القاهرة ـ «القدس العربي»: في السياق العام الثقافي المصري التونسي استضافت مجلة «أدب ونقد» ورئيس تحريرها الشاعر والناقد عيد عبد الحليم الصادرة عن حزب التجمع في القاهرة، مؤتمرا بعنوان «المشترك الثقافي بين مصر وتونس.. الواقع والآمال» ترأسه الأكاديمي المصري حاتم الجوهري. وجاءت جلسات المؤتمر من خلال العديد من الأبحاث، التي تحاول الإشارة إلى المشترك الثقافي بين البلدين، جاء ذلك من خلال (21) ورقة بحثية، توزعت على سبعة محاور هي.. المشترك الثقافي العربي وتدافعاته النظرية، المسارات التطبيقية للمشترك الثقافي العربي، المشترك الثقافي بين التراث والمفاهيم الجديدة، حضور المشترك الثقافي في الأمثال الشعبية، أنماط المشترك الثقافي في القصص والسير الشعبية، تمثل المشترك الثقافي في الشعر الشعبي وألعاب الأطفال، ومتغيرات المشترك الثقافي في الأزياء والممارسات العلاجية. وسنحاول استعراض أهم الأبحاث التي شارك بها عدة باحثين وأكاديميين من بعض الدول العربية، نذكر منهم.. فراس الطرابلسي، أحمد سعد إبراهيم، إيهاب إسكندر، قدورة العجني، فيصل الموصلي، أريج زهران، سامح شوقي، عبد الكريم براهمي، السيد نجم، أحمد برقاوي، وزينب المنسي.
فلسفة المشترك الثقافي
تحت هذا العنوان قدّم حاتم الجوهري ورقته المشاركة، التي تعد في الوقت نفسه مقدمة عامة وبياناً تأسيسياً لفكرة المؤتمر وأبحاثة، مؤكداً بداية أهمية وجود مدرسة للدراسات الثقافية المقارنة عربياً، تؤمن بأهمية تجاوز تناقضات مرحلة إرث القرن الماضي (ما بعد الاستقلال) وتتجاوز مفهوم الدراسات الثقافية غربية المنشأ. موضحاً خلل تطبيق هذه الدراسات على واقعنا العربي، حيث قامت فكرة الدراسات الثقافية على الانتصار للهوامش نتيجة أزمة اليسار الأوروبي، حين عجز عن مواجهة المتون الرئيسية الحاكمة في المشروع الغربي، فبديلاً عن طرح مشاريع كبرى للتعامل مع المجتمع الغربي ككل، اختاروا منهج البحث الثقافي عن الطبقات والعوامل الكامنة والفرعية وراء الظواهر الإنسانية، من أجل الانتصار لتلك الهوامش أياً كانت. وبذلك تحول (الانتصار للهامش) إلى أيديولوجية جديدة عند بعض الأوروبيين وأنصار (ما بعد الحداثة). ويرى الجوهري أنه حين انتقلت الدراسات الثقافية إلى العالم العربي، انتقلت حاملة آفاتها وسياقاتها المشوّهة، وكأنها مقدس أو تابو أو ديانة جديدة، فتم تطبيق المناهج الثقافية في المشهد العربي وفق أيديولوجيا الانتصار للهامش. وأخيراً.. فالبحث عن المشترك الثقافي العربي سيتم أيضاً من خلال (المنهج الثقافي) لكن مع اختلاف فلسفته عن فلسفة الدراسات الثقافية الغربية، ويتمثل ذلك في استخدام (المنهج الثقافي المقارن) بحثاً عن (المشتركات الثقافية) والتأكيد عليها وتفعيلها.

الإشكالية والحضور العربي
أشار الباحث والأكاديمي اليمني قاسم المحبشي إلى خصوصية الحالة العربية التي تجمدت عند اللحظة التاريخية لمرحلة ما بعد الاستقلال، والتي خلفت استقطاباً ما زال إرثه والحنين له ـ كرد فعل ـ شوّش على الحلم العربي للخروج للمستقبل. وبعيداً عن نظرية المؤامرة، فإن العولمة بوصفها ثورة، المسألة الأوروبية ليست بريئة أيديولوجياً أو محايدة النزعة، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال منظومتها الإعلامية الشاملة، والمتمثلة في التركيز مثلاً على قضيتي الجسد والجنس، مما يبدو أنها على علم مسبق بالحاجات والرغبات المتأصلة في أعماق الإنسان العربي وغيره من شعوب الجنوب. من ناحية أخرى هناك حالات متعددة من الاغتراب يعانيها الإنسان العربي.. أولها الاغتراب السياسي حيث الانفصال بين السلطة والمجتمع، وكذلك الاغتراب الروحي والنفسي والطبقي، كل ذلك يؤدي إلى مسخ شخصية الإنسان العربي وضياع هويته.
السيرة الهلالية بين مصر وتونس
تعد السيرة الهلالية تراثاً مشتركاً بين العديد من الدول العربية، ويلفت الأكاديمي المصري والباحث في التراث أحمد سعد إبراهيم إلى المشترك بين مصر وتونس في هذه الملحمة العربية. ويرى إبراهيم بداية أن أول ما يميز السيرة الهلالية أنها لم ترتبط حرفياً ببطل واحد، فكل منطقة تختار بطلها، ففي بلاد المغرب يكون البطل هو الزناتي خليفة، بينما أبو زيد الهلالي هو البطل في المشرق العربي، أما في الجنوب فالبطل هو دياب بن غانم. ومن ناحية أخرى تبدو وجهة النظر المختلفة من قِبل الرواة أنفسهم، ففي مصر على سبيل المثال تُسمى (تغريبة بني هلال) لأنهم ذهبوا ولم يعودوا، أو لم يعد إلا القليل. بينما في تونس يسمونها (زحف بني هلال) المخربين الهمج.
أما على مستوى (الأداء) فيشير الباحث إلى أن راوي السيرة لا يقتصر دوره على مجرد ناقل للحكاية، بل لكل مؤد شخصيته، فهو يحذف ويُضيف، ويتنوع في أداء المقاطع، الحماسية منها بشكل خاص، وبالتالي فهو يُعيد إنتاج الحكاية من وجهة نظره وقناعاته، ومدى تفاعله مع شخصية أو حدث معين. وبالنسبة لطريقة الأداء، فهناك الكثير من الاختلاف بين مصر وتونس، ففي الجنوب التونسي يُطلق على المؤدي (حكواتي) وفي مصر يسمى (الشاعر) وبينما يؤدي الأول بمصاحبة موسيقى في الخلفية فقط، يعتمد الثاني على آلة الربابة، وهو عازفها المحترف الأول، وتشاركه في ذلك جوقة بسيطة من عازفي الرباب، يُشكلون الخلفية الموسيقية المُصاحبة.

التوصيات
وفي الأخير خرج المؤتمر بعدة توصيات منها.. الترويج لمدرسة «الدراسات الثقافية العربية المقارنة» ومنهجها حول فلسفة «المشترك الثقافي» بديلا عن الدرسات الثقافية الأوروبية التي عمدت لتفجير التناقضات العربية، وبدت كما لو أنها دراسات استعمارية. اعتبار المؤتمر نواة لعدة مشاريع بحثية مقبلة، بين الدول العربية على المستوى الثنائي، وصولا وتمهيداً لعقد عدة مؤتمرات عربية جامعة لدراسة كليات وعموميات فكرة المشترك الثقافي، والدراسات الثقافية العربية المقارنة. تذليل الصعاب العلمية أمام هذا المجال البحثي والعلمي الجديد، بدعوة الدول العربية لإنشاء كراسي علمية وتخصصات أكاديمية لموضوع «الدراسات الثقافية العربية المقارنة» وتبادل المنجز المعرفي بين الدول العربية، بما يمهد الطريق لإجراء المقارنات والخروج بالمشتركات. التأكيد على أن المشترك الثقافي العربي وفلسفته التي تدعو لها مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة، ليس ضد التنوع المتعايش في «مستودع الهوية» العربي بطبقاته المتراكمة، لكنه ضد تفجير هذا التعايش بحجة الانتصار للهوامش كفلسفة روجت لها الدراسات الثقافية الغربية ومن اتبعوها. تجاوز إرث التناقضات الثقافية تركة «مرحلة ما بعد الاستقلال» في الدول العربية، والدعوة إلى إعادة توظيف عناصر المشترك الثقافي، والسعي للترويج للفكرة وطرحها للتداول العالمي وتعديل الاتفاقيات الثقافية الدولية ذات الصلة. التأكيد على فلسفة «التجاوز والتحرر» التي تطرحها مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة وفلسفتها عن المشترك الثقافي، بديلا للتيارين الرئيسيين اللذين ظهرا في القرن العشرين عند الذات العربية وصراعها حول التمترس حول التراث والذات العربية، أو الانسلاخ عن التراث والتمترس حول الذات الأوروبية، والبحث عن مقاربات معرفية جديدة.