دستور سعيد يُمهد لنسخة مُعدلة من «الجماهيرية»

رشيد خشانة
حجم الخط
0

لم يجد الرئيس قيس سعيد، في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى السادسة والستين للاستقلال (1956) أفضل من أن يروي للتونسيين قصة الغراب والثعلب، للكاتب الفرنسي جان دولافونتان، مثلما رواها وعلق عليها الرئيس الراحل حبيب بورقيبة لضيفه الرئيس السينغالي ليوبولد سنغور. غير أن غالبية التونسيين لم يفهموا الصورة الرمزية التي قصدها رئيسُهُم الحالي، ولم يُفلحوا في فك شفرة الرسالة التي حاول إبلاغها إليهم. ما بقي في أذهانهم من هذا الخطاب هو الجدول الزمني للانتخابات الذي طالما انتظروه، لكنه أتى مُخيبا للآمال، لأنه يقضي بإجراء استفتاء على دستور جديد، تعكف على كتابته حاليا لجنة عينها الرئيس ولا يعرف أحد من هم أعضاؤها. وتضمن هذا الجدول الزمني إجراء استفتاء في الخامس والعشرين من تموز/يوليو المقبل (ذكرى تأسيس الجمهورية) على مشروع دستور بديل يحلُ محل الدستور الذي وضعه أعضاء المجلس التأسيسي في 2014 والذي استغرق إعداده ثلاث سنوات. وقد حظي الدستور بموافقة 200 نائب من العدد الاجمالي للمؤسسين وهو 217.
وبناء على نتائج الاستفتاء ستعيش تونس يوم 17 كانون الأول/ديسمبر على وقع أول انتخابات نيابية منذ صعود سعيد إلى سدة الرئاسة. واختير هذا اليوم انسجاما مع موقف الرئيس الذي اعتبر إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، المنطلق الحقيقي لـ«لثورة الكرامة» التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي يوم 14 كانون الثاني/يناير من الشهر التالي. وتثير هذه القراءة الخاصة نزاعا حادا بين الرئيس وغالبية النخب التي لا تشاطره تبديل المفاهيم والتواريخ الرمزية بعدما كانت محل إجماع. والملاحظ أن سعيد مهد لهذه المحطات السياسية الأربع باستفتاء إلكتروني يخص الموافقة على إجراء الاستفتاء على دستور جديد أو رفضه. وقد أثار بدوره تباعدا في تقدير عدد المشاركين فيه، إذ قدرهم سعيد بأكثر من 500 ألف مشارك، فيما أكدت مصادر متطابقة، أن العدد لم يتجاوز بضعة آلاف، في مناخ من اللامبالاة التامة من المواطنين، الذين لم يفهموا الحاجة إلى هذا الاستفتاء الإلكتروني.

بين الرئاسة والنُخب

مع ذلك يتوقع سعيد أن يفوز حزبه، الذي هو قيد التشكيل حاليا بالانتخابات، وهذا يدل على أن عنوان المرحلة المقبلة سيكون تفاقم المواجهة بين الرئاسة والنُخب السياسية والنقابية والحقوقية. ولم ينفع تمجيد الثورة التي قال عنها سعيد إنها «غيرت مسار التاريخ» في محاولة لاسترضاء الجمهور بدغدغة عواطفه.
أكثر من ذلك انتقدت المعارضة بقوة استخدام وسائل الدولة لحض المواطنين على المشاركة في الاستفتاء، سواء تعلق الأمر بوسائل الإعلام العمومية أم بسيارات الدولة أم بتسخير موظفين من القطاع العام لخدمة مشروع شخصي، خصوصا بعدما تأكد أنه لا يحظى بأية شعبية لدى الناس. مع ذلك أصر سعيد في خطابه الأخير على اعتبار «الاستشارة الشعبية» أول حلقة في الحوار الوطني، في رد غير مباشر على مطالبات أحزاب المعارضة واتحادي العمال ورجال الأعمال بفتح حوار شامل يتطرق إلى جميع المعوقات التي عرقلت العودة إلى المسار الديمقراطي. ويدل تأكيد سعيد أن الاستشارة «ناجحة بالرغم من كل دعوات الإحباط» على أنه في قطيعة عن الواقع، الذي رأى من خلاله ملامح النجاح حيث يسود الاخفاق. كما أنه يرى دوما مؤامرات تُدبر بليل ضده لا يراها الآخرون.
هذا الاصرارُ يُفاقم من تدهور العلاقات مع مؤسسات المجتمع المدني إذ حذرت نقابة الصحافيين والمتابعون للإعلام العمومي من توظيف أجهزة الدولة لصالح مشروع رئيس الجمهورية، خاصة من خلال بث برامج تمجد الاستشارة الإلكترونية، وتعكس موقفا واحدا مساندا لـ«الإصلاحات». وقرر العاملون في مؤسسات الإعلام العمومي الاضراب عن العمل في الثاني من الشهر المقبل للمطالبة بإطلاق ثلاثة صحافيين معتقلين، لكن القضاء أخلى سبيلهم الجمعة. ويشتمل الإعلام العمومي على عشر محطات إذاعية وثلاث قنوات تلفزيونية (إحداها مُصادرة) ووكالة الأنباء الرسمية وصحيفتين يوميتين. كما أن العلاقات مع اتحاد نقابات العمال واتحاد أرباب الأعمال متدهورة أيضا بسبب رفض الاتحادين الإجراءات الأحادية، ولاسيما منذ تعليق العمل بالدستور في تموز/يوليو الماضي. وكان يمكن للاتحادين اللذين ساهما في قيادة حوار وطني في 2013 أخرج البلد من أزمة خانقة، أن يلعبا دورا مماثلا، لكن لم يُعتد بهما طيلة الفترة الماضية، إلى أن تحدث الرئيس سعيد الأحد الماضي عن الحوار مجددا، ما اعتُبر مؤشرا على قرب إطلاق حوار لم تُعرف بعدُ هوية الأطراف المشاركة فيه. وكان سعيد استبعد الأحزاب من الحوار مستهزئا بها في أكثر من مناسبة. في المقابل جدد الأمين العام لاتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي تمسك الاتحاد بالحوار بوصفه «الخيار الوحيد للخروج من الأزمة الراهنة» وحض سعيد على «مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع».
من الواضح أن معاودة الكلام عن الحوار الآن أتت استجابة لضغوط يمارسها صندوق النقد الدولي، الذي أكد أنه لن يوافق على أية خطة إصلاحية طالما لم تحظ بإجماع القوى الفاعلة في البلد، وفي مقدمها الاتحادان النقابيان. لكن أية خطة لإصلاح الاقتصاد ستتضمن إجراءات غير شعبية مثل الرفع من الأسعار والضغط على الموازنات الاجتماعية، فضلا عن زيادة نسبة الفقر المتصاعدة، وتآكل قدرات الطبقة الوسطى، التي شكلت قاعدة النظام السياسي منذ الاستقلال.

مساحة الحرية تضيق

وطالما أن الحكومة استنفدت ما لديها من أرصدة معنوية ورمزية، فإن الكلمة أصبحت للشارع، مع تزايد الاحتجاجات والاشتباكات مع قوات الأمن، ما سيؤثر بالضرورة في المسار السياسي. ومن الاضرابات المُعطلة للاقتصاد اضراب العاملين في قطاع البريد، الذي انطلق الأربعاء واستمر ثلاثة أيام. والمؤكد أن هناك اتجاها للتقليص من هامش الحريات، الذي ما فتئ يتراجع، مع التضييق المتزايد من مساحات الحرية التي فتحتها انتفاضة 2011. ومن الإجراءات الحبلى بالرموز في هذا المضمار إقدام والي (محافظ) تونس على حظر المظاهرات في الشارع الرئيسي بالعاصمة يوم إحياء ذكرى عيد الاستقلال. ويُخشى من أن الهيآت النقابية والسياسية لن تكون قادرة على احتواء الغضب الشعبي ولا حتى الرئيس قادرٌ، بعصا سحرية، على أن يُعطي للمحرومين بصيص أمل بإصلاح الأوضاع الاجتماعية قريبا. وهذا ما يُفسر قلق حلفاء تونس الكبير من اهتزاز الاستقرار بسبب السياسات الارتجالية، إذ لا تملك الحكومة، التي انتقى الرئيسُ أعضاءها بعناية، خطة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي. واتضح أنها لا تملك أيضا خطة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، مع أن خبراء اقتصاديين مستقلين أبدوا استعدادهم لمساعدتها، تطوعا، على وضع الخطة المطلوبة. ومن علامات القلق لدى الحلفاء إرسال الولايات المتحدة مساعدة وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان أوزرا زيا، التي زارت تونس على رأس وفد مهم للاستماع إلى الحكومة وممثلي المجتمع المدني، وقد اجتمعت فعلا مع ممثلي أحزاب ونقابات. ولم يُخف الأمريكيون قلقهم من الأوضاع الراهنة في تونس، التي كانوا يعتبرونها أنموذجا للاستقرار في الإقليم. وأتت الزيارة قبل أيام من زيارة لوفد من صندوق النقد الدولي إلى تونس، التي طلبت قرضا جديدا من الصندوق، من أجل استكمال موارد موازنة العام الجاري. وهي تنتظر من الولايات المتحدة دعمها لكي يُجيز مجلس إدارة البنك منحها القرض المذكور.
مع ذلك لن يحل القرض الجديد، في حال الموافقة عليه، جميع المشاكل العالقة، لأن التصنيف السيادي لتونس يتراجع بشكل مخيف، إذ أن وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني خفضت التصنيف السيادي لتونس من بي3 إلى سي أي اي1 مع نظرة مستقبلية سلبية. وعكست هذه الخطوة ضعف الحوكمة وزيادة عدم اليقين في ما يتعلق بقدرة الحكومة على تنفيذ التدابير التي من شأنها ضمان الوصول المتجدد إلى التمويل لتلبية احتياجاتها. وهذه عاشر مرة يتم فيها خفض التصنيف السيادي لتونس من قبل وكالات التصنيف العالمية، منذ العام 2011. كما أن وكالة «فيتش ريتينغ» خفضت من تصنيف تونس إلى فئة «سي سي سي» مع آفاق سلبية، وهي الفئة قبل الأخيرة، ما يضاعف من صعوبة الحصول على قروض في المستقبل.

انقلاب دستوري

والأرجح أن الرئيس سعيد ترك هذا الملف الشائك للوزراء المعنيين، واهتم هو بالحوار، سائلا الجميع أن يُقدموا إلى لجنة الصياغة اقتراحاتهم عن «البناء القاعدي» وهو النظام السياسي الجديد، الذي يُشبه إلى حد كبير نظام «الجماهيرية» في ليبيا القذافي ومنظومة «الكولكوز» في العهد السوفييتي. لكن لا أحد يعرف هوية أعضاء اللجنة ولا عنوانها ولا صلاحياتها. وهذا يعني أن وضع دستور جديد هو مسألة تخص الرئيس وحده، في علاقة مع أعضاء اللجنة الذين اختارهم طبقا لمقاييس غير معلومة. كما لم يُكشف عن ميقات انتهاء اللجنة من وضع مسودة الدستور. لكن من المقرر إجراء الاستفتاء في 25 تموز/يوليو المقبل، أي في الذكرى السنوية الأولى لاستحواذ الرئيس سعيد على السلطتين التشريعية والقضائية، فضلا عن التنفيذية، في حركة وصفها معارضوه بـ«الانقلاب الدستوري».
وتستثمر الدول الغربية الحليفة حاجة تونس للحصول على تمويل خارجي، للضغط على الرئيس كي يقود حوارا شاملا يجمع تحت مظلته مختلف الأطياف، لإعادة المسار الديمقراطي إلى السكة. غير أن الرئيس منهمكٌ في فتح جبهات صراع جديدة، بعد خصومته مع الأحزاب، بما فيها المؤيدة له، والجمعيات والنواب. وقد وسع دائرة الخصوم لتشمل منظمة رجال الأعمال، مع إطلاق حملة رايتُها مكافحة المضاربات وملاحقة التجار والصناعيين المشتبه بمسؤوليتهم عن انقطاع بعض المواد الاستهلاكية الأساسية، مثل القمح والزيوت والذرة. ونزل الرئيس بنفسه ليزور مخازن البعض من كبار التجار، ويُعلن بأسلوبه الشعبوي، أنه سيلاحق الفاسدين والمُحتكرين. وفي المقابل لم يكشف سعيد عن سياسة اقتصادية واضحة المعالم، فيما أبدى رجال الأعمال مخاوف من حدوث تجاوزات أو استقواء بالقوانين لابتزازهم. وفي هذا الإطار وعد سعيد رجال الأعمال الذين يوضعون في خانة الفساد، وعددهم 460 شخصا، بمسامحتهم إذا ما تعهدوا بإنشاء مشاريع توفر فرص عمل للشباب في المحافظات الفقيرة والمحرومة من التنمية. ووفقا لنص المرسوم الذي سنه سعيد أخيرا، سيتولى بنفسه تعيين لجنة مصالحة، تتألف من قضاة للنظر في منح عفو لرجال الأعمال، مقابل قيامهم بتنفيذ تلك المشاريع التنموية. واتهم الرئيس هؤلاء بسرقة نحو 4.8 مليار دولار من تونس، عارضا عليهم «تسوية جزائية» إذا ما أعادوا الأموال بدل محاكمتهم وسجنهم. وفي خطوة أخرى عززت مخاوف رجال الأعمال أصدر الاثنين الماضي، مرسوما آخر يقضي بإنزال عقوبات قاسية بالسجن بالذين «يحتكرون السلع أو يخزنونها في وقت يعاني فيه التونسيون من نقص في بعض السلع الأساسية» على ما قال.
قصارى القول إن الدولة التي يسعى رئيس الجمهورية إلى تركيزها ستُقام على هشيم المؤسسات، التي حظر نشاط بعضها ووضع أحجارا في طريق البعض الآخر، وأنه ماض في الحكم بالمراسيم، في ظل تعليق مجلس النواب. كلُ ذلك من أجل إقامة نظام سياسي لا يُشبه الأنظمة المختلفة التي عرفها العالم حتى اليوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية