الخرطوم – «القدس العربي»: قتل متظاهر وأصيب العشرات برصاص الأجهزة الأمنية خلال مشاركتهم في تظاهرات رافضة للانقلاب العسكري ومطالبة بالحكم المدني الديمقراطي، أمس الخميس، في العاصمة السودانية الخرطوم ومدن أخرى، في وقت توجه القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، أمس، إلى العاصمة التشادية أنجمينا، قادماً من القاهرة التي زارها الأربعاء.
وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية، في بيان أمس، مقتل عاصم حسب الرسول (23 عاماً) إثر إصابته بالرصاص الحي في الصدر، في تظاهرات مدينة الخرطوم، لترتفع حصيلة القتلى منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى 93 قتيلاً بينهم 14 طفلاً وامرأتان. ونددت لجنة الأطباء في بيان أمس باستخدام السلطات العسكرية العنف المميت تجاه المتظاهرين السلميين، مؤكدة أن الشارع السوداني سيواصل التمسك بسلميته التي أثبتت قوتها ضد الرصاص والترسانة الأمنية. بينما أعلنت اللجنة التمهيدية لنقابة الصحافيين السودانيين، تعرض الصحافي عمر إبراهيم هنري لإصابة مباشرة في الرأس أثناء تغطيته تظاهرات الخميس، بموقف شروني وسط الخرطوم. وأدانت اللجنة استخدام القوات النظامية القوة المفرطة، في مواجهة المدنيين، والانتهاكات المتكررة في مواجهة الصحافيين.
وقال موظفون في جامعة الخرطوم القريبة من القصر الرئاسي، لـ”القدس العربي”: “إن المئات من الكوادر الأمنية وعشرات السيارات العسكرية المزودة بالأسلحة النارية أرهبوا الموظفين أثناء خروجهم من مكاتبهم، وكانوا يضربون السيارات المخصصة لترحيلهم بالسياط ويصرخون بطريقة مروعة قبل أن يتوجهوا إلى محيط القصر الرئاسي حيث تجمع آلاف المتظاهرين رفضاً للانقلاب العسكري وللمطالبة بحكومة مدنية ديمقراطية”.
وفضلاً عن سقوط قتيل وعشرات الجرحى برصاص الأجهزة الأمنية، أفاد شهود عيان بضرب ودهس متظاهرين بالسيارات العسكرية، في وقت أكد المدير التنفيذي لمنظمة حاضرين لعلاج مصابي الثورة ناظم سراج، بعثورهم على متظاهر بعد تعرضه للضرب العنيف والدهس في محيط القصر الرئاسي. وحسب حاضرين، تجاوز عدد المصابين في التظاهرات، منذ انقلاب 25أكتوبر/تشرين الأول الماضي، 3800 شخص، 500 منهم مازالوا قيد العلاج، بينما فقد 31 مصاباً، أحد الأطراف أو الأعضاء الحيوية، بالإضافة إلى 7 حالات شلل وحالة واحدة لتدني الوعي.
وفي خضم ذلك، يواصل القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان جولاته الخارجية، فبعد زيارة استمرت يوماً واحداً للقاهرة، توجه البرهان برفقة مدير جهاز المخابرات العامة أحمد مفضل، أمس الخميس، إلى العاصمة التشادية انجمينا، حيث عقد مباحثات مشتركة مع رئيس المجلس العسكري التشادي محمد أدريس دبي. وقال المجلس السيادي في بيان، أمس، أن المباحثات ناقشت دعم وتعزيز العلاقات الثنائية بما يخدم مصالح الشعبين. وقبل أن يبدأ البرهان جولته الخارجية، أصدر قرارات بإعفاء وتعيين مجالس ومدراء عشرات الجامعات الحكومية، بالتزامن مع عودة المئات من كوادر النظام السابق إلى مؤسسات الدولة. وحذر المجلس المركزي للحرية والتغيير، في بيان أمس، من تسارع وتيرة النكوص عن أهداف الثورة السودانية، وإعادة كوادر النظام السابق وفك تجميد حساباتهم وحسابات واجهات حزب المؤتمر الوطني المحلول. ووصف قرارات البرهان التي طالت المؤسسات العلمية الحكومية، بالتجريف ومحاولات إعادة تمكين كوادر النظام السابق.
وقال المجلس المركزي للحرية والتغيير في بيان أمس: “تابعنا وجماهير شعبنا قرارات السلطة الانقلابية بإعفاء وتكليف مجالس ومدراء لجامعات ومؤسسات التعليم العالي في محاولة واضحة لتجريف الصروح العلمية وإعادتها لحضن نظام الإنقاذ وكوادره”. وأضاف: “لا نريد الخوض في قانونية ومشروعية القرار باعتبار أن رأس السلطة الانقلابية نفسه في وضع غير دستوري ولا يستند لقانون”، معتبراً التكاليف الجديدة، عطاء من لا يملك لمن لا يستحق من منسوبي النظام السابق، الذي أسقطته الثورة الشعبية في أبريل/نيسان2019.
ولفت لما وصفه بالإعفاء والفصل الممنهج لإدارات وزارة التربية والتعليم والمدارس بالمراحل المختلفة، والذي شمل كل من شارك في إضراب المعلمين وناهض السلطة الانقلابية. واحتجاجاً على قرارات إعفاء مجالس ومدراء الجامعات، أعلن مجلس عمداء جامعة الخرطوم، أمس الخميس، تقديم استقالات جماعية من مناصبهم الإدارية، مؤكدين رفضهم القاطع للتدخل في شؤون الجامعات وإدارتها من قبل السلطات العسكرية.
وبعد اجتماع طارئ لمجلس عمداء جامعة الخرطوم، بخصوص حل البرهان لمجالس الجامعات الحكومية، وإعفاء مديري الجامعات ونوابهم، وتعيين آخرين. أعلن أعضاء المجلس في بيان، أمس، اتخاذ كافة الخطوات التصعيدية داخلياً وخارجياً لمناهضة هذه القرارات، واصفاً إياها بالتعدي السافر على مبدأ سيادة حكم القانون، وأحكام الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية التي زعمت السلطة العسكرية تمسكها بها، حاكماً وحكماً لما أسمته بالمتبقي من الفترة الانتقالية.
واعترض البيان على تعيين قائد الجيش، مدير ونائب مدير لجامعة الخرطوم، مؤكدة أنه خرق واضح للوثيقة الدستورية. وأجمع أعضاء المجلس على مناهضة قرارات الإعفاء والتكليف قانونياً، وتقديم طعن أمام المحاكم والأجهزة المختصة، مشددين على تمسكهم باستقلالية الجامعة، كما أكدت عليها كافة الأجهزة المختصة بالجامعة. وسبقهم تجمع أساتذة جامعة السودان، الخميس، الذي أعلن تقديم 19 عميداً و8 من نواب العمداء والإداريين، استقالات جماعية رفضاً لقرارات حل مجالس الجامعات وإعفاء المديرين وتعيين آخرين، واصفين الخطوة بغير القانونية.
ومساء الثلاثاء الماضي، أصدر البرهان قراراً بحل مجالس أمناء الجامعات الحكومية، وإعفاء مدراء ثلاثين جامعة، مطالباً الجهات المختصة وضع القرار موضع التنفيذ. وبعدها، أصدر قراراً آخر بتعيين مدراء ونواب مدراء للجامعات الحكومية، الأمر الذي يعتبر من اختصاصات رئيس مجلس الوزراء. ومنذ استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي، بعد انهيار اتفاق الإعلان السياسي الموقع بين البرهان وحمدوك، والبلاد تعيش فراغاً حكومياً ودستورياً، فضلاً عن حالة الطوارئ المفروضة منذ بداية الانقلاب.
ووقع البرهان وحمدوك إعلاناً سياسياً في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، أعاد حمدوك لمنصبه كرئيس للوزراء، بعد خمسة أسابيع قضاها في الإقامة الجبرية، عقب الانقلاب. وبينما كان ينتظر أن تهدئ عودة حمدوك ذي الشعبية الواسعة الشارع الغاضب، ازدادت وتيرة التظاهرات، معتبرة الاتفاق محاولة لمنح الانقلاب الشرعية.
ومع تواصل الانتهاكات وحالة الطوارئ، أعلن حمدوك بعد ستة أسابيع فقط، استقالته مؤكداً أنه لم ينجح في خلق التوافق المطلوب للخروج من الأزمة. وشدد على ضرورة حماية الحريات وإيقاف العنف ضد المتظاهرين. وبينما يستمر الرفض الشعبي للانقلاب لأكثر من خمسة أشهر، وتعتقل الأجهزة الأمنية العشرات من أعضاء لجان المقاومة وقادة المجلس المركزي للحرية والتغيير، تشهد البلاد أزمات سياسية واقتصادية وأمنية حادة، وارتفاعاً كبيراً لمعدلات الجريمة. وقال المجلس المركزي للحرية والتغيير في بيان أمس، أن الانفلات الأمني الذي تشهده العاصمة الخرطوم ومدن أخرى مؤشر خطير لمستقبل البلاد، ومحاولة لاستخدام سيناريو الفوضى والانفلات الأمني. وأضاف البيان: “جرب نظام الجبهة الإسلامية سيناريو الفوضى والانفلات الأمني مرات عديدة، ولم يحقق إلا مزيداً من الحنق والغبن حتى سقط بإرادة الشعب”. وتابع: “إن الانفلاتات الأمنية التي تشهدها الخرطوم، والصراعات القبلية التي تشهدها بعض المدن مثل كسلا شرقي السودان وجنوب دارفور، الواقعة غرباً، تعد مؤشراً خطيراً لمستقبل البلاد وأياماً كالحات إن لم تتعجل قوى الثورة جميعها في التوحد خلف راية واحدة وتحت شعار: “تسقط بس”.
وأكد المجلس المركزي للحرية والتغيير أنه سيظل يتقدم التظاهرات ويرصد ويوثق كل الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها السلطة العسكرية من استخدام للعنف المفرط والاعتقال والقتل للمتظاهرين السلميين، مشدداً على عدم الإفلات من العقاب.