القاهرة ـ «القدس العربي»: بين ذعر شبه جماعي على العملة الوطنية من التهاوي، وفقا للسيناريو اللبناني أو السوري أو العراقي، وسعي الأقلية الثرية لاكتناز الورقة الخضراء، لم تلبث صحف القاهرة أمس الجمعة 25 مارس/آذار عن أن تدعو المواطنين للتحلي بالثقة في حكومتهم والامتثال للقدر المكتوب، حيث زخرت الصحف بالعديد من المقالات التي دعا أصحابها الجماهير للاستسلام لما آلت إليه الأوضاع، انتظارا لانكشاف الغمة التي حلت بالبلاد..
وفي محاولة لبعث الروح في “الجنيه”، أعلنت شعبة الصرافة في غرفة القاهرة، ارتفاعا قياسيا في حصيلة التنازل عن الدولار والعملات الأجنبية خلال الأيام الماضية، بعد قرارات البنك المركزي الخاصة برفع الفائدة وطرح بنكي الأهلي ومصر لشهادات ادخارية بعائد 18%، فضلا عن السماح بخفض قيمة العملة. وقال علي الحريري سكرتير عام شعبة الصرافة في غرفة القاهرة، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط يوم الخميس، إن معدلات التنازل عن الدولار تضاعفت بأكثر من 300% خلال الأيام الماضية، بعد قرارات البنك المركزي.
وتنوعت الموضوعات والتقارير وكذلك المعارك الصحافية التي انصرف الجزء الأكبر منها صوب التجار الذين يحتكرون السلع الغذائية والمنزلية، املاً في جني مزيد من الثراء. ومن أخبار القصر الرئاسي: أصدر الرئيس السيسي، قرارا باستثناء مدينتي شرم الشيخ ودهب وقطاع خليج العقبة السياحي في محافظة جنوب سيناء، مـن الخضوع لجميع أحكام قانون التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء، الصادر في المرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012.. ومن التقارير التي تحظى بالاهتمام: تقوم جهات الرقابة التموينية بتكثيف الحملات الرقابية على الأسواق والمخابز السياحية، للتصدي للاحتكار، وحذرت وزارة التموين من عقوبات رادعة ضد مرتكبي جرائم احتكار السلع والغش التجاري، تصل إلى السجن وغرامة مالية تصل إلى 2 مليون جنيه، وتبدأ الوزارة تطبيق العقوبات المقررة على المخالفين لهذا القرار من المخابز السياحية غير الملتزمة بوضع قائمة أسعار الخبر الحر. ومن أخبار الحكومة: استعرض الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تقريرا يرصد جهود وزارة الثقافة في إطار مشاركتها في تنفيذ المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، وما تضمنته من أنشطة وعروض فنية وثقافية، تمت إقامتها في عدد من القرى المستهدفة، خلال شهرى فبراير/شباط ومارس/آذار 2022.. وجدد رئيس الوزراء التأكيد على اهتمام الدولة بملف الثقافة والفنون، وكل ما من شأنه بناء شخصية الإنسان المصرى، والارتقاء بمستويات الوعي والمعرفة.
لا نعرف قدرنا
اقتحمت كريمة كمال في “المصري اليوم” المسكوت عنه في القضية التي تشغل بال النخبة: أتأمل في كل ما يجري في المنطقة العربية وأقارنه بموقعنا نحن من المنطقة.. هل نحافظ نحن على مكانتنا في المنطقة أم أننا نتخلى عنها لغيرنا؟ رغم أننا مثلا نمتلك شواطئ ساحرة لا تتوفر ليس فقط لبلاد المنطقة العربية، بل لا تتوفر لدول العالم كله برمالها الناعمة ومياهها الزرقاء وجمال منظرها، ورغم أننا نمتلك أكبر ثروة من الآثار في العالم كله، فمصر تضم أكبر كمية من آثار العالم مع تفردها وتميزها، كما نمتلك أيضا في القاهرة وحدها أجمل منطقة لوسط البلد في المنطقة، بل هي تكاد تضاهي لندن وباريس لو تم الاعتناء بها.. لكن رغم هذا كله أجد مثلا أن دبي حصلت على ما يقرب من ضعف عدد السياح الذين حصلنا نحن عليهم، والسؤال: لماذا؟ هل نحن لا نمتلك القدرة على استغلال ما نملكه؟ من المؤكد أن هناك أسبابا وراء ذلك انتهت إلى هذا الذي انتهينا إليه. هل نحن في مرحلة التخلي عن مكانتنا التاريخية في المنطقة؟ هذا السؤال أطرحه بالذات حول مكانتنا كهوليوود الشرق، فنحن الآن نرى صعود السعودية في هذا المضمار، فهى تنظم المهرجانات الفنية، بل وتنتج الأعمال الفنية التي تُصور هناك في السعودية، والمثير هنا أن كل هذا يعتمد على الاستعانة بالفنانين المصريين، إلى جانب الفنانين السعوديين، لكن كثيرا من الفنانين المصريين باتوا يُمضون وقتا أطول في السعودية عما يُمضونه في مصر نفسها، لدرجة أن هناك تخوفا من أن تنتهي الأمور بأن يقيموا نهائيا، حيث منحت السعودية العديد من الفنانين إقامات في السعودية لوجودهم الطويل فيها.. تحاول الإمارات منافسة السعودية في هذا المجال، حيث أعطت إقامات ذهبية لمعظم نجوم الوسط الفني، سواء كانوا ممثلين أو منتجين أو مخرجين، وقدمت لهم مزايا خاصة في الإقامة والعمل والاستثمار، فهل تصمد القاهرة في وجه كل من السعودية والإمارات؟
البحث عن ريال
هكذا ارتبط الكثيرون وفق ما أشارت إليه كريمة كمال بالعمل مع السعودية بصفتها سوقا فنية صاعدة، وارتبط العديد من الفنانين بأعمال مع «شاهد» أو مسرحيات في موسم الرياض.. بل إن الرياض باتت ملتقى نجوم العالم، فهل هذا مقدمة لسحب البساط من مصر لصالح السعودية؟ بل إن المنصات السعودية، مثل منصة «شاهد»، باتت بانفتاحها الرقابي النسبي أهم المنصات التي توجد على الساحة، بما تنتجه من مسلسلات وأعمال فنية، وليست «شاهد» وحدها، بل إن قنوات «أم بي سي» تتفوق على كل القنوات، بالذات القنوات المصرية. والسؤال الآن: ما هو الحال في القاهرة؟ في البداية كانت الشركة المتحدة ترفض تعاون نجومها مع «شاهد» أو «أم بي سي» لكن تدريجيا فقدت الشركة المتحدة السيطرة لأنها لم تعد قادرة على أن تمنح فرص العمل لكل هؤلاء الممثلين، فهي لا تنتج أكثر من خمسة عشر مسلسلا في العام، ولذلك وجَّه كل الفنانين المصريين بوصلتهم نحو السعودية، حيث فرص العمل باتت أكثر كثيرا من القاهرة.. باتت السعودية هي المركز، حيث قدمت السعودية أكثر من سبعة آلاف وخمسمئة فعالية ترفيهية ما بين حفلات غنائية وفعاليات رياضية، حصلت السعودية في مقابلها على دخل ستة مليارات ريال.. كل هذا في الوقت الذي يعاني فيه الفنانون المصريون من الركود في الأعمال المصرية، بسبب احتكار صناعة الدراما وتراجع إنتاج المسلسلات والأفلام، وقلة الحفلات الغنائية وصعوبة تنظيمها بسبب تحكم نقابة الموسيقيين في التراخيص والإجراءات، والمثال على ذلك أن مطربي المهرجانات قدموا حفلاتهم في الرياض بعد أن مُنعوا من الغناء في مصر. ما الذي ننتظره إذن؟ هل نُصر على الطريقة التي ندير فيها الفن في مصر الآن، أم نعيد النظر في هذه الطريقة ونعيد فتح المجال للإنتاج ليعود للفن المصري دوره ومكانته، ونحافظ لمصر على مكانتها التاريخية؟
العلاج بالفنكوش
ظهر مصطلح “الفنكوش” لأول مرة على يد الممثل عادل أمام، وصار عنوانا لكل مشروع وهمي، وبدوره استعار الدكتور محمد محيي الدين المصطلح في “المصري اليوم”، وهو يرصد ظاهرة خطيرة: النصب باسم الطب، رغم حقارته وانعدام مروءته، إلا أنني أراه ينتعش ويتألق، بداية من الطبيب غير المؤهل المعروفة إمكانياته الضعيفة جدا، وهو يطارد المشاهدين في البرامج مدفوعة الأجر، لكي يوهم المرضى بأنه «سبع البرومبة» إللي «ماجبيتوش ولادة» في علم الطب. ويتحدث مروّج الفنكوش الطبي عن طرق علاجية، لا يعرف عنها غير اسمها. وهناك أمثلة كثيرة مثل طبيب العلاج الطبيعي، الذي يدعي علاج الشلل النصفي بما يسميه الليزر، حيث يصل الأمر بهذا الطبيب المدعي إلى أن يطلب من المريض الخضوع لجلسات ليزر، والجلسة بمبلغ وقدره، دون تحقيق أي نتيجة طبعا. ومن أطرف وأغرب وأسوأ القصص في هذا الإطار وجود دكتور تخدير يضرب الرقم القياسي في إجراء جراحات تثبيت الفقرات عن طريق الجلد، لعدد مهول من الناس وهو طبيب تخدير أصلا، بعدما أضاف اسم دكتور عظام معه من الباطن على حالة المريض. وطبعا ما يثبت الفقرات أصلا مندوب الشركة، التي تبيع الشرائح والمسامير. والقصص والأمثلة كثيرة ولا تحصى. والسؤال الذي يتردد منذ سنوات دون إجابة حتى الآن: أين الجهات الرقابية على تلك المراكز الفنكوشية المتهورة، أم أن الإنسان قد رخص إلى الحد الذي يجعل كل من هب ودب يفعل ما يشاء، كيفما يشاء، وقتما يشاء؟
أوهام الشفاء
الإجابة على السؤال السابق تصدر لها الدكتور محمود محيي الدين حيث أكد أن ظاهرة الطب الفنكوشي والعلاج الفنكوشي ما زالت مستمرة ويزداد انتشارها يوما بعد يوم، بالتزامن مع تعدد مدعي الطب على مختلف القنوات التلفزيونية، وهم يوهمون المرضى من البسطاء أن بإمكانهم صنع المعجزات، مع غياب الأجهزة الرقابية، أو صمتها عن هذه المهزلة، بعدما تركت المرضى يجرون وراء الأوهام، بحثا عن الشفاء ولا يجدون سوى الفنكوش، بعدما تتدهور حالتهم الصحية. عندما بحثت عن علاقة بين الطب والجشع في بلاد الفرنجة، وجدت أن إحدى الولايات قررت عمل لجنة لمراجعة التدخلات الطبية كافة قبل تنفيذها، للحفاظ على المرضى من التدخلات غير الضرورية. ووجدت اللجنة أن عدد تدخلات قسطرة القلب في تزايد مطرد، ونسبة كبيرة منها يمكن الاستغناء عنه، وعدم تعريض المرضى لتدخل غير مطلوب. ورفعت اللجنة تقريرها للجهة الحكومية المختصة بهذه النتائج، مع عدة توصيات معتبرة لإصلاح الخلل. وانتظر أعضاء اللجنة تنفيذ ما أوصوا به، وطال الانتظار، ليعلموا بعدها أن الموضوع كبير، وحديث المال أهم من الحديث عن سلامة وصحة المرضى، فقد اتضح أن تدخلات قسطرة القلب تدر على الحكومة مبالغ مالية كبيرة شهريا وسنويا. وقررت الحكومة إلغاء اللجنة، ووضع توصياتها في خزانة الأسرار المحظورة والممنوع خروجها إلى النور تماما. ويستمر دوران عجلة إنتاج الفنكوش، دون نظر للإنسانية أولا ومواثيق الشرف المهني.
لو نفذت
أزمة القمح التي اشتعلت عقب الحرب الروسية ـ الأوكرانية، ذكرت أسامة الألفى في “الأهرام” بأبحاث عالم الهندسة الوراثية الراحل الدكتور أحمد مستجير في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، التي أُطلق عليها مشروع زراعة الفقراء، ونبعت من ملاحظة العالم الراحل وجود حشائش ونباتات تنمو في البحار والمحيطات، فسعى إلى نقل جينات هذه النباتات إلى محاصيل غذائية اقتصادية مثل القمح والأرز، وزرعها في الصحراء ورواها بمياه البحر، في بيئة مشابهة لبيئة النباتات صاحبة الجينات الأصلية، ونجح في استنباط سلالات من القمح والأرز، تتحمل المياه المالحة والأرض الصحراوية الجافة، يمكن من خلالها تحويل مصر من دولة مستوردة للقمح إلى دولة مصدرة له، ويمكن الاستفادة من هذه الأبحاث خاصة أن لدينا مساحات شاسعة من الصحراء يحوطها بحران، فيما استفادت الهند منها وطورتها تطويرا يسيرا، وتمكنت من زراعة القمح بواسطة مياه البحر مباشرة دون تحليتها، محققة في عام 2004 اكتفاء ذاتيا لشعب يصل تعداده إلى قرابة 1.5 مليار نسمة، بل صارت من الدول المصدرة للقمح. وقد اتصل بي الباحث محمد نعمة الله، وقال إنه سبق له التقدم بمشروع مماثل، لزراعة القمح من مياه البحر يرتكز على تقنية جديدة للزراعة مباشرة بماء البحر دون تحلية أو معالجة، يمكن من خلالها زراعة مختلف أنواع المحاصيل الرئيسية كالحبوب والأعلاف، كما يمكن استخدامها للاستزراع السمكي والداجني والحيواني، باستخدام نباتات سريعة النمو والانتشار، تتحمل أعلى معدلات فقر التربة والملوحة والجفاف، وهو ما يتيح إمكانية زراعة الأراضي الصحراوية بريها بمياه البحر عبر ماكينات ري تقليدية، وإنتاج المحاصيل الاستراتيجية والاقتصادية وتحقيق الاكتفاء الذاتي منها، وتمتاز هذه التقنية بانخفاض تكلفتها ووفرة إنتاجيتها وإمكانية استخدامها في زراعة مساحات شاسعة في وقت قياسي ودون حاجة لتسويه التربة.
نفوذ قديم
تراجع تأثير مقدمي ومقدمات البرامج، ما أسفر عن مزيد من التدهور أصاب الإعلام المصري بشكل لافت، وبات في أضعف حالاته وهو ما أثار ضيق الكثيرين من بينهم حسين حلمي في “الوفد”: كانت لدينا مقدمة برامج في الزمن الجميل، كانت تقدم تحقيقات تلفزيونية من الشارع.. استطاع البرنامج الذي كانت تقدمه إرغام الشركة المنتجة للمياه لحذف كلمة «معدنية» على الزجاجات التي يبيع فيها المياه.. وتستبدلها بكلمة «طبيعية» المذيعة في رحلتها في الشارع المصري تعرض هموم الناس ومشاكلهم.. منها قضية الأسعار.. وآخر عن المدابغ.. وطالبت بضرورة نقلها.. واشغالات الطريق.. وناقشت قضايا كثيرة تهم الناس. وكان هناك برنامج اسمه «سلوكيات».. هي إشارات إلى السلوكيات، نتمنى جميعا أن يتخلص منها المجتمع، فكان برنامجها دعوة إلى الرجوع إلى ما ينفع الناس. كانت مذيعة مثقفة تحب من حولها، تطرح قضاياهم لعل أصحاب العيوب ينتبهون لهذا العيب ويحاولون الرجوع عنه. إنها ملك إسماعيل، أو من قدمت التحقيقات التلفزيونية من الشارع وإلى الشارع.. فيتعلم منها من هم في حاجة إلى تعليم. خذوا حكمة أمير الشعراء أحمد شوقي إذ قال «إن الحياة دقائق وثوان، فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها، الذكر للإنسان.. عمر ثان» نعم لا يبقى سوى سيرتك طيبة كانت أو لا.. والعياذ بالله… بعد الرحيل عن الدنيا.
سوء حظ
بينما كان الدولار الأمريكي على حد رأي عبد القادر شهيب في “الأخبار” يستمتع بالصعود تجاه كل العملات العالمية ومن بينها الجنيه المصري بعد قرار الفيدرالي الأمريكي برفع الفائدة الذي جذب الأموال الساخنة من بلدان الاقتصاديات الناشئة لأمريكا، فاجأ الرئيس الروسي بوتين الأمريكيين قبل الأوروبيين بقراره ببيع الغاز الروسي لأوروبا بالروبل وليس اليورو كما هو الحال الآن ومعه الدولار الأمريكي، الذي يحصل به الأوروبيون على 30% من الغاز الروسي والباقي بعملتهم الموحدة (اليورو).. فهذا القرار يحقق لروسيا أكثر من هدف.. أولا وقف التدهور الذي أصاب عملتها “الروبل” بعد فرض عقوبات اقتصادية صعبة عليها واستعادتها توازنها تجاه العملات المختلفة.. وثانيا تفريغ العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية من جوهرها لأن الأوروبيين سوف يلجأون للحصول على الغاز الروسي الذي يحتاجونه بشدة إلى التعامل مع البنوك الروسية التي أوقفوا التعامل معها بعد اندلاع حرب أوكرانيا، خاصة أن ما لدى الصين وإيران من العملة الروسية لن يكفيهم.. وقد يساومهم بوتين مستقبلا على إلغاء تلك العقوبات الاقتصادية مقابل تقديم الروبل لهم الذي يحتاجونه لتمويل مشترواتهم من الغاز الروسي.. غير أن الأهم من ذلك أن استخدام الروبل الروسي في تجارة الغاز مع أوروبا سوف يكون على حساب الدولار الأمريكي ويخصم من قدراته كعملة احتياط وتعامل دولية، لأنه سيقلص التعامل بها دوليا. ولعل ذلك كله يفسر لماذا سارعت بعض العواصم الأوروبية لإعلان رفضها دفع ثمن مشترياتها من الغاز الروسي بالروبل وتمسكها بالدفع باليورو والدولار الأمريكي، كما تقضي التعاقدات مع روسيا.. غير أن الدول الأوروبيةَ، لا تملك ترف الاستغناء عن الغاز الروسي الذي تعتمد عليه بنسبة 40% لتوفير احتياجاتها من الطاقة، وقد تجد نفسها مضطرة لدفع ثمن مشترواتها من هذا الغاز بالروبل الروسي إذا تمسك بوتين بقراره الذي أمهل المركزي الروسي أسبوعا للتحضير للعمل به، ليشهد بذلك الاقتصاد العالمي حرب عملات عالمية لإزاحة الدولار الأمريكي عن عرشه الذي يستأثر منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية..
خناقة ذوات
منذ أسابيع قامت مشادة كبيرة الحجم بين مجموعة من الطلبة في إحدى المدارس الدولية، كان الصراع على أولوية الشراء للمواد في وقت الراحة. كانت معركة كبيرة شارك فيها عشرات التلاميذ. وقد أصر أحد أصدقاء الكاتب رامي جلال في “الوطن” من أولياء الأمور على أن يشاهد المقاطع المصورة، متباكيا على الأخلاق التي ضاعت. الأمر محزن لكنه دفع الكاتب كما اعترف لبعض الضحك، لأن هذه الواقعة كانت على حد وصفه «خناقة ذوات» لا يعرفون ما كنا ننخرط فيه من معارك في بحري في الإسكندرية أيام الطفولة. هذه الأمور تحدث من وقت لآخر في أي تجمع بشري، والعبرة بما قد تتخذه المدرسة من إجراءات، لأنها إن لم تفعل فعليه سحب أوراق أولاده منها على الفور. لكنه قال لي إن المدرسة، بعد التحقيق، قامت بفصل تسعة طلاب. فرددت بسرعة: وماذا تريد إذن؟ الموضوع انتهى. الأزمات أمر عادي، العبرة دوما بكيفية التعاطي معها من قبِل صاحب السلطة العليا.. أزمة الحرب الروسية – الأوكرانية الآن هي حدث فارق في تاريخ الكوكب في هذا القرن، وهو يلقي بظلاله على كل دول العالم بدرجات مختلفة، ومن الطبيعي أن يؤثر في دولة تستورد معظم رغيف خبزها من الدولتين اللتين تصدران لها معظم السائحين.
دولة هشة
ماذا فعلت الحكومة بالنسبة لتلك الازمات الخانقة؟ من وجهة نظره يرى رامي جلال أن الدولة المصرية، تحركت بسرعة، على تحسين الأجور والمعاشات مع مرتب شهر إبريل/نيسان المقبل بعد أيام، ولم تنتظر لبداية العام المالي الجديد. جاء ذلك عبر ضخ 2.7 مليار جنيه لضم 450 ألف أسرة جديدة للمستفيدين من مشروع «تكافل وكرامة». مع تخصيص نحو 190 مليار جنيه للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لصرف زيادة المعاشات بنسبة 13% بحد أدنى 120 جنيها. وزيادة العلاوة الدورية للمخاطبين في الخدمة المدنية لتكون بنسبة 8% من الأجر الوظيفي بحد أدنى 100 جنيه شهريا. وكذلك منح غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية علاوة خاصة 15% من الأجر الأساسي بحد أدنى 100 جنيه شهريا، فضلا عن زيادة الحافز الإضافى الشهري، للمخاطبين وغير المخاطبين بالخدمة المدنية، بفئات مالية مقطوعة. كل ذلك مع زيادات بقيم 175 جنيها للدرجة السادسة و225 جنيها للدرجة الثالثة و275 جنيها للدرجة الثانية و325 جنيها للدرجة الأولى و400 جنيه للدرجة الممتازة.. وأخيرا تدبير 36 مليار جنيه لصرف العلاوة الدورية للمخاطبين بالخدمة المدنية، والعلاوة الخاصة لغير المخاطبين وزيادة الحافز الإضافي ضمن مخصصات الأجور بموازنة العام المقبل البالغة 400 مليار جنيه. ما سبق حدث بجانب إجراءات مهمة مثل: عمل تعديلات على مشروع قانون الضريبة على الدخل لتنشيط البورصة المصرية، وإعفاء صناديق الاستثمار والأوعية المستثمرة في البورصة من الضريبة، وغيرها الكثير لخدمة الاستثمار. مصر لا تنسى أبناءها، وهم الأولوية الأعلى، وتعمل في ضوء أقصى إمكانيات متاحة لها.
شعور جماعي
استحضر محمد أحمد طنطاوي في “اليوم السابع” فكرة “عقلية القطيع” ليتأمل المشهد الحالي، الذي بات كما يقول أكثر درامية من أي وقت مضى، فالناس باتت تشعر بارتفاعات الأسعار وتتأثر بها ليس من خلال عمليات الشراء المباشرة، أو دفع الأموال في الأسواق وسداد الفواتير، بل أصبح الأمر أعمق فباتوا يتأثرون بالأخبار والأحداث الرائجة عبر السوشيال ميديا من باب عقلية القطيع والشعور الجماعي، الذي يغلب الفرد ويتحكم في مسار سلوكه، فسرعان ما نجد أشخاصا يشتكون ارتفاع الأسعار والغلاء، في حين أن هناك من يتولى مسؤولية إعالتهم، بل فقط انساقوا خلف الحدث الرائج. لم تخل صفحات المصريين من كوميكسات وصور ومنشورات تعليقا على أسعار الجنيه والدولار، وما حدث خلال الأيام الماضية من صعود للعملات الصعبة، نتيجة الظروف العالمية، دون أن يدرك هؤلاء الصورة الكاملة للمشهد وأبعاد القضية، والأسباب الحقيقية خلف القصة، لكنهم انجرفوا لموقف القطيع الذي تبنى السخرية والشكوى، دون أن يعتمد على حقائق تخاطب العقل والمنطق. ارتفع سعر رغيف الخبز الحر خلال الفترة الماضية، بمنطق “عقلية القطيع”، فكل صاحب مخبز وجد من حوله يرفعون الأسعار، فلماذا يظل وحده.. لذلك فوجئنا بالجميع يرفعون السعر في وقت واحد، وكأنهم اتفقوا على هذا الإجراء، وهذه من وجهة نظري كارثة، فالكل يستغل الظروف والأحداث ليحقق مكاسب، والفاعل “مجهول”، بعدما تبنى الجميع رأى واحد، واتفقوا على ضرورة رفع الأسعار من أجل رفع الأسعار. بالأمس رفع صاحب عربة الفول، التي أتعامل معها، والموجودة في شارع الأحرار في الدقي، سعر السندوتش من 2.5 إلى 3 جنيهات، بواقع 20% زيادة عن الأسعار القديمة، دون أسباب حقيقية، إلا أنه سمع أن قيمة الجنيه قد انخفضت، لذلك عليه أن يعوض خسائره برفع الأسعار، مع العلم أن الفول لم تتغير أسعاره أو العيش أو مكونات إنتاج السندوتش، وحتى لو افترضنا أنها تغيرت قليلا، فإن سعر الدولار الجمركي تحرك في هوامش بسيطة جدا.
أفلح إن صدق
لا يجد أحمد رفعت مبررا لحالة الفزع التي تعتري البعض بشأن توافر السلع خاصة القمح واستشهد في “فيتو” بتصريحات مهمة لمسؤول روسي: جيورجي بوريسينكو السفير الروسي في القاهرة أكد عقب لقائه مع أعضاء جمعية خريجي الجامعات الروسية، أن شحنات القمح الروسية لمصر لن تتوقف. السفير قال أن لا شيء سيتوقف أصلا.. لا محطة الضبعة بمفاعلاتها الأربعة ولا استمرار التعاون ووصول قاطرات السكك الحديدية الروسية بالطبع، ولا أي مشروعات أو تعهدات روسية أخرى.. لكن ما يعنينا هنا هو شحنات القمح وأنها مستمرة مما يضيف اطمئنانا إضافيا للشارع المصري، حيث حاول البعض استغلال عكس هذه الأنباء لرفع سعر الخبز أو إرباك الأوضاع الاقتصادية والتموينية داخل مصر. القنصل الروسي العام في الغردقة فيكتور فورباييف أكد -أيضا- أن رحلات السياحة من بلاده إلى الغردقة ستستأنف اليوم برحلتين – وصلتا فعلا قبل التصريح- على أن تستمر في الزيادة لتصل إلى المعدل الذي كانت عليه قبل الحرب أي عشرين رحلة يوميا. الأنباء جيدة إذن.. البعض يحاول تجاهلها في بعض وسائل الإعلام المعادية أو غير المصرية لأسباب تتعلق بالحالة داخل الأسواق المصرية.. لكن طمأنة الناس ضروري في ظل محاولات دائمة لإرباكها.. رغم ايماننا العميق أن الحل الأمثل هو الوصول بزراعة القمح إلى حد عدم التأثر بأي أزمات عالمية.
شعور جماعي
نبقى مع الأزمات التي تواجهنا بصحبة حسن القباني في “المشهد”: تتكاثر الضغوط من كل حدب وصوب على البيوت والعائلات، بين حين وآخر، وهو ما يؤدي إلى وجود تحديات دائمة تتطلب حُسن الإدارة وحُسن الأخلاق لحماية سفينة الحياة، وتجديد سبل الوفاق وتجاوز المحن بسلام في ظل أمواج عاتية من الضغوط. إن الضغوط بكل أنواعها خاصة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، أسفرت عن حدوث المناكفات والجدال العقيم والملل والاستباحة واللدد عند الخصام والشقاق وصولا إلى الفراق والطلاق، الذي وصلت نسبه مثلا إلى أرقام غير مسبوقة في مصر وبعض الدول العربية، وفق أحدث الإحصائيات. وفي مواجهة تلك الضغوط نرى أن حُسن الإدارة مهم جدا في صون البيوت والقلوب وصون العشرة والود، وهذا لن يأتي إلا بعلم دائم ومتجدد وسعي نبيل قائم على التفاهم والحوار البناء. ونحتاج في هذا الإطار إلى استيعاب الزوجين لمعنى إدارة الأزمة وهو بحسب المختصين: “الاستعداد لما قد لا يحدث والتعامل مع ما حدث”. ويقصد بإدارة الأزمات الأسرية Family crises management – وفق الدكتور كمال إبراهيم موسى في كتابه “الأسرة والتوافق الأسري”: الأساليب التي تتبعها الأسرة، لا سيما الزوجين أو الوالدين، في التوافق مع الأحداث الضاغطة، والتعامل معها، التي قد تكون أساليب فعّالة أو غير فعّالة. والأساليب الفعّالة في إدارة الأزمة الأسرية – بحسب موسى “هي تصرفات حسنة تمكن الأسرة من مواجهة الحادث الضاغط، والتغلب على ما فيه من صعوبات، وحمل ما يرتبط به من مشكلات، أو تمكنها من التعايش مع الحادث، وتحمله والصبر عليه، والرضا بقضاء الله وقدره، فيذهب عنها التأزم، ويعود إليها التوازن والاستقرار بعد الحادث الضاغط أو الأزمة، أمّا الأساليب غير الفعّالة في إدارة الأزمة في الأسرة فهي تصرفات سيئة، فيها سخط واعتراض على الحادث، أو استسلام وانهزام أمامه، أو يأس وجزع وشعور بالذنب، ولوم للذات والناس والقدر”.
تاريخ من المذلة
عندما فرض الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى شروطهم على دول المحور ممثلين في الدولة العثمانية وألمانيا وإيطاليا، كانت تلك الشروط كما اشار عمرو هاشم ربيع في “الشروق” من الإذلال ما جعل بعضا منهم يسعى إلى الانتقام من الشروط المجحفة التي فرضت عليهم، وهو ما تسبب في نشوب الحرب العالمية الثانية، سعيا من ألمانيا إلى استعادة مجدها مرة أخرى، فاحتلت كلا من النمسا وبولندا، وهيمنت على جزء معتبر من إنكلترا وفرنسا والاتحاد السوفييتي. صحيح أنها فرضت شروطا ما زال بعضها قائما على الدول المهزومة في تلك الحرب جعلها تتجه نحو الخنوع لمطالب المنتصرين، إلا أن بعض تلك الدول كاليابان وألمانيا استغلت تلك الشروط بالعمل على الكمون العسكري، والانطلاق نحو تقدم اقتصادي، حتى أصبحت الأولى عملاقا اقتصاديا كبيرا في الشرق الأقصى، وأصبحت الثانية أكبر قوى اقتصادية في أوروبا الغربية. في المنطق نفسه سعت البلدان الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة للنيل من هيبة الاتحاد السوفييتي عند تفككه في ديسمبر/كانون الأول 1991، فقامت بفرض شروطها على هذا التفكك، فتوسع حلف الناتو شرقا، وضم على مدى عدة سنوات بلغاريا واستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وألبانيا وكرواتيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية. كما انضمت عديد دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى الاتحاد الأوروبي. كل ما سبق تم سعيا من بعض الدول المستقلة إلى نيل حماية الحلف أو حماية البعض الآخر للاتحاد الأوروبي، من أي سطوة محتملة لروسيا بعد أن تلملم جراح تفكك الاتحاد السوفييتي.
تاريخ مجحف
أشار عمرو هاشم ربيع إلى أن هذه الهيبة المندثرة سعت روسيا اليوم إلى محاولة استعادتها، بأن قامت بغزو أوكرانيا، مستغلة الفرصة بأن تلك الدولة ليست عضوا في حلف الناتو، وأنها ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي. وقد حفزت الولايات المتحدة، التي حنثت بوعودها في عام 1991 بعدم توسع الحلف شرقا، فشجعت روسيا على تلك العملية العسكرية الواسعة، بأن عمدت إلى غمس قدمها في الأوحال الأوكرانية، ثم العمل على فرض عقوبات لا مثيل لها على روسيا بغية عودتها إلى وضعها القزمي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وذلك كله أملا في ألا تقوم لها قائمة إلا بعد عقود جديدة، كما فعلت عام 1991، وهو ما يبدو أنها فشلت فيه حتى الآن، حيث ارتدت عديد العقوبات إلى نحور من فرضها في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وامتدت تداعياتها لعديد البلدان النامية. الحرب الروسية الأوكرانية كانت سعيا من الطرف الأول إلى استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، ورغبة في تعديل أو إصلاح الكفة التي مالت كثيرا منذ عام 1991 تجاه الولايات المتحدة التي أغراها ضعف روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وراحت تتوغل في أمريكا اللاتينية والمنطقة العربية وأفغانستان. بعبارة أخرى، كانت الحرب الحالية أحد وسائل العودة بالنظام الدولي إلى صيغته الأصلية المؤسسة عند نشأة الأمم المتحدة، وإبان انتهاء الحرب العالمية الثانية. كل ما سبق يعطي درسا بأن الإمعان في إذلال النظم السياسية، وتكبيلها بالقيود، يولد أحيانا وبعد فترة نوعا من الانفجار، فيظهر القوميون والمتطرفون والجماعات المحافظة الساعية إلى العودة للحمية والعصبية والتمسك بالأصول والمكتسبات وأمجاد الأجداد والذود عن التاريخ المشرف لديها.
قلب مختلف
ثناء مستحق توليه عايدة رزق لحواء في “الأهرام”: تفعل الأمهات في مصر ما لا تفعله أي أم في العالم.. فلا يوجد في أي بلد مشهد وقوف الأمهات أمام أبواب المدارس في انتظار خروج الأبناء بعد أداء الامتحان.. أو مشهد الأمهات وهن يحاولن الفتك بمدرسة منعت ابناءهن من الغش، كما حدث في مصر منذ أسابيع.. إنها ظاهرة بالغة الخطورة.. وتعني أن هؤلاء الأمهات لا يعرفن أي شيء عن التربية.. ولا يعرفن أن قاسم أمين قال إن الإنسان في كبره يكون كما هيأته أمه في صغره.. فإذا كانت الأم تشجع ابنها وهو صغير على الغش فينبغي أن لا تصاب بصدمة حين يكبر ويتم القبض عليه بتهمة الرشوة.. أو حين تسمع الناس يقولون عنه إنه نصاب ومستغل.. وينبغي أن لا تستاء حين تراه لا يستطيع تحمل أي مسؤولية.. ولا يقوى على أداء عمله.. ولا يتحلى بقيم الأمانة والصدق.. فعندما يتولى الغشاشون في الكبر مهام وظائفهم.. فهم الموظفون الذين يحولون مكاتب الخدمات إلى أماكن لتعذيب المواطن البائس، الذي يضيع من عمره أياما، بل ربما أسابيع وهو يهرول من مكتب إلى آخر باحثا عن الموظف المسؤول الذي «زوغ» وخرج قبل انتهاء ساعات العمل الرسمية.. وقد صدق شاعرنا الكبير حافظ ابراهيم حين قال: «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق».. وصدق الكاتب الفرنسى بلزاك الذي قال: «مستقبل الولد من صنع أمه».. فالأم هي كل شيء في حياة الإنسان وهي كل شيء في حياة الشعب.. فإليها يرجع فضل تقدمه.. وعليها تقع تبعة تأخره.. وهكذا تعد الأم سببا من أسباب عديدة لتأخر الشعوب ولانتشار الفساد. أما الأديب اللبنانى ميخائيل نعيمة فقال: «كل القلوب عجيب ورائع وغريب.. ولكن أعجبها وأروعها وأغربها قلوب الوالدات.. فما من هلال أهل.. ولا نجم أطل.. ولا شمس بزغت.. ولا سحابة عبرت.. إلا وتوجهت إليها آلاف القلوب من آلاف الوالدات.. راجية أن تحمل لأبنائهن العافية والسعد والبركات..».. حقا ما أغربه من قلب.