بعد المواجهة مع واشنطن… الصين تؤكد للاتحاد الأوروبي علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا

حسين مجدوبي
حجم الخط
5

لندن ـ «القدس العربي»: فشلت الولايات المتحدة في إقناع الصين بضرورة شجب والتنديد بالحرب الروسية ضد أوكرانيا، ويحاول الاتحاد الأوروبي من خلال اللقاءات الأخيرة ومنها التي جرت الجمعة من الأسبوع الجاري بين الرئيس الصيني شي جينغ بينغ ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل محاولة تكرار المحاولة للحصول على الحد الأدنى من التزام الصيني بعدم تشجيع موسكو على الذهاب بعيدا في هذه الحرب. غير أن كل المؤشرات تشير إلى حسم الصين موقفها وهو استغلال هذه الحرب لوضع حد لهيمنة القطب الغربي على قرارات العالم.

ومنذ بداية الحرب الروسية ضد أوكرانيا يوم 24 شباط/فبراير الماضي، تعرضت الصين لضغط هائل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بحكم أنها الوحيدة القادرة على لعب دور هام في إيقاف الحرب سواء بعدم دعم موسكو وجعلها وحيدة في العالم وكأنها «دولة مارقة» أو الضغط على الرئيس فلاديمير بوتين لوقف هذه الحرب في أقرب وقت. في الوقت ذاته، يبدو أن الدور الصيني في وقف الحرب هو القادر على إنقاذ الغرب من «العجز البين» على تقديم مساعدة عسكرية حقيقية إلى أوكرانيا، وهو القادر على تجنيب اتساع الحرب نحو باقي أوروبا.
وجاءت مساعي الغرب في حواره مع الصين عبر مراحل وبخطاب مزدوج بين الصرامة والدبلوماسية الهادئة، حيث تولى الرئيس الأمريكي جو بايدن المهمة منذ أكثر من أسبوعين من خلال المكالمة الهاتفية الطويلة مع نظيره الصيني شي جينغ بينغ، ثم اللقاءات التي عقدتها قيادة الاتحاد الأوروبي يومي الخميس والجمعة من الأسبوع الجاري.
وفشلت مساعي الغرب للضغط أو التحاور مع الصين لأسباب متعددة. فقد جاءت في سياق تهديدات وأخبار «مغلوطة» وجهتها أوساط غربية ضد بكين ومنها الترويج لفرضية مساعدة بكين العسكرية لروسيا، ثم تهديد واشنطن بمعاقبة بكين إذا عمدت إلى مساعدة الاقتصاد الروسي الذي يتعرض لعقوبات علاوة على اتهام الصين بالصمت لاستغلال غزو أوكرانيا للتمهيد لغزو جزيرة تايوان التي تطالب الصين باستعادتها.
ولعل أسوأ ما يمكن القيام به تجاه الصين هو تهديدها بالعقوبات والتعامل معها وكأنها دولة تخضع للأوامر، وهي التي تعمل على إقناع شعبها بمكانة الصين العالمية واستعدادها لريادة العالم. وهذا ما وقع في طريقة تصرف واشنطن بالتهديد مع بكين، حيث جاء الرد الصيني متطرفا بتوجيه اتهامات إلى واشنطن واتهامها بالإعداد لحرب باردة جديدة بل ومطالبتها بتوضيح ما صدر عن روسيا بوجود خبراء أمريكيين في أوكرانيا كانوا يجرون تجارب على أسلحة كيميائية وبيولوجية في هذا البلد. وتروج وسائل الإعلام الرسمية في الصين لأطروحة وقوف الولايات المتحدة وراء الحرب الحالية بتوظيف أوكرانيا ضد روسيا ولاحقا ضد الصين.
ويحاول الاتحاد الأوروبي تبني استراتيجية هادئة مع الصين مختلفة عن واشنطن، وهي الرسالة التي حاول التعبير عنها في القمة التي جمعت بين الرئيس الصيني ورئيس المفوضية الأوروبية ورئيس مجلس أوروبا هذه الجمعة. لقد قرر الاتحاد الأوروبي الخطاب نفسه بضرورة نأي الصين بنفسها عن مساعدة روسيا في هذه الحرب بهدف وقف موسكو عملية الغزو، لكن هذه المرة بعيدا عن التهديدات. وبدورها، كانت القيادة الصينية هادئة ولكن صارمة في مواقفها التي تجلت في: أولا مطالبة الاتحاد الأوروبي بتبني سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة خاصة سياسته تجاه بكين، ثانيا، وقف سياسة العقوبات الاقتصادية كسلاح في العلاقات الدولية، وثالثا، احترام قرار الصين التعامل مع روسيا اقتصاديا ضمن حرية التبادل التجاري القائم بينهما. والنقطة الأخيرة الهامة هي التي تقدم بها الرئيس الصيني بقوله للأوروبيين إنه في ظل هذه الظروف يتعين على الصين وأوروبا، بوصفهما قوى وأسواق وحضارات عالمية كبرى، تكثيف الاتصالات والقيام بدور بناء في علاقاتهما وفي القضايا الرئيسية للسلام والتنمية في العالم لخلق عوامل استقرار في فترة مضطربة.
والغرب أمام مهمة مستحيلة في زعزعة الصين من موقفها الاستراتيجي تجاه هذه الأزمة ودعم روسيا، وهو ما دفع بجريدة كبيرة مثل «لوموند» إلى التعليق هذه الجمعة على القمة الأوروبية-الصينية «الحرب في أوكرانيا: حوار الصم بين الصين والاتحاد الأوروبي».
وعمليا، يبقى الحوار الأصم لأن رغبة الاتحاد الأوروبي هي فصل الصين عن روسيا، بينما تؤمن بكين إيمانا راسخا بأن هذه الحرب ترغب في ضرب العلاقات الاستراتيجية بينها وبين موسكو ليستمر الغرب في ريادة العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية