القاهرة – «القدس العربي»: طالبت 7 منظمات حقوقية بينها “هيومن رايتس ووتش”، و”معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط”، صندوق النقد الدولي بربط قرض جديد يتفاوض عليه في الوقت الراهن مع مصر، بمنح المصريين المزيد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز استقلال القضاء والتحلي بالمزيد من الشفافية حول دور الجيش في الاقتصاد.
وفي 23 مارس/آذار الجاري، طلبت الحكومة المصرية رسمياً دعماً من صندوق النقد الدولي للمساعدة في تخفيف التداعيات الاقتصادية المتعلقة بغزو روسيا لأوكرانيا.
وحسب المنظمات، يجب ألا يوافق صندوق النقد للسلطات المصرية على أي برنامج قروض يرفع تكلفة المعيشة دون زيادة الاستثمار بشكل كبير في برامج الحماية الاجتماعية الشاملة لضمان الحق في مستوى معيشي لائق، بما فيه الغذاء، للجميع.
ولفتت في بيانها إلى أنه “حتى قبل وباء كورونا، كان 1 من كل 3 مصريين (حوالي 30 مليون شخص) يعيشون تحت خط الفقر الوطني، وفقاً لـ”الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء” المصري، ونحو ثلث آخر معرضين لخطر الفقر، وفقاً لـ “البنك الدولي”. وحسب البيان: “يغطي برنامَجا التحويلات النقدية في مصر “تكافل” و”كرامة” نحو 11 مليون شخص فقط، ولا يغطيان عشرات الملايين الذين يعيشون في فقر أو معرضين لخطره، حتى مع ارتفاع الأسعار كثيراً، وخاصة المواد الغذائية”.
وتابعت المنظمات: “يدعم برنامج تكافل الأسر الفقيرة التي لديها أطفال دون 18 عاماً، بشرط حضور المدرسة والخضوع للفحوصات الصحية، في حين يغطي برنامج كرامة للتحويل النقدي غير المشروط ذوي الدخل المنخفض الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأيتام”.
ولفت بيان المنظمات إلى أن مصر أنشأت هذين البرنامجين بدعم من البنك الدولي عام 2015 للتخفيف من تأثير التدابير الاقتصادية والمالية الشاملة التي نفذتها بموجب اتفاقية صندوق النقد بين عامي 2016 و2019، أدت هذه الإصلاحات إلى رفع تكلفة المعيشة كثيراً وزيادة الفقر وعدم المساواة.
وواصلت المنظمات في بيانها: “توسيع تغطية وتقديمات هذه البرامج يكتسب أهمية خاصة حيث تتخذ الحكومة تدابير تضر خصوصاً بذوي الدخل المنخفض. تدعم مصر بشكل كبير واردات المواد الغذائية الأساسية لضمان إتاحتها بأسعار معقولة لسكانها البالغ عددهم أكثر من 102 مليون. لكن في أغسطس/آب الماضي، حتى قبل الارتفاع الكبير الأخير في الأسعار، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تخفيض برنامج دعم الخبز الذي استمر عقوداً، والذي يعتمد عليه حوالي 70 مليون مصري”.
وفي يوليو/تموز الماضي، خفضت الحكومة دعمها لزيت عباد الشمس وزيت فول الصويا بنسبة 20%، والزيت النباتي غير المخلوط بنسبة 23.5% بسبب الضغط المتزايد على ميزانية الحكومة بعد ارتفاع الأسعار.
شبكات الأمان الاجتماعي
وتابع البيان: “أدى الوباء، ومؤخراً الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المصريون، ما عزز أهمية التوسع الكبير في شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد. وبلغ التضخم 8.8% في فبراير/شباط الماضي، بعد ارتفاع الأسعار الكبير بسبب الأزمة الأوكرانية.
وأكدت المنظمات أن مصر معرضة بشكل خاص لهذه الصدمات في الأسعار باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، ويأتي 80% منه من أوكرانيا وروسيا، وارتفعت أسعار الخبز غير المدعوم في القاهرة الكبرى بنسبة 50 % منذ بدء الغزو، بحسب تقارير إعلامية.
وفي 20 مارس/آذار، أصدر رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، قراراً بتحديد أسعار الخبز غير المدعوم كاستجابة طارئة للأسعار المتزايدة بشكل حاد.
وكان متوقعاً إعلان الحكومة تفاصيل مقدار خفض دعم الخبز بحلول نهاية مارس/آذار، لكن ليس من الواضح إذا كانت هذه الخطط ستُنفذ في ضوء الأزمة الحالية.
وفي 21 مارس/آذار، أعلنت وزارة المالية مجموعة من الإجراءات الطارئة للتخفيف من الأثر الاقتصادي للغزو الروسي، منها تخصيص 2.7 مليار جنيه مصري إضافي (148 مليون دولار) لإضافة 450 ألف أسرة جديدة إلى برامجَي تكافل وكرامة، بزيادة قدرها 12%. ورفعت الإجراءات أيضاً مخصصات كل أسرة بنسبة 1.5%. لكن الزيادة لا تزال غير كافية لدعم الملايين الذين ما زالوا معرضين لخطر الفقر بشكل حاد. عند النظر في تدابير زيادة الإيرادات الحكومية، وخفض الديون، وتمويل توسيع الحماية الاجتماعية، على صندوق النقد الدولي أخذ الضرائب التصاعدية بعين الاعتبار. وجد تقرير صدر عام 2016 عن منظمة “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” المستقلة لحقوق الإنسان أن أفقر 10% من المصريين ينفقون 6.4% من مداخيلهم على ضريبة القيمة المضافة المفروضة كجزء من برنامج صندوق النقد الدولي، أي نحو ضعف ما يدفعه أغنى أغنياء البلاد، الذين ينفقون 3.3%. رفع قانون ضريبة الدخل الصادر في أبريل/نيسان 2020 معدل الضريبة على من يكسبون 400 ألف جنيه مصري (25 ألف دولار) أو أكثر من 22.5 إلى 25 %، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها منخفضة نسبياً وفقاً للمعايير الدولية.
استقلال القضاء
وإضافة إلى دعم الفقراء، طالبت المنظمات صندوق النقد بإدراج تدابير في أي ترتيبات مستقبلية مع مصر لاستعادة استقلالية القضاء، وقال: “هو أمر أساسي للنمو الاقتصادي ومحاربة الفساد. احتلت مصر المرتبة 136 من 139 دولة في “مؤشر سيادة القانون” التابع لـ “مشروع العدالة العالمية” لعام 2021، مع درجات منخفضة للغاية في عوامل الإنفاذ التنظيمي، والعدالة المدنية، والعدالة الجنائية. أدت التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان المصري عام 2019 إلى تقويض استقلالية القضاء من خلال منح الرئيس سلطات إشرافية غير مقيدة على القضاء والنائب العام، فضلاً عن سلطة تعيين رؤساء الهيئات والسلطات القضائية”.
وسبق لصندوق النقد الدولي أن جعل النهوض باستقلالية القضاء جزءاً أساسياً من برامجه، مثلاً في أوكرانيا. في فبراير/شباط 2021، حجب صندوق النقد الدفعة الثانية من قرض بـ 5 مليارات دولار لأوكرانيا لأسباب منها أن الحكومة لم تحرز تقدماً كافياً في الإصلاح القضائي. بعد أربعة أشهر، أقر البرلمان الأوكراني مشروع قانون لإصلاح المجلس الذي يختار ويقيّم القضاة.
مكافحة الفساد، كانت أحد الشروط التي طالبت المنظمات أن يتضمنه أي اتفاق بين الحكومة المصرية وصندوق النقد، مثل استعادة استقلالية “الجهاز المركزي للمحاسبات” المصري. دأبت الحكومة على تقويض استقلالية هيئاتها الخاصة بمكافحة الفساد ولم تنفذ قوانين مكافحة الفساد. أصدر الرئيس السيسي مرسوماً في يوليو/تموز 2015 يسمح له بإقالة رؤساء عدد من الأجهزة الرقابية، بما فيها الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو هيئة مستقلة لرصد الفساد. كان القانون يمنع سابقاً الرئيس من إقالة رؤساء الأجهزة دون سبب.
وذكر البيان، بواقعة إقالة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، بعد أن أبلغ عن خسائر بقيمة 600 مليار جنيه (نحو 76 مليار دولار حينها) بين 2012 و2015 بسبب الفساد الحكومي. في وقت لاحق عام 2016، أدانت محكمة بالقاهرة جنينة بتهمة نشر معلومات كاذبة.
شركات الجيش
امتداد تدابير الشفافية المتعلقة بالمؤسسات المملوكة للدولة لتشمل شركات الجيش، كان أحد الشروط التي قالت المنظمات إن على صندوق النقد الدولي أن يربطها بحصول مصر على القرض الجديد، وأكدت على ضرورة أن يتحقق بشكل مستقل من أن هذا الإفصاح جزء من مراجعاته.
ولفت بيان المنظمات إلى شركات الجيش لا تخضع لأي إشراف مستقل أو مدني، ما يحرم المصريين من الوصول إلى المعلومات اللازمة لتقييم التكاليف والمستفيدين من المشاريع الممولة من القطاع العام. وجد تقرير شامل عام 2019 أن شركات الجيش المصري تعمل في سرية تامة تقريباً، وتخفي “أوجه القصور والخسائر الخفية”، رغم حصولها على “حصة غير متناسبة من الإيرادات العامة”.
صفوان ثابت
وبحسب المنظمات، “ترافق التوسع الاقتصادي الشرس للجيش مع القمع السياسي المتزايد، بما فيه قمع نخبة رجال الأعمال الذين يُعتبرون معارضين سياسيين”.
وتناول البيان واقعة اعتقال رجل الأعمال المصري صفوان ثابت ونجله سيف ثابت، صاحبَي “شركة جهينة”، إحدى كبرى منتجي الألبان، بعد أن رفضا تسليم أسهم في شركتهما إلى شركة تملكها الدولة بسبب تقارير، وأنهما محبوسان انفرادياً منذ ذلك الحين.
ودور المجتمع المدني ووسائل الإعلام وإطلاق حرية التعبير، شرط آخر تناوله البيان، حيث قالت المنظمات: “بسبب عدم ضمان الثقة بالإحصاءات الرسمية. على صندوق النقد مطالبة السلطات المصرية بوقف قمع حرية التعبير وتكوين الجمعيات بإطلاق سراح الصحافيين والبرلمانيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وكذلك إلغاء إدانة رئيس الجهاز السابق هشام جنينة عام 2018”.
سارة سعدون، باحثة أولى في الأعمال وحقوق الإنسان في “هيومن رايتس ووتش” قالت: “رغم تقديم قروض بـ 20 مليار دولار لمصر منذ عام 2016، لم ينجز صندوق النقد الدولي الإصلاحات اللازمة للتصدي بشكل فعال لدور الجيش المتنامي دون مساءلة في الاقتصاد، أو لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الحقوق الاقتصادية للأفراد. لا يزال التقدم في الإصلاحات الضرورية بعيد المنال، وأصبح ملايين المصريين يتعرضون بشكل متزايد للصدمات الخارجية للاقتصاد العالمي”.
أما تيموثي كالداس، زميل السياسات بـ “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط” قال إن “كان صندوق النقد الدولي جاداً بشأن المساعدة في تحسين الحوكمة في مصر وبناء اقتصاد لصالح جميع المصريين، فعليه تغيير نهجه بشكل كبير. يجب أن ينهي تجاهله لعشرات ملايين المصريين الذين يعيشون في الفقر، وللتوسع الهائل في الدور الغامض للجيش في الاقتصاد”.
وتشهد مصر أزمة اقتصادية وموجة غير مسبوقة من غلاء الأسعار، دفعت الحكومة المصرية إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد.
ولجأت مصر إلى الصندوق مرتين في السنوات الست الماضية، أولاهما في عام 2016 عندما حصلت على تسهيل ائتماني بقيمة 12 مليار دولار لدعم برنامج طموح للإصلاحات الاقتصادية، والذي تزامن مع تعويم الجنيه، فيما كانت المرة الثانية بعد انتشار جائحة كورونا، عندما اقترضت مصر 5.2 مليارات دولار لتخفيف الأثر الاقتصادي لجائحة كورونا.
وخسر الجنيه المصري ما يقرب من 17 ٪ من قيمته أمام الدولار الأمريكي خلال الأسبوع الماضيين. ووصل سعر الدولار إلى 18.31 مقابل 15.74 جنيهاً الأحد قبل الماضي.
وجاء ارتفاع سعر الدولار، بعد الاجتماع الاستثنائي الذي عقده البنك المركزي الإثنين قبل الماضي، قررت خلاله رفع سعر الفائدة بنسبة 1%، ليصبح 9.25% على الإيداع، 10.25% على الإقراض، ويعد هذا القرار هو أول رفع لسعر الفائدة منذ يوليو/ تموز 2017.