مع بدء عرضه على شاشات السينما في جميع أنحاء العالم، تصدر فيلم «الرجل الوطواط» The Batman إيرادات السينما العالمية، حيث حقق الفيلم – إلى الآن أكثر- من 465 مليون دولار، في حين حصل على تصنيف 8.3، فضلاً عن حصوله على جائزتين، وثلاثة ترشيحات في مسابقات عالمية، ولعل هذا أتى مدفوعاً بذاكرة المشاهدين التي تنطلق من أجواء الفيلم، وحبكته المركزية التي امتدت على عدة أجزاء سابقة، لكن ضمن تعديلات، ورؤى مختلفة، لكنها غالباً ما تتمحور حول علاقة الإنسان بالشر، يُشار إلى أن الفيلم من كتابة وإخراج مات ريفز، ومن إنتاج وتوزيع شركة Warner Bros، بطولة هذا الجزء أسندت إلى الممثل الشاب روبرت باتينسون، بمشاركة الممثلة زوي كرافيتز.
المرتكزات الأساسية
تبقى مدينة (غوثام) البطل الحقيقي للفيلم، لكونها تحيل إلى بعد استعاري يطال العالم برمته، فهذا النهج يبدو جزءاً من تكوين صانعي الفيلم، فهذه المدينة تبقى في حالة مستمرة من البحث عن السلام، ودحر الشر، والأهم التخلص من الفساد. إنها مدينة تمتلك قدراً كبيراً من الإحالة الرمزية في أسس تجسيدها، حيث تبدو ركناً أساسياً في الرؤية الإخراجية التي ما انفكت تتناول الصراع مع الفاسدين، لكن ضمن بعد شديد الحيوية، ولعل هذا يعود إلى النسق أو الأسلوب الذي اعتاده المشاهدون في الأجزاء السابقة، من حيث تقديم مفهوم جدلي في بداية الفيلم، غير أنه يقوّض مع المشاهد الختامية، ذلك أن هذا المفهوم يتعلق بالأسئلة، ومدى مشروعية البعد الأخلاقي للسلوك، الذي يحكم تصرفات الشخوص، ومواقفهم، ومن أهم تلك المفاهيم على سبيل المثال: العدالة والنزاهة والانتقام، وغير ذلك.
عبر الاعتماد على بطولة يتقدمها وجه جديد، ونعني روبرت باتينسون – أحد أبطال فيلم «الشفق» – يراهن صانعو الفيلم على فاعلية هذه الحبكة، بيد أنه في كل جزء يُعاد تأثيث العمل بمزاج يُضاف إلى مناخات الأجزاء الأخرى، ضمن سياق تعديلات على مستوى الإخراج، ومن ذلك المناخات القاتمة التي تتجاوز ما اعتاد عليه المشاهدون في بقية الأجزاء، ولاسيما شخصية (بروس وين) أو الرجل الوطواط التي تنزاح بعض الشيء عن النسخ الماضية، حيث يظهر في هذه النسخة أكثر غضباً، وسخطاً، كما يفتقر للمرح، مع زيادة في نسبة التوتر التي تحيط بالشخصية ضمن سياق نفسي.

ولعل الرؤية الجديدة تبدو مقصودة من أجل تعميق نسخة مغايرة عن النسخ السابقة، فمعظم السياقات التي تنهض على مكان وجود بروس وين، وكهفه، وقصره، اتصلت بنمط من القدم، والإهمال، وكأن تلك الرؤية التي تنهض على تقديم شخصية الرجل بقوته، وتطور معداته، وما يمتلكه من أدوات قد باتت من الماضي، إذ يمسي صراع بروس وين الجديد مجرداً من تلك العناصر المبهرة التي اعتدنا عليها في الأجزاء السابقة، ومع ذلك ثمة عناصر لا يمكن التضحية بها على مستوى تكوين الحبكة، وهي تتصل بالتجسيد المقابل للخير، ونعني الشر، الذي غالباً ما يسند إلى شخصية سيكوباثية خجولة، وذات بنية جسدية ضعيفة عانت من انتهاك أو تنمر في الطفولة، وهي أيضاً شخصية مسكونة بالذكاء، لكن مع هاجس الانتقام، غير أن هذا الهاجس يتخذ بعداً أسطورياً دينياً حين يتحدد بإنزال العقاب، ومحاسبة الآخرين على خطاياهم السابقة، وهنا يندس بين ثنايا هذا الخطاب السؤال الأخلاقي عبر التجسيد المشهدي، لتبنى القصة على سلسلة من الأحداث التي تحتمل إدانة بداعي تورط المتنفذين في القيادة أو السلطة؛ كالمحافظ أو السيناتور أو المدعي العام، كما رئيس الشرطة، وهنا نرى أن النزاهة باتت نادرة على مستوى النظام الذي يحكم المدينة، وهو ما تحرص على تأكيده هذه السلسلة التي تنهض على تعميق بنية الصراع الداخلي الذي يحكم المدينة، حيث ينتشر الفاسدون في كل مكان، مع وجود قلة قليلة من الأفراد النزيهين في السلطة، ومع ذلك الأمل يبقى جزء من مقولة الفيلم التي تتكئ على مبدأ اللغز، ومحاولة تتبع الخيوط، وتفكيك الألعاب التي يعتمدها المجرم، ولاسيما ذات الطابع اللغوي والإشاري، التي تنهض على مقاصد دلالية ورسائل محددة أو موجهة لبروس وين تتقاطع مع ماضيه.
الرؤية الأخلاقية
تضاف إلى المناخات السابقة محورية جديدة تتصل بثيمة الانتقام التي تسكن بروس وين، بضغط مما حصل لعائلته عندما كان طفلاً، وهنا تتقاطع خصوصية هذا الماضي الذي ما انفك يستعاد في سلسلة الأفلام، حين نجد أن المجرم الجديد الذي يكمن خلف الأحداث الأخيرة التي تهدد المدينة كان نتاج تقصير مؤسساتي، ويتصل بمصالح عائلة الملياردير بروس وين، مع شبهات بتورط والد الأول بقتل والد هذا الطفل الذي كان يعمل صحافياً، ويسعى لابتزاز والد بروس وين، وهنا نلاحظ أن دوافع هذا المجرم تستقي مبرراتها من العوامل النفسية التي تنهض على تكوين الشرخ البنيوي القائم على الطبقية في مدينة غوثام، بالتوازي مع استعادة السؤال الأخلاقي، كما حصل في الأجزاء السابقة، فضلاً عن وجود شبهات تجمع بين والد بروس وأحد المجرمين، ما يضع بروس وين على مفترق طرق، بل إن هذه الحادثة تهز منطقه القيمي تجاه صورة والده، لكن سرعان ما تتكشف الحقيقة، ليعاود بروس وين محاربة الجريمة، ولاسيما حين تصل الأحداث إلى ذروة تأزمها بعد المخاطر التي تهدد المدينة نتيجة خطة المجرم، التي تنهض على إطلاق مجموعة من المجرمين الناقمين على النخب، وفساد النظام في المدينة، فتصل الأمور إلى تهديد شامل لأمن المدينة.
تضاف إلى المناخات السابقة محورية جديدة تتصل بثيمة الانتقام التي تسكن بروس وين، بضغط مما حصل لعائلته عندما كان طفلاً، وهنا تتقاطع خصوصية هذا الماضي الذي ما انفك يستعاد في سلسلة الأفلام، حين نجد أن المجرم الجديد الذي يكمن خلف الأحداث الأخيرة التي تهدد المدينة كان نتاج تقصير مؤسساتي.
إذ ينذر هذا الأمر بوقوع ضحايا، وهنا يتبدى التكوين الرمزي للفعل الذي اضطلعت به مجموعة الأشرار، وينهض على إطلاق تفجيرات تستهدف إغراق المدينة في طوفان يقضي عليها، وهنا تبرز إحالة الطوفان ودالته السيميائية عبر مرجعية دينية، حيث يمثل الطوفان عقاباً على الخطايا، كما فقدان اليقين تجاه وجود ما يتصل بالخير، فالكل بات جزءاً من هذا الفساد، وحين تبدأ المدينة بالغرق يبرز الرجل الوطواط عبر تضحية كبيرة لينقذ الناس، لينقذ سكان المدينة الذين غرقوا في الماء من بين ثنايا العتمة والظلام، وسرعان ما تظهر شعلة ضوء يحملها الرجل الوطواط كي يقود الناس للخروج، حيث ينير الطريق أمامهم في إشارة للأمل والمستقبل، علاوة على التأكيد على فاعلية الفلسفة التي صاغت رؤية هذا الجزء، وقوامها أن هذه المدينة تبحث دائماً عن مخلصها، ليكتمل الفيلم بالقبض على المجرم، لكن مع إشارات لتوقع جزء آخر.
ولعل هذه النسخة تبدو جزءاً من محاولة الصانعين، التأكيد على عمق الأسئلة، مع محاولة تقديم منظور يتجاوز الأجزاء السابقة، لكن في إطار رؤية واحدة، مع بعض التعديلات التي بدت لي موفقة، ولاسيما شخصية بروس وين في بعدها الجديد، كما التركيز على منطق معضلة الخيارات التي تواجه الإنسان، مع الإشارة إلى ضعف فني ظهر في بعض المواقع، وهذا يعود إلى الممثل الذي أدى دور الشرير، حيث ظهر أداؤه مبالغاً فيه، أو مصطنعاً لم يرتق إلى أداء الممثلين الذين أدوا هذه الشخصية، ولاسيما شخصية (الجوكر) التي تكرست في أذهان المتلقين في الأجزاء الماضية، وتعليل هذا يعود إلى أن فيلم الجوكر الذي عُرض قبل بضع سنوات، حقق حضوراً كبيراً نتيجة أداء الممثل يواكيم فينكس لشخصية الجوكر، في حين اتكأ الفيلم على مرجعية الحبكة، أو الخلفية المرجعية للقصة، ونعني مدينة غوثام وعائلة بروس وين، كما يمكن أن نشير إلى أداء الممثل هيث ليدجر للشخصية عينها في الجزء الذي حمل عنوان (فارس الظلام) ـ الأعلى تصنيفا في السلسلة- وعلى الرغم من ذلك، فإن الفيلم كان موفقاً في تجاوز الفراغ، أو التكرار الذي يمكن أن يعتور الفيلم، نتيجة تعدد أجزائه، وهنا نلاحظ أن صانعي الفيلم يتمهلون عبر بعد تأملي بغية البحث عن مقاربة جديدة في كل مرة، أو عند إطلاق نسخة جديدة من الفيلم، ويمكن أن نضيف إلى بعض المآخذ طول الفيلم حيث بلغت مدته تقريباً ثلاث ساعات، ما بعث في بعض المواقع شيئاً من الفتور، أو الملل، وهذا يعود إلى المزج بين عدة مرويات أو قصص داخلية في ظلال الحبكة الكلية.
وختاماً، كان أداء الممثل روبرت باتينسون موفقاً في هذه النسخة، حيث تمكن من المحافظة على إرث الممثلين الذين سبقوه في أداء هذه الشخصية، مع قدرة على تقديم إضافة أدائية أو بصمة خاصة به، وهي سمة باتت واضحة في مجمل الأجزاء عند اختيار ممثل جديد، ولا يمكن أن نتجاهل أهمية وجود شخصية نسوية تساند جهود بروس وين، مع أنها غالباً ما تقدم مقاربة جديدة لمحاربة الشر، ما يحدث نوعاً من التنازع مع رؤية بروس وين، لكنهما سرعان ما ينسجمان أو يتفقان حول أهمية تجاوز فكرة الانتقام لتحقيق العدالة التي لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار القانون، فمحاربة الشر ـ على الرغم من قسوته – يجب أن يُكافح ضمن أبعاد أخلاقية، وقانونية، والأهم إنسانية.
كاتب أردني فلسطيني