الخرطوم – «القدس العربي»: قتل متظاهر وأصيب العشرات خلال قمع الأجهزة الأمنية لتظاهرات رافضة للانقلاب العسكري، أمس الخميس، في عدد من المدن السودانية. وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية، مقتل المتظاهر محمد عبد اللطيف (28 عاماً) إثر إصابته بسلاح ناري من مسافة قريبة، في الصدر والبطن والعنق، أمس الخميس، في مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وسط السودان. ووصل عدد الضحايا في التظاهرات منذ انقلاب العسكريين في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 90 قتيلاً، بينهم 14 طفلاً، وأكثر من 4000 مصاب.
ونددت لجنة أطباء السودان المركزية، في بيان، أمس، باستخدام الأجهزة الأمنية للعنف المميت في مواجهة المتظاهرين السلميين، مؤكدة أن سلمية الشارع السوداني أثبتت أنها أقوى من الرصاص والترسانة الأمنية. وعلى بعد كيلومترات قليلة من القصر الرئاسي وسط الخرطوم، هتف المتظاهرون: “تسقط ثالث، وتسقط عاشر. ما دايرين في السلطة عساكر”، بينما يصدون عبوات الغاز المسيل للدموع بدروع صنعوها ببقايا الأخشاب والبراميل البلاستيكية.
“شبان، لم تتجاوز أعمارهم العشرين، كانوا في مقدمة تظاهرات” أمس الخميس، يواجهون الطوق الأمني المضروب في محيط القصر الرئاسي، ومصفحات الماء الراكد وأدوات القمع الأخرى، عراة الصدور، يربطون العلم السوداني على خصورهم، ويضعون خوذات لعلها تحميهم من وابل عبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص الذي أصاب العديد منهم.
ويقول مروان خالد لـ”القدس العربي”: “يسمون أنفسهم، غاضبون بلا حدود وملوك الاشتباك، ترتكز مهمتهم الأساسية على كسر الطوق الأمني وإرهاق وتشتيت المجموعات العسكرية، التي تواجه المواكب (التظاهرات) حتى يتسنى لمن هم خلفهم التقدم إلى الأمام”. ويضيف مروان الذي اعتاد تقدم التظاهرات: “أصيب العشرات من رفاقنا، واستشهد عدد منهم، وقد نلحق بهم في أي لحظة، ولكننا لن نتراجع حتى إسقاط السلطة العسكرية وبناء الدولة التي نحلم بها، هذا هو عهدنا مع الشهداء ونعلم أننا قادرون على الوفاء به”. وتابع خالد:” يعلم هؤلاء الشبان أن الخوذات والكمامات والدروع البلاستيكية لن تقدم لهم الحماية المطلوبة، لكنهم غير مهتمين بذلك”.
سامي صلاح الدين، ناشط سياسي، شارك في التظاهرات أمام القصر الرئاسي، قال لـ”القدس العربي”: “موكب اليوم (أمس)، من أضخم المواكب منذ الانقلاب، وشهد شجاعة وبسالة لا متناهية وإصابات ضخمة بالرصاص والأدوات القمعية الأخرى، خاصة قرب السكك الحديدية وشارع القصر.
وهو يخرج في التظاهرات، مطالباً بحكومة مدنية كاملة، ويؤمن أن الضغط المتواصل على الجيش والمليشيات الأمنية المتحالفة معه قادر على إسقاط الانقلاب العسكري وتحقيق مطالب الثورة، ويرى أن الجيش ظل يعطل التحول الديمقراطي في السودان منذ الاستقلال في العام 1956، بأجندة مختلفة لكل انقلاب.
وأضاف: “اكتفينا من حكم العسكر، لم يعد في إمكان الجيش حكم السودان مرة أخرى، لن تستطيع بلادنا التقدم إلى الأمام حتى نقوم بإخراج الجيش بشكل كامل من العملية السياسية”، مشدداً على ضرورة حل المؤسسة العسكرية، التي يعتبرها غير صالحة للقيام بالدور المنوط بها. وتابع: “يجب إنهاء هذه المعادلة المختلة، مؤكداً أن القادة العسكريين الحاليين موالون لتنظيم الإخوان المسلمين، وليس من مصلحتهم إنهاء السيطرة الاقتصادية والسياسية للجيش، لذلك قاموا بتنفيذ الانقلاب العسكري وتجميد عمل لجنة إزالة التمكين التي هددت مصالحهم وظلت طوال الفترة الانتقالية تقوم بتفكيك نظام الإسلاميين والفساد المالي في البلاد”.
وأعلنت تنسيقيات لجان المقاومة في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، أمس الخميس، تظاهرات مليونية “الردة مستحيلة”، مؤكدة استمرار المقاومة السلمية وصولاً لإسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة للمدنيين.
وقالت تنسيقيات لجان مقاومة كرري، إن قوات الاحتياطي المركزي التابعة للشرطة قمعت التظاهرات القريبة من مباني البرلمان السوداني بأم درمان، أمس باستخدام بنادق الخرطوش والغاز المسيل للدموع بكثافة. والأحد، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قوات الاحتياطي المركزي، وفق قانون ماغنيتسكي العالمي، متهمة إياها بـالانتهاك الخطير لحقوق الإنسان واستخدام القوة القاتلة خلال قمع التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري، والمطالبة بالحكم الديمقراطي المدني في السودان. بينما أقرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، أمس، مشروع قرار يدين الانقلاب العسكري ويحث الإدارة الأمريكية على فرض عقوبات فردية على قادة الانقلاب والداعمين لهم.
وبعد مرور خمسة أشهر على الانقلاب العسكري، مازالت التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري تتصاعد، بينما تستمر الإضرابات المطلبية في عدد من القطاعات المهنية، أبرزها المعلمون وعمال السكك الحديدية.
وتنشط اللجان القاعدية في الأحياء والمدن المختلفة، والتي ترى أن السلطة هي سلطة الشعب وأنها الحاكم الحقيقي، في وقت تنخرط لجان المقاومة في أنحاء البلاد المختلفة في مناقشة عدد من المواثيق السياسية التي وضعتها، وصولاً لميثاق سياسي مشترك، تسعى لأن يكون الأساس للبناء المدني الديمقراطي في السودان.
وعلى خلفية الإضراب الشامل للمعلمين، أعفت السلطات العشرات من مديري الإدارات التعليمية، وقالت لجنة المعلمين السودانيين إنها لم تتفاجأ بهذه الخطوة من المدير العام للتعليم بولاية الخرطوم المحسوب على النظام السابق.
وأضافت: “المفاجأة كانت في تأخر هذه الخطوة المتوقعة منذ الانقلاب”. وتابعت: “إدارة التعليم تبرر الإعفاء بمخالفة العمل بالمرسوم الذي يبعد العمل السياسي عن التعليم، بينما تقوم هي نفسها بتسييس التعليم”.
وأكدت لجنة المعلمين أن الإعفاء تم لجهة انحياز مديري الإدارات إلى زملائهم المعلمين وهم يخوضون إضرابهم من أجل هيكل راتبي عادل، لافتة إلى أن هذه الإجراءات القصد منها كسر شوكة المعلمين وإجبارهم على التخلي عن الإضراب. وشددت على استمرار الإضراب، مؤكدة أن كسر عزيمة المعلمين عصي ومستحيل، مهما حدث.
وأضافت: “إدارة التعليم تقرأ من نفس كتاب النظام السابق، الذي حاول مراراً وتكراراً كسر شوكة المعلمين ولم ينجح”. وتابعت: “عجز النظام المعزول عن ذلك حتى سقوطه، وها هو سقوط الانقلاب الراهن يلوح في الأفق، فقد أصبح يتكئ على منسأة متآكلة”.
وقالت لجنة المعلمين: “كان وجود زملائنا بالإدارات سابقاً تكليفاً وليس تشريفاً منذ تكوين حكومة الثورة، والآن يعودون إلى الصفوف الأمامية وخط المواجهة في منافحة (الانقلاب) وتعريته والدفاع عن حقوق المعلمين حيثما كانوا، والمضي في صناعة الواقع الذي نريد وبناء الوطن الذي نحلم فيه بالحرية والسلام والعدالة”. وقالت تنسيقيات لجان مقاومة الخرطوم، في بيان مشترك، إن مليونية، الخميس، التي جاءت تحت شعار “الردة مستحيلة”، خطوة جديدة في طريق إسقاط الانقلاب.
وأكدت لجان المقاومة نجاح إغلاق مدن العاصمة السودانية الثلاث -الخرطوم، الخرطوم بحري وأم درمان- بالمتاريس الذي استمر ليومين، مشيرة إلى أنها من وسائل المقاومة السلمية المعروفة.
ولفتت إلى ضرورة مواصلة التصعيد الرافض للانقلاب العسكري من أجل بناء حياة كريمة للشعب السوداني، وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة في ظل دولة الحرية والديمقراطية، حيث يقرر الشعب من يحكمه، وتعمل المؤسسات وفق الدستور، ويحمي الجيش البلاد، والشرطة تضطلع بدورها في حماية القانون.
وشهدت العاصمة السودانية، يومي الثلاثاء والأربعاء، إغلاقاً لعدد كبير من الشوارع الرئيسية والطرق الفرعية والأحياء، حيث قام المحتجون بوضع المتاريس (الحواجز)، في مدن الخرطوم وأم درمان وبحري، وسط حركة محدودة للمواطنين والمركبات.
وتواصل الإغلاق حتى الموعد المحدد له، مساء الأربعاء، رغم قمع الأجهزة الأمنية المتواصل للمحتجين ومحاولاتها فك المتاريس، بينما ظل المحتجون يعيدون بناءها في كل مرة.