أن يترك وزير ما مكتبه المخصص لتدبير السياسة العمومية في القطاع الذي يشرف عليه، ويشدّ الرحال للتجول في مختلف المدن، رفقة بطانته الكبيرة، مع ما يستلزم ذلك من إمكانيات مالية وبشرية ضخمة، بهدف إنجاز عمل بسيط جدا، يمكن أن يقوم به أي مسؤول محلي تابع للوزارة في إقليم من الأقاليم.
لكن ما يهم الوزراء من وراء هذه الجولات البروتوكولوية ذات المظهر السياحي والاستعراضي، هو حضور كاميرات التلفزيون التي تنقل للمواطنين وجه معاليهم وتصريحاتهم المليئة بلغة الخشب.
ومن ثم، صرنا نواجه في نشرات الأخبار بمشاهد تبعث على السخرية:
ـ وزير يشرف على تدشين مجمع ثقافي…
ـ وآخر يزور مركزا صحيا…
ـ ووزيرة تقص شريطا لنادٍ نسوي…
ـ ورئيس حكومة يعطي الانطلاقة لزراعة نوع جديد من الصبّار…
والواقع أنه لو قضى الوزراء مدة ولايتهم كاملة “يشرفون” و”يزورون” و”يقصّون” لما كفاهم هذا الزمان لتغطية أقاليم المغرب مترامية الأطراف.
يُفهم من ذلك، أن الحكومة تهتم بالشكليات فحسب، ولا يهمها جوهر الأمور؛ ولا تدري أن الإصرار على حضور كاميرات التلفزيون في كل شاذة وفاذة، مهما صغر أمرها، يجعل المواطن ينفّر من رؤية الوزراء ومن تصريحاتهم وتنقلاتهم في ربوع البلاد.
كل الوزارات لها مندوبوها وممثلوها في أقاليم البلاد. ودور هؤلاء هو مباشرة مهامهم في نطاق الدوائر الترابية التابعة لهم، فلا معنى بالتالي لأن يلغي الوزير وجود نائبه في الإقليم، ويصير مهيمنا عليه. ولا جدوى أيضا، من أسطوانة “اللامركزية” و”الجهوية” التي يملأ المسؤولون بها آذاننا في مختلف المنابر والمناسبات.

قوالب تقتل التمثيل!

من داخل كواليس تصوير الأعمال الدرامية التي ستقدم خلال رمضان المقبل في التلفزيون المغربي، ترشح من حين لآخر أخبار عن بعض تفاصيل وجزئيات مسلسلات وأفلام تلفزيونية معينة.
وثمة ملاحظة تشترك فيها الكثير من تلك الأعمال، تتجلى في حصر ممثلين معروفين في أدوار معينة: فهذه تجسد دائما دور خادمة، وذاك يظهر كرجل أمن، وثالث كشيخ قبيلة، ورابع كبدوي، وخامس كشخصية شريرة ذات أزمات نفسية، وممثلة تبدو دائما في مظهر السيدة الثرية… وهلم جرا.
من الخطأ اختزال ممثلين وممثلات في قوالب و”كليشيهات” قارة، إذ قد تؤدي المسألة إلى حصر إمكانياتهم التشخيصية وتطوير لعبهم الإبداعي، في حين أن تنويع الأدوار يجعل الممثل في حالة تجديد وإبهار للمتفرج.
صحيح أن الأمر قد يكون مرتبطا برغبات المخرج أو المنتج، أو يتصل بمسايرة نظرة الجمهور، ولكن الممثل الحق لا يستنسخ ذاته في كل الأعمال، بل يسعى دائما إلى أن يتجاوز نفسه، ويظهر للناس بالجديد والمدهش وغير المتوقع. أما القوالب الجاهزة فهي “تقتل” الممثل رمزيا!

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية