لا غلوّ في القول إن الإرهاب بات يتساوى مع العدو الصهيوني في خطورة تهديده للأمة، إن لم يكن يتقدّم عليه في هذه الآونة. تتأكد صدقية هذه المقولة مع تزايد تعاون «اسرائيل» عسكرياً مع جبهة «النصرة» في جنوب سوريا، والتقاء مخططاتها إستراتيجياً مع التنظيمات الإرهابية لتقسيم دول الطوق المشرقية.
في جنوب سوريا، تساند «اسرائيل» بالدعم اللوجستي والقصف المدفعي جبهة «النصرة» وحلفاءها بغية توسيع احتلالها للمنطقة التي كانت تشغلها قوات «اندوف» الأممية للفصل بين القوات السورية والقوات الإسرائيلية في الجولان المحتل. كما تعلن «اسرائيل» تباعاً معالجة مئات الجرحى من مسلحي «النصرة» وأخواتها في مشافيها. فوق ذلك، خرقت «اسرائيل» قبل نحو ثلاثة أسابيع اتفاق فصل القوات، بضربها موكباً لكوادر من حزب الله داخل الاراضي السورية، بدعوى أنهم كانوا يعدّون لعملية ضدها في قلب الجولان المحتل.
في محافظات سوريا الشرقية وجاراتها محافظات العراق الغربية، أقام تنظيم «الدولة الإسلامية – داعش» «دولةَ الخلافة» وأعلن عزمه على توسيع رقعتها لتشمل لاحقاً لبنان والأردن والسعودية والكويت. من شأن هـذه الدولة – الإسفين تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات، وفصل سوريا عن بلاد الرافدين، وبالتالي عن ايران، ودعم جهود «اسرائيل» ومن ورائها الولايات المتحدة الرامية إلى تقسيمها لثلاثة أو أربعة كيانات. تجلّت مخاطر التحدي الاسلاموي الإرهابي بأبشع صوره بقيام «داعش» بحرق الطيار الاردني الأسير معاذ الكساسبة حياً على مرأى من العالم. دلالة هذا الحدث الجلل ان «داعش» قادر وجادٌّ في مواجهة دول الطوق جميعاً رغم ان إحداها، الاردن، تستضيف غرفة عمليات مشتركة من ضباط امريكيين وعرب تتولى تنسيق عمليات التنظيمات المسلحة في جنوب سوريا، كما تتولى إدارة معسكرات لتدريب مقاتلي فصائل المعارضة السورية «المعتدلة».
حرقُ الطيار الأسير حياً هزّ الأردن حكومةً وشعباً، فارتفعت أصوات قيادية وشعبية تطالب الملك والحكومة بإعادة النظر بالسياسة الراهنة المناوئة لسوريا بغية التعاون معها في مواجهة الإرهاب المستشري.
تردد أيضاً ان الحدث الجلل أقلق الاوساط الحاكمة في دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب»، وان قياديين سياسيين وإعلاميين فيها دعوا إلى إعادة النظر بالسياسة الراهنة المناوئة لسوريا، مؤكدين أن مواجهة الإرهاب لن تستقيم إلاّ بالتعاون معها.
غير ان واقعات ميدانية لافتة رافقت واعقبت ردود الفعل المطالبة بإعادة النظر بالسياسة المناوئة لسوريا. فقد شنّت جبهة «النصرة»، انطلاقاً من منطقة الزبداني، هجمةً شديدة على منطقة «جديدة يابوس» و»المصنع» الحدودية واستطاعت تهديد طريق بيروت-دمشق لمدة اربع ساعات قبل ان يتمكّن الجيش السوري من ردها على اعقابها وتكبيدها خسائر فادحة. وفي الغوطة الشرقية، استهدف «جيش الإسلام» بالقصف المدفعي والصاروخي احياء دمشق السكنية وجامعتها ومدارسها، ما أدى إلى سقوط اكثر من 11 شهيداً وعشرات الجرحى بينهم أطفال وطلاب.
هذه الهجمات على دمشق وعلى منطقة بالغة الحساسية تحتضن طريق بيروت- دمشق الإستراتيجية إن تدل على شيء فعلى أن جبهة «النصرة» باتت جزءاً من تحالف امريكي- صهيوني – إقليمي يبتغي إضعاف سوريا تمهيداً لتقسيمها، وان جبهة «النصرة» و»جيش الإسلام» ما كانا ليقوما بتلك الهجمات لولا ضوء اخضر من ذلك التحالف. هذا يدل على ان سوريا وقوى المقاومة العربية باتت هدفاً مشتركاً للعدوّين الصهيوني والإرهابي.
كيف الخروج من هذه الإشكالية المدّمرة؟
لئن لم تدرك أطراف «التحالف الدولي» بعد ان تنظيم «الدولة الإسلامية» يعاديها جميعاً، عرباً وعجماً، وأنه ممعن في تحديها وإهانتها فإن السلوكية المتوحشة لهذا التنظيم الإرهابي المقتدر ستحملها، عاجلاً او آجلاً، على إعادة النظر بسياستها المعادية لسوريا بغية تكوين أوسع جبهة اقليمية ودولية ضد الإرهاب. في هذا المجال، ثمة مهام مطلوبة من اطراف «التحالف الدولي» واخرى مطلوبة من قوى المقاومة العربية. لعل أبرز المهام المطلوبة من دول «التحالف الدولي» ثلاث:
اولاها، الإعلان والالتزام بأن الإرهاب بجميع فصائله الناشطة في شتى دول العالم، وخصوصاً في سوريا والعراق ولبنان ومصر وليبيا واليمن، يشكّل تهديداً للبشرية كلها، دولاً ومجتمعات، وان مواجهته على جميع المستويات السياسية والامنية والثقافية والاجتماعية، هي من اهم واجبات الدول وقوى المقاومة العربية ومهامها في الحاضر والمستقبل.
ثانيتها، اتخاذ قرار في مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع بدعوة الدول والكيانات والهيئات السياسية والأمنية إلى التضامن في مواجهة الإرهاب لوقف تسليح وتمويل ودعم الكيانات والفصائل والهيئات الإرهابية ايّاً كانت طبيعة الدعم وحجمه ووجهة استعماله، تحت طائلة اتخاذ تدابير زجرية أو قسرية رادعة ضد الأطراف المخالفة، ووجوب احتجاز الإرهابيين الموقوفين ومحاكمتهم وإنزال أشد العقوبات بهم.
ثالثتها، إلغاء جميع معسكرات وترتيبات تدريب مجندين في تركيا والأردن للقتال في سوريا والعراق ولبنان ومصر، وتحويل الميزانيات والاعتمادات المقررة لإدامتها وادارتها إلى الدول الملتزمة باستخدام جيوشها ميدانياً في مواجهة التنظيمات الإرهابية.
أما قوى المقاومة العربية فلعل أبرز المهام المطلوبة منها ثلاث:
اولاها، اعتبار الكيان الصهيوني والإرهاب بكل مدارسه وفصائله عدوّين مركزيين للأمة، والالتزام بمواجهتهما بكل الأسلحة والوسائل والتقنيات المتاحة على جميع المستويات، سياسياً وامنياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، في جميع الدول والمجتمعات العربية.
ثانيتها، عقد اجتماع استثنائي عاجل لقيادات حركات المقاومة العربية، خصوصاً تلك الناشطة ضد العدوّين الصهيوني والإرهابي في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والأردن ومصر وليبيا واليمن، من اجل التوافق على برنامج سياسي واستراتيجية جهاد متكاملين لمواجهة عدوّي الأمة في جميع الميادين.
ثالثتها، اعتبار جبهات دول الطوق جبهةً واحدة وفتحها أمام قوى المقاومة وفق الإستراتيجية المتفق عليها، وإقامة قيادة مركزية وقيادات إقليمية ومحلية لقوى المقاومة المشاركة في المواجهة الشاملة ضد عدوّي الامة المركزيَين.
إننا في حال حرب متواصلة يشنّها علينا مباشرةً عدوّان مركزيان، وأخرى يشنّها علينا مداورةً حلفاء هذين العدوّين، فهل يتطلب الدفاع المشروع عن النفس رخصة من أحد؟
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان