الأدب الجديد في الجزائر

حجم الخط
1

لم تعد الازدواجية اللغوية قضية من قضايا الأدب في الجزائر، تحرر اللسان وامحى شيئاً فشيئاً ذلك الجدار، الذي فصل طويلاً بين المعسكرين، فالمعرب يقرأ بلغة الآخر والآخر يقرأ بالعربية، حصل تقارب بينهما، ولم تعد اللغة عاملاً في تحديد هوية النص، توارت تلك الخلافات المجانية وتلك المشاحنات المتعصبة، التي كنا نسمع عنها في الماضي، حين كان الطاهر وطار ـ مثلاً ـ ينصب نفسه ناطقاً باسم العربية وكلما فاض وقته بالفراغ يوجه نيرانا صديقة صوب كل من يعلو اسمه بلغة فرنسية. تناثرت مخلفات الاستعمار اللغوية بفعل السنين، صارت رماداً تذروه الرياح، كما إن القارئ أدرك فجاجة تلك اللعبة، بات لا يُبالي بلغة النص، بل بمتانته الفنية وقدرته على إرباكه أو زرع الشك في يقينه، هذه الوضعية أودت ـ لا إرادياً ـ إلى تبكم جيل قديم من كتاب اتخذوا من فكرة الشتات اللغوي حجة في الترويج لأعمالهم.
يعلم القراء عدد الكتاب القدامى المحسوبين على حقبتي السبعينيات والثمانينيات، الذين لم يعد يلتفت إليهم أحد، لأنهم ـ ببساطة ـ فقدوا سلاحهم، لا آذان تصغي إلى مشاجراتهم مع مواطنيهم الفرانكفونيين، التي تشبه مشاجرات قطط في زقاق مُعتم. نهاية تلك الأجيال أفرزت جيلاً جديداً. لسنا نقصد من «جيل جديد» كتاباً في سن الشباب، بل جيلاً ـ بغض النظر عن سن فاعليه ـ متحرراً من الانغلاق، يمارس الأدب من أجل الأدب، أثبت «نهاية تاريخ» التعصب للغة الواحدة، وأسس لما يمكن أن نُطلق عليه: الأدب الجديد في الجزائر.
عندما أصدر رشيد بوجدرة باكورته «التطليق» عام 1969 حصل اهتزاز في بيت الأدب، كانت المرة الأولى التي نصادف فيها رواية بتلك الجرأة، في هدم تابو الجنس، في نقد الدين والرغبة في قتل الأدب، وتوالت أعمال أخرى في مقاربة ثلاثية الدين، الجنس والسياسة، سطع نجم الرجل في تلك الحقبة، وسار آخرون في فلكه، في محاولات تقليد، لكنهم فشلوا في نيل اهتمام مثل الذي ناله بوجدرة، فالتقليد لا بد أن يكون أقل جودة من الأصل، والأسوأ أن تجد كتاباً في مطلع القرن الحادي والعشرين يتخذون من الكاتب نموذجاً، غير مدركين أن الموضوعات التي طرحها إنما تلائم زمناً مضى، فالتابوهات اليوم تغيرت، وهذا الجيل الجديد في الجزائر على دراية بذلك، لم يعد مهتماً بابتذال صورة المرأة في الفراش أو في خلوتها، أن يصورها في حمام أو خلف جدران أربعة، فالقارئ تكفيه كبسة على فأرة اللابتوب كي يشاهد ما طاب له من أفلام أيروتيكية، بلغات العالم كلها، وبمقدوره الاستماع إلى العشرات من النقاشات ومن الخطب في الطعن في الدين، وفي مناقشة المقدسات العقائدية، كما أن هذا القارئ يُمارس حقه في نقد السياسة، كل يوم، في المقهى وفي الشارع، بالتالي فإن ذلك الثالوث من المحرمات صار قبراً يأوي إليه كل من حكم على نفسه بالفشل، والمغامرة إنما في التابوهات الجديدة، على رأسها تابو التاريخ. لاسيما التاريخ المعاصر للبلد.

منذ نشأة الرواية الجزائرية، المكتوبة بالعربية، وهي تدور في حيز ضيق، بدءاً من الإسراف في مديح الماضي وفي مباركة سياسة السلطة، وصولاً إلى انعزال المؤلف في سرد يومياته، كما لو أنه محور الكون.

منذ نشأة الرواية الجزائرية، المكتوبة بالعربية، وهي تدور في حيز ضيق، بدءاً من الإسراف في مديح الماضي وفي مباركة سياسة السلطة، وصولاً إلى انعزال المؤلف في سرد يومياته، كما لو أنه محور الكون. فرض الكتاب على أنفسهم رقابة ذاتية، طمعاً أو خوفاً، وأوصدوا الأبواب على ذواتهم، ما حرمهم من التواصل مع القارئ، الذي فضل عنهم السعي خلف روايات مقبلة من الخارج. لكن في السنين الأخيرة تكرست تجارب جديدة، في استيعاب مشاغل الناس العاديين، في الاستماع إليهم، في دمج قصص المجهولين والمهمشين مع التاريخ العام للبلد، صارت الرواية الجزائرية رواية تنقب في المسكوت عنه في التاريخ الحديث، في معاركة نقاط الظل، في إعادة تخيل ما لم يحصل وما كان يجب أن يحصل، وفي تصحيح غلطات السلطة، أو بالأحرى في الرد عليها أدبياً.

نعلم أن التاريخ الجزائري، في نصف القرن الفائت، سادته تناقضات: شخصيات وطنية خُونت قبل أن يرد لها الاعتبار، وأخرى كانت في الواجهة قبل أن تنسحب إلى الخلف. في هذه التناقضات المتتالية تتراءى مكانة الأدب في جبر السقطات التي مرت عليها البلاد وما تزال، في هدم تابو التاريخ الرسمي والانحياز إلى التاريخ الحقيقي، في الاستعانة بالتخييل في قول ما تخفيه السلطة عن أعين الناس.
في السابق كان يمكن تقسيم الأدب في الجزائر إلى جزأين: أدب القرية وأدب المدينة، هناك من يكتب عن فضاء حضري وآخر يفضل العودة إلى أرض المنشأ، أو أرض الأجداد، اليوم نحن بصدد جيل في غالبيته يدور حول المدينة، يعيشون في الغالب في الحواضر، بالتالي فهناك فضاء مشترك، ونقطة واحدة ينطلقون منها، كما أن غالبية الأرياف تمدنت، لم تعد القرية كما كانت عليه في السابق، في كل شبر توجد أساسيات الحياة الاجتماعية، والخدمات المهمة متاحة، ولم يعد الكاتب ينتظر اعترافاً من المركز، من عاصمة البلاد، بل يعيش على مبعدة مئات الكيلومترات عنها وينشر وينتشر في الخارج أو في الداخل، وبإمكانه أن يروج لعمله من مجلسه في بيته.
لقد أفرزت السنين الأخيرة جيلاً جديداً في الجزائر، من المؤلفين ومن القراء أيضاً، تخلصوا من بوتقة التصنيفات السياسية، أو الأيديولوجيا للأدب، بالنسبة لهم لم يعد الأدب الجزائري ينحصر ـ فقط ـ في ما يكتبه كاتب جزائري المولد والهوية، بل كل ما كتب عن الجزائر، من داخلها أو ملامسا لها، يصلح أن يصنف أدباً جزائرياً، بصرف النظر عن اللغة التي ينحو إليها الكاتب، قد تكون فرنسية أو عربية أو أمازيغية أو لغة أخرى، تخلص الناس من تلك الدائرة الضيقة التي رسمتها السلطة في السابق بمعونة مثقفين مقربين منها، حاولوا توجيه أذواق الناس وفرض كتب عليهم دون أخرى، هامش الحرية زاد وهذا الجيل الجديد بوسعه أن يعيد الأدب الجزائري إلى مساره الإنساني، بعيداً عن الضغوطات والإكراهات.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية