في أقل من ست دقائق، يطرح الموسيقي الأمريكي تشارلز آيفز، من خلال مقطوعته القصيرة «سؤال بلا إجابة» The Unanswered Question السؤال الأكبر في هذا الكون وهو سؤال الوجود. ويعبر عن تلك الرغبة الأبدية في معرفة السر واكتشافه، على الرغم من أنه أشار في العنوان، الذي اختاره لمؤلفه الموسيقي إلى استحالة ذلك، وأنه يعلم مسبقاً ويوقن بأن السؤال لا جواب له.
انطلق تشارلز آيفز إذن عند تأليفه لهذه القطعة الموسيقية من فكرة فلسفية، جعلته يتعامل مع العقل لا العاطفة، فهو لا يعبر عن المشاعر، بقدر ما يعبر عن الحيرة الفكرية، والذهن المؤرق بالسؤال، والعقل المحدود بإمكانياته الاستكشافية والاستيعابية في الوقت ذاته، ولا يجد المستمع أي ملامسة للشعور الإنساني بالعجز والهزيمة، والضعف البشري في مواجهة الكون وأسراره الغامضة، فالموسيقى لا تغادر منطقة الفكر والعقل، وما يدور في داخل كل منهما من تساؤلات، ولا تهتم كثيراً بتصوير المأساة وما ينتج عنها من صراعات.
تعد مقطوعة «سؤال بلا إجابة» من الأعمال الفريدة في ميدان الموسيقى الكلاسيكية، ولها فرادتها كذلك وسط كل ما أنتجه تشارلز آيفز في تاريخه الموسيقي. فهي من أقصر مؤلفاته وقد تكون أقصرها على الإطلاق من ناحية المدة الزمنية، وتميزها أيضاً شدة التكثيف والتجريد، فهي موسيقى تكاد تكون خالية من اللحن، إذا أمكن القول، فلا وجود لثيمة جميلة ممتعة، أو ميلودي رائع، أو عدة خطوط ميلودية تتداخل وتتلاقى لتصنع التعقيد الفني العميق. كما أن الأوركستراسيون يعد بسيطاً للغاية، ولا يعني هذا قلة عدد وأنواع الآلات الموسيقية المستخدمة وحسب، لكنه يعني أيضاً أن توظيف تلك الآلات القليلة نفسها كان محدوداً ومقيداً بقصد من المؤلف. فالاعتماد على الوتريات مثلاً بشكل أساسي، لم يذهب إلى حد الانطلاق بالنغم وارتفاع الأصوات، فالأقواس تكاد تكون ساكنة ثابتة فوق الأوتار في أغلب الوقت، وإن تحركت، فهي حركات محكومة ومتحفظة إلى أقصى درجة. ومن يشاهد العازفين أثناء الاستماع إلى المقطوعة، يدرك مدى صعوبة العزف على هذا النحو وبهذه الطريقة، وصعوبة الالتزام بهذا الإيقاع الحركي البطيء للأقواس، ومرورها الدقيق على الأوتار.
ولد الموسيقار تشارلز آيفز عام 1874 في ولاية كونيكتيكت، وتوفي في نيويورك عام 1954، ويعد من أهم الموسيقيين الأمريكيين، ويعتبره البعض مشابهاً لكل من باخ وشونبرج، وربما هو بالفعل يمثل صلة ما بينهما. فقد كان تشارلز آيفز يتدرب منذ صغره على موسيقى باخ، وكان عازفاً على الأرغن مثله، وكذلك كان يجيد تقنيات الهارموني والكونترابنط وتعدد المقامات، وقد يتشابه أسلوبه الحديث والتقدمي في التأليف الموسيقي مع أسلوب أرنولد شونبرج إلى حد ما.
بالكاد تُسمع الموسيقى في افتتاحية مقطوعة «سؤال بلا إجابة» من خلال أصوات ضعيفة تصدرها الوتريات على درجة كبيرة من الاستحياء قد تقل عن الهمس، وقد يشعر المستمع بأن هذه الأصوات الخافتة توشك أن تتلاشى أحياناً.
وقد قام تشارلز آيفز بتأليف مقطوعة «سؤال بلا إجابة» عام 1908، ولا يمكن القول إنها من القطع الموسيقية الممتعة تماماً والغنية بالأنغام. لكنها جاذبة بدرجة كبيرة من ناحية الموضوع والشكل الفني، ولها جاذبية السؤال نفسه، ومثيرة كتلك الرغبة في معرفة سر الوجود الخفي عن البشر، كما أنها تمسك بالمستمع ولا تتركه إلا وقد بثت من حيرتها في نفسه، وقد كان من الممكن أن يمنح الموسيقار تشارلز آيفز هذا الموضوع وذلك السؤال الذي بلا إجابة، وقتاً موسيقياً طويلاً من أجل التعبير عنه، بأبعاده الوجودية والكونية.
وكان من الممكن أن تمتد الموسيقى زمنياً إلى أكثر من ساعة مثل بعض الأعمال الأخرى، لكنه منحها ذلك الوقت القصير وأرادها على هذا الشكل وداخل إطار هذا البناء الفني والموسيقي، الذي يعد نموذجاً لتكثيف التعبير والتركيز على الجوهر، والتجرد والابتعاد عن الكثير، أو ربما كل ما يعد جماليات وحليات وزخرفات زائدة لا لزوم لها من منظور البعض، ولا ترتبط ارتباطاً أصيلاً بموضوع القطعة الموسيقية المختصر المباشر.
كما أن تشارلز آيفز تخلص من أي دراما قد تلحق بموسيقاه، فلا تتصارع الآلات الموسيقية على سبيل المثال، ولا يدور حوار صاخب بينها، وليس هناك وجود لمشاعر حادة متصاعدة كالخوف والقلق، أو الحزن والجزع، فالسؤال يطرح هادئاً بكل بساطة، والجواب لا يأتي، ويتكرر السؤال بحثاً عن الإجابة بلا طائل ودون أي جدوى.
بالكاد تُسمع الموسيقى في افتتاحية مقطوعة «سؤال بلا إجابة» من خلال أصوات ضعيفة تصدرها الوتريات على درجة كبيرة من الاستحياء قد تقل عن الهمس، وقد يشعر المستمع بأن هذه الأصوات الخافتة توشك أن تتلاشى أحياناً، حيث تتحرك الأقواس على الأوتار ببطء شديد هو أقرب إلى السكون والجمود، ويقوم الترومبيت بمنح بعض الدعم النغمي والقوة الصوتية لهذه الأصوات الضعيفة الخافتة، وكذلك يفعل الفلوت والكورنيه الإنكليزي أيضاً في بعض اللحظات.
وهذه هي كل الآلات الموسيقية التي اعتمد عليها تشارلز آيفز في هذه القطعة الموسيقية الفريدة، فلم يضم إلى الأوركسترا سوى الوتريات بمجموعات الكمان والفيولا والتشيللو والكونترباص، ومن الآلات الهوائية النحاسية لم يستخدم سوى آلة الترومبيت، ولم يوظف سوى آلة الفلوت وآلة الكورنيه الإنكليزي من الهوائيات الخشبية، وعادة يكون هناك ثلاث آلات من الفلوت، بينما لا يوجد سوى ترومبيت واحد وكورنيه إنكليزي واحد.
لا يكون المستمع واثقاً من أن الموسيقى قد بدأت في افتتاحية المقطوعة، وكذلك لا يكون واثقاً من انتهائها في الخاتمة، وأنها قد صمتت تماماً، ويبدو أن الموسيقار تشارلز آيفز تعمد خلق هذا الإحساس لدى المستمع، حيث يطغى الشعور بسيولة الموسيقى وتمددها وانتشارها في أشكال غير محددة، وربما تعمد الإيحاء بقوة بفكرة اللانهائية، وربما يشعر البعض بأنه يحاول خلق بعض الشعور بالرهبة والأجواء الروحية، إلا أنه مع الإصغاء بتمعن وإعادة الاستماع تتلاشى هذه الفكرة، ويبدو عدم صحتها، فهو ربما ذهب إلى بعض الأجواء الروحية في مجموعة من مؤلفاته الأخرى، كسيمفونيته الثالثة بطابعها الكنسي، التي تعد من أشهر أعماله، لكنه ابتعد عن هذا الاتجاه على ما يبدو في مقطوعة «سؤال بلا إجابة».
كاتبة مصرية