لندن ـ «القدس العربي»: تواجه عدد من المدن في العالم، وربما جزر ودول بأكملها أيضاً، خطر الغرق في البحار خلال السنوات أو العقود المقبلة، وهو ما يُسبب قلقاً بالغاً لدى العلماء الذين ينهمكون في البحث عن طريقة لحماية البشرية من هذه التحولات.
وأظهرت أحدث الأرقام والبيانات أن مستويات البحر آخذة في الارتفاع بسرعة، حيث كانت ترتفع 1.4 ملم سنويا خلال معظم القرن العشرين، لكن هذا الرقم سجل ارتفاعاً حاداً إلى 3.6 ملم سنويا خلال الفترة من 2006 إلى 2015 بحسب ما قالت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي «NOAA» في الولايات المتحدة. ويتوقع الخبراء في هذه الإدارة أن مستويات سطح البحر سترتفع على الأرجح بمقدار قدم واحد (0.3 متر) فوق المستويات التي شوهدت في عام 2000 وذلك بحلول بداية القرن المقبل، بحسب ما نقل تقرير نشره موقع «لايف ساينس» واطلعت عليه «القدس العربي».
وتقدر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة أن البحار والمحيطات سترتفع بمقدار 16 إلى 25 بوصة (40 الى 63 سنتيمترا) بحلول العام 2100 وهو ما يعني أن العالم يتجه نحو كارثة محققة خلال أقل من ثمانين عاماً فقط.
وحسب دراسة أجريت في العام 2019 ففي حالة ارتفاع مستويات سطح البحر إلى هذا الحد، فقد يتسبب ذلك في حدوث فوضى في جميع أنحاء العالم، حيث أن ما يصل إلى 250 مليون شخص، موزعون على جميع القارات، يمكن أن «يتأثروا بشكل مباشر» بحلول عام 2100.
وتساءل التقرير الذي نشره موقع «لايف ساينس» عما إذا كانت أي من البلدان أو المدن أو الدول ستختفي تماما من حياتنا خلال العقود المقبلة، وهل هناك أي شيء يمكن فعله لتجنب هذه الكارثة؟
ونقل الموقع عن جيرد ماسيلينك، الأستاذ في الجيومورفولوجيا الساحلية بجامعة بليموث في بريطانيا قوله «إن اختفاء المدن أو البلدان يعتمد على ما إذا كنا كبشر نفعل شيئا لمواجهة التهديد. معظم هولندا تحت مستوى سطح البحر بالفعل ولكنها لا تختفي، لأن الهولنديين يبنون ويحافظون على دفاعاتهم الساحلية».
ولمعرفة الدول التي يتوقع أن تكون الأكثر تضرراً من ارتفاع مستويات البحار والمحيطات، يقول اتحاد العلماء المهتمين «UCS» إن جزر المالديف، المكونة من 1200 جزيرة مرجانية صغيرة ويقطنها حوالي 540 ألف شخص، هي الدولة الأكثر تسطحا على وجه الأرض، بمتوسط ارتفاع يبلغ 3 أقدام (1 متر) فقط، وفي حال شهدت جزر المالديف ارتفاعا في مستوى سطح البحر بمقدار 1.5 قدم (45 سم) فقط، فسوف تفقد حوالي 77 في المئة من مساحة أراضيها بحلول عام 2100.
وبحسب اتحاد العلماء ذاته فهناك دولة أخرى ذات متوسط ارتفاع منخفض للغاية – حوالي 6 أقدام (1.8 متر) فوق مستوى سطح البحر – وهي كيريباتي، حيث يمكن لهذه الجزيرة الصغيرة الواقعة في قلب المحيط الهادئ، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 120 ألف نسمة، أن تفقد ثلثي أراضيها إذا ارتفع مستوى سطح البحر بمقدار 3 أقدام.
وفي الواقع، من المرجح أن يتأثر كل من يعيش على جزيرة في المحيط الهادئ بشدة من ارتفاع مستوى سطح البحر. ويعيش حوالي 3 ملايين من سكان جزر المحيط الهادئ على بعد 6.2 ميل (10 كم) من الساحل، وبالتالي، قد يحتاجون إلى الانتقال قبل نهاية القرن، وفقا لشبكة العلوم والتنمية، وهي منظمة غير ربحية تركز على تسهيل التعلم العلمي.
وحسب «لايف ساينس» فقد أدى ارتفاع مستوى سطح البحر بالفعل إلى اختفاء ما لا يقل عن خمس جزر مرجانية نباتية كانت في السابق جزءا من جزر سليمان، مع ست جزر أخرى تعاني من ركود ساحلي شديد، وفقا لدراسة أجريت عام 2016.
لكن الأكثر خطورة من هذه الجزر الصغيرة، بحسب «لايف ساينس» والذي يتوقع أن يتأثر سكانه، هو الصين، حيث يعيش 43 مليون شخص في مواقع ساحلية غير مستقرة.
كما تشمل البلدان الأخرى المعرضة لمواجهة قضايا رئيسية تتعلق بارتفاع مستويات سطح البحر بنغلاديش، حيث سيتعرض 32 مليون شخص للخطر بحلول عام 2100 والهند، مع 27 مليونا، بحسب ما يقول تقرير «لايف ساينس».
لكن التقرير يؤكد أنه على الرغم من أن العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم تستعد لرؤية عواقب ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل مباشر بحلول نهاية القرن وسيتأثر ملايين عديدة، يبدو من غير المحتمل أن تختفي أي دولة، حتى تلك ذات الارتفاعات المنخفضة للغاية.
وتعد جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، واحدة من أوضح الأمثلة على ارتفاع منسوب مياه البحر الذي يسبب صعوبات كبيرة في العالم الحقيقي.
وتلقت جاكرتا، التي يقطنها حوالي 10 ملايين نسمة، لقب «أسرع مدينة غارقة في العالم» من قبل هيئة الإذاعة البريطانية، حيث تغرق بمقدار 2 إلى 4 بوصات (5 إلى 10 سم) كل عام بسبب «الصرف المفرط للمياه الجوفية».
ويقول الخبراء إنه من الممكن أن يكون جزء كبير من جاكرتا تحت الماء بحلول عام 2050. وفي الواقع، وضع جاكرتا مروع للغاية بحيث يتم استبدالها كعاصمة إندونيسيا بنوسانتارا، وهي مدينة سيتم بناؤها قريبا على الساحل الشرقي لبورنيو، حوالي 1200 ميل (2000 كم) من جاكرتا.
لكن جاكرتا ليست المدينة الوحيدة ذات المستقبل الغامض، حيث وفقا للمنتدى الاقتصادي العالمي، بحلول عام 2100 فإن مدينة دكا في بنغلاديش (عدد سكانها 22.4 مليون)؛ ولاغوس في نيجيريا (عدد السكان 15.3 مليون)؛ وبانكوك في تايلاند (9 ملايين نسمة) يمكن أن تغرق بالكامل أو أن مساحات شاسعة من الأرض ستكون مغمورة بالمياه وغير صالحة للاستعمال.
ومن المحتمل أيضا أن يؤثر ارتفاع مستويات سطح البحر بشكل كبير على الولايات المتحدة. واستنادا إلى التوقعات الأخيرة، قد تواجه العديد من المدن الأمريكية مشكلات خطيرة بحلول عام 2050 حيث من المحتمل أن تصبح مساحات شاسعة من الأراضي غير صالحة للعيش.
ووفقاً للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي فإنه «في العديد من المواقع على طول ساحل الولايات المتحدة، أصبح فيضان المد العالي الآن 300 في المئة إلى أكثر من 900 في المئة أكثر تواترا مما كان عليه قبل 50 عاما» ما يشير إلى أن مستويات سطح البحر هي سبب وجيه للقلق.
وأعلن المسؤولون في مقاطعة ميامي ديد بولاية فلوريدا مؤخرا عن استراتيجية التخفيف التي ستشمل «رفع المنازل والطرق» بالإضافة إلى إنشاء مساحة مفتوحة تسمح بحدوث الفيضانات دون الإضرار بالبنية التحتية، وفقا لصحيفة «نيويورك تايمز». ومع ذلك، لم يتم الترحيب بهذه الخطط، حيث قال بعض الخبراء، مثل روب مور، كبير محللي السياسات في مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «ليس متأكدا مما إذا كان حقا يتعامل مع المشكلات الموجودة في مستقبل ميامي» بينما أشار آخرون إلى أن المقترحات «قللت من حجم التهديد».