قراءة تفاعلات الأزمة السودانية وفق مخطط الديكتاتورية السودانية تؤكد راهنا حقيقة لا مراء فيها، وهي انسداد المسار السياسي، بل انغلاقه تماما، لعقل سياسي ظل يعيش ويعتاش على بنية الفشل والتفريط وانعدام قيمة الأمانة الأخلاقية في استلامها وتدبيرها لشؤون البشر السوداني، جاء هذا المسار في شكل آلية لحوار مزعوم وافتراضي يدعو له الرئيس وأجهزته لغاية تنصيبه «ملكا»، أو في روايات أخرى إمبراطورا سودانيا بامتياز، أو عبر آلية مفاوضات بدأت مسارها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وفيها الدولة لا تعترف بشيء، ووفودها لا تحمل أي تفويض من الرئيس السوداني الذي يتحكم في العديد من خيوط اللعبة السودانية في الداخل والخارج، والمؤسف كما رشح لنا من خلال وجودنا في أديس أبابا، على هامش انعقاد قمة الاتحاد الأفريقي في مهمة أخرا، أن هذا الخارج في شقه الدولي والإقليمي تماهى مع الرئيس السوداني في كذبته أو أكاذيبه المتعددة في حُكم إعدام الوطن ومواطنيه، فيما ثالثة الأثافي ثمة قضايا وطنية سودانية لشعوب يفوق تعدادها الستة إلى السبعة ملايين نسمة، وتعرضت لأسوأ عملية إبادة، باتت اليوم مرهونة بمصير مجهول لقوى إقليمية وأجندات دولية وجدت ضالتها في رئيس مأزوم ظل يحجز أي مقعد متخيل لفك أسره، هذا الأسر قابله بعملية ارتدادية أسر فيها الوطن كما أشرنا.
وللانعتاق من ظاهرة استعمار الديكتاتورية التي يصعب موقعتها في أي نوع من الكولونياليات التي مرت على التاريخ الإنساني، غير القول إنها ظاهرة استعمارية لا تحمل أي قيمة سياسية أو إنسانية، فيها دشن الشعب السوداني وقواه الوطنية الأسبوع الماضي، في تحد لحالتي الانسداد والانغلاق حملة «إرحل»، في استفتاء جماهيري وطني برفض حكمه ومنتخباته التي تلعب وتتبارى على جنَي المغانم، وكذا انتخاباته التي قبيل إجراء عملية تدليسها للإرادة الجماهيرية، هي معلومة النتيجة والحصيلة وتستطيع فيها الجماهــــير السودانيـــة أن تؤدي القسم على نتائجها قبل وقوعها، فقط هي تنتظر أن يطل عليها مهندسو الجوقة واللعبة عبر شاشات التلفزيون لإعلان فوزه بنسبة كذا في المئة، وربما التوصية لبرلمانه لإكمال إجراءات تنصيبه ملكا مطلقا، وأنا والجميع والله له من المخالفين.
في هذا الجانب تسعى الجماهير السودانية إلى أن تتحول حملة رحيل الاستعمار من السودان إلى ثورة جماهيرية، تستعاد فيها الإرادة الوطنية ويحرر فيها الوطن ويتم إعلان استحقاق الاستقلال الثاني من على قبة القصر الجديد، الذي هو «استقلال» بشروطه الحقيقية، عوض «استقلال الاستغلال» أو»استغلال الاستقلال» الأول، الذي بمفاهيمه ومكوناته تمت عرقلة مسيرة نهوض الوطن خلال أكثر من نصف قرن.
ما سبق الإشارة إليه له ارتباط بسؤال المعارضة السودانية، وهو سؤال الماضي والراهن، بل هو الاستفهام المستمر للسواد الأعظم من السودانيين، في هذا أستحضر إبان ندوة للسيد الصادق المهدي في العاصمة البريطانية لندن، طرح أحد الحاضرين سؤالا هو «ثم ماذا بعد؟» في إشارة منه «لإعلان باريس» الموقع بين الجبهة الثورية السودانية وحزب الأمة القومي برئاسة المهدي، الذي جاء في رده بأن الأولوية لوحدة المعارضة بشقيها المدني والعسكري ومن ثم هيكلتها.
لا شك أن دلالات هذه الإجابة هي مطلوبات وطنية لحاضر المعارضة، قصد تمكينها من آليات خوض تحدي الانغلاق والانسداد السائدين في الأزمة السودانية، وفيها قطعت شوطا في تقدمها بإعلان «نداء السودان» بانضمام قوى سياسية مدنية أخرى، في تطوير متقدم لإعلان باريس الذي ردم حالة الهوة والفراغ بين قوى الجبهة الثورية والقوى الوطنية في الداخل الخارج، هذا الفراغ أسس له النظام واستفاد منه كثيرا في إطالة أمد السيطرة، عبر تصوير قوى الجبهة العسكرية كشبح يقضي على الجميع، وسرعان ما تكتشف ذات القوى أن أجندتها الوطنية تتطابق تماما مع قوى الجبهة الثورية التي تعتبر الخطر الحقيقي لنظام الاستعمار بناء على فلسفته التي تعرف فقط قوة السلاح وكثافة النيران.
مجموع هذه القوى تستطيع أن تشكل كتلة تاريخية وطنية لطرد ورحيل المستعمر واستلام زمام المبادرة في أجندة وطنية، وأهمها أجندة استرداد الدولة، التي تتيح للجميع الحديث عن ماهية مادية كائنة أمامهم، ليست متخيلة، وعلى اعتبار ما يكون في دولة واقعة عمليا تحت نير استعمار قبيح، استـــعملت فيه عباءة السماء وهي عباءة ذات قيم لا تشبه قطعا منتجي ومتحكمي ظاهرة هذا الحكم، الذي تبين بالأدلة القاطعة أنه «عصابة» محترفة تجيد وتعمل في كل الممنوع، وواجب الجميع استعمال أدواتهم ذاتها لدك حصونهم كخيار حتمي بالضرورة يجب أن يقع، لضبط ماكنة إيقاع التاريخ السوداني، ومعها ما عادت مفاهيم السلمية إلا ترفا سياسيا غير منسجم مع واقع الأرض.
أما استحقاق هيكلة المعارضة كاستحقاق سياسي مهم لضبط شكل الصراع وأطرافه وتحديد أجندته لخوض التحدي كقوة تحرر ضد قوى مستعمرة، تتطلب معيارية خاصة، بل متطابقة مع قوى الحراك التاريخي والثقافي والاجتماعي، الذي جرى في البلاد وسالت فيها الدماء وما زالت تسيل، هذه الملاءمة مهمة لاعتبار المعارضة نفسها هي سلطة سياسية ينبغي أن تتلاءم هيكلتها بما يؤشر إلى أن تغييرا بنيويا قادما ومعبرا عن جدلية الحراك السوداني، هذا الحقائق لا تقبل الاحتواء وفنون تلاعب السياسي الذي قد يعمل على إعادة إنتاج النمط القديم وبأدوات جديدة مغايرة قد تعيق حتمية التحول، الذي هو واقع لا يحتمل جدال النقاش، ما دام التاريخ السوداني تحرك لفك الرموز والطلاسم التي أغلقته عن المواكبة مع واقع التضاريس الاجتماعية والحضارية للشعوب السودانية، هذه الهيكلة لخوض التحدي مع انسداد الخرطوم وإدارة النشاط المعارض في أكبر شرعية ومشروعية وطنية لتحديد الآلية الجديدة والواقعية الفعالة لمضاهاة التحدي مع مستعمر الخرطوم لتحرير البلاد بفكر وثورة سودانية خالصة تعبر عن طموحات الشعب السوداني في الانعتاق والتحرر.
هذه المشروعية الوطنية للكفاح ضد المستعمر تتطلب موقعة كيانات الجبهة الثورية المتحالفة وفق برنامج سياسي من دون أن تحل نفسها لصالح الجبهة، وهنا يبقى تمثيلها في هيكلة المعارضة وفق كياناتها وأوزانها السياسية والعسكرية وحاضناتها الاجتماعية، بما يؤشر إلى التغيير المؤسسي البنيوي لمؤسسة تسلط التمركز السوداني سبب علل البلاد.
٭ كاتب سوداني
محجوب حسين