ستون عاماً تمر على استقلال الجزائر، وتاريخ حرب التحرير ما يزال يؤجج أسئلة ويحتاج إلى كتابات أخرى وإلى المزيد من التراكم. الفرنسيون يحتفظون لأنفسهم بحق التكتم على بعض الأرشيف، والجزائريون يدونون، في كل حين، ما أتيح لهم من شهادات ومما علق في ذاكرة الناجين، في هذا الجو من الأخذ والرد في حرب الذاكرة يصير الأدب ضرورة، في طمر فجوات هذا الماضي المتفجر، الذي كلما تقدمنا فيه أدركنا أننا لم نعلق عليها بما فيه الكفاية.
لكن من أي منظور يحق أن نكتب اليوم عن حرب التحرير في الأدب؟ ساد نهج، في العقود الفائتة، في ترويج صورة البطولات حصراً، في نفخ الجزائري البطل، بوصفه إنساناً مثالياً ورمزاً، دون مساءلة عن مزلاق الحرب، بحكم أن كل حرب لها حسنات وعليها سيئات، بادر الكتاب إلى إخفاء الجوانب المعتمة والترويج فقط لصورة المناضل، والتعاطف معه، دون التعامل معه في حالاته الإنسانية، التي تحتمل النقائض، وأنها لها حسناتها ومساوئها في آن، كما درج الكتاب في طرح شخصيات البالغين في الحرب، من الجنسين، ونادراً ما صادفنا صورة الطفل في حرب التحرير (عدا كتابات محمد ديب مثلاً) لذلك تبدو رواية «الخميس الشاحب» لجلال حيدر (دار ومضة ـ 2021) نصاً مغايراً، لم يدخل في لعبة التنقيب عن البطولات، ولم يكتف بصورة الجزائري البطل، بشكل رتيب، بل استمد مادته من حيوات فتية وأطفال على سفوح جبال الأوراس (شرق البلاد). رواية جعلت من الطفل في نزقه وعفويته شخصية مركزية لها، ونقلت بعينيه تفاصيل الحياة آنذاك، تنظر إلى الحقائق بعقول من كانوا أقل من سن الرشد، ثم رافقتهم إلى النضج، وانتقالهم من السلم إلى الحرب.
الركض جنب الوادي
«الخميس الشاحب» هي قبل كل شيء رواية المكان، يجد القارئ نفسه، على طول صفحاتها، في ركض متواصل جنب وادٍ يقع في غابة بني ملول، المنبسطة بين جبال الأوراس، في تأمل لتضاريس بلدة الولجة، في وعورة الأرض ومشقة العيش فيها، في الإصغاء إلى بسطاء من أعماق المجتمع، في سكونهم وحركاتهم، في تنقلهم بين جنباتها، وعلى ربوة من تلك الغابة توجد ثكنة، يقيم فيها جنود الاستعمار، كما لو أنهم في مقام (الأخ الأكبر) يحرسون الناس ويتلصصون عليهم، هذه الثكنة سوف ينقلب مسارها لاحقاً، مع قيام حرب التحرير، ومنذ البدء نقابل شخصيتين، أولاً الراوي المسمى (المكي) وشقيقه التوأم موريس (حمل اسماً فرنسياً فلم يكن فأل خير عليه) اللذان ولدا من أب جزائري وأم فرنسية، نتابع تطورات الأحداث بعيني طفل في الثانية عشرة من عمره، ثم بلوغه السابعة عشرة، خمس سنوات عاشها في الرواية، من بينها أربع سنوات في خضم حرب التحرير، يروي لنا هذا الطفل كيف عاصر الانتقال من السكينة إلى مشاهد الموت، من الخمول إلى أصوات الرشاش وأزيز الطائرات التي كانت تلف السماء، لكن بعيداً عن هذا التاريخ العام الذي تحكي عنه الرواية، فإنها تولي أهمية للتاريخ الشخصي، لحيوات بشر عاديين، في تحولاتهم النفسية وفي تعاطيهم مع فكرة الحرب، كما أن (المكي) لم يعش حرب الجزائر فقط، فقد كان يعيش حرباً أخرى ذاتية، حرباً ضد أخويه غير الشقيقين، كذلك تعيشها أمه كاثرين، التي تقضي يومها في صدام مع ضرتها، ثم تفقد ابنها موريس، تبتعد عن زوجها، وتتحول إلى خصم لذلك المجتمع القروي الذي عاشت فيه. قبل أن تندلع الحرب الوطنية، اندلعت حروب صغرى في بني ملول والولجة، وقودها أطفال وخصام من أجل حضانتهم، نقابل أيضاً نسوة في غيرتهن على رجالهن. في هذا السياق المشحون، بين خصومات اجتماعية سيسير التاريخ الجزائري نحو الانفجار، يطوي الناس مشاكلهم، بعض الوقت، ويستديرون إلى ما يجري في الجبال المجاورة لهم، التي سكنها مناضلون وطنيون، تعددت في الأشهر الأولى وجهات النظر بشأنهم، بين من يظن أنهم خارجون عن القانون، ومن يتبنى خيارهم في المقاومة، ويصير الطفل المكي جزءا من المشهد، يستمر في سرد حكايته وحكاية من كانوا حوله، وصولاً إلى عام 1959، حيث يشعر بأنها السنة التي تبلور فيها مشروع الاستقلال، وما تلاها (إلى غاية 1962) لم يكن أكثر من تصفيات حسابات بين أخوة الأمس.

بين التصوف والمقاومة
«الخميس الشاحب» هو خميس تتراكم فيه جملة من الأحداث الدرامية، وتنحدر فيه شخصية كاثرين إلى الجنون، أسابيع قبل بدء حرب التحرير، في تناص مع ما كان يجري في الواقع، أراد الكاتب أن يجعل من الجنون صفة تلك المرحلة، قبل أن يستمر تدريجياً في توصيف الحياة قبيل الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني 1954، في مجتمع قروي متعلق بخياره الديني المتصوف، ومصرٍ على الإيمان ببركات الآباء المؤسسين، مجتمع لا يعرف من العربية سوى القليل، ويتكلم بلسان غير لسان الآخرين، تنتصب فيه مقامات الأولياء الصالحين التي يحج إليها الناس في فرحهم أو شجنهم، يطلبون عون الموتى في الخلاص من أوهامهم وفي الشفاء من أمراضهم، مجتمع قاوم الاحتلال بالتمسك بسير الراحلين واستعادتهم في كل حين، مجتمع يجل الملكة حنثة التي حكمت أرض الأمازيغ في القرون الغابرة، انخرط ناسه في الحرب دفاعاً عن تركة الأجداد، فقد صورت هذه الرواية الجزائر قبل الحرب في تعددها وفي تجاور الإسلام مع مسيحية، في تلك الزيجات المختلطة بين الطرفين، في وأد فكرة صفاء الدم الجزائري، مع التمسك بفكرة أنه مزيج لا نقاء، هو خليط بين دمين، بين تاريخين، بين ثقافتين، وإن كان يُعاب على الرواية ـ في بعض مفاصلها ـ إسراف في تفاصيل لا تخدم السرد، وإغراقها في توصيفات لا تدفع بالحكاية للأمام، كان من الممكن التخلي عنها دون أن يختل البناء، فقد استطاعت نقل جزء من تاريخ غير معروف، أو بالأحرى تاريخ منسي، طمرته السنين، وإن حرب التحرير لم تكن مجرد لحظة طارئة في التاريخ المعاصر، بل هي محصلة عقود من الحروب الصغرى التي عاشها الجزائريون في ما بينهم، قبل أن ينصرفوا في مواجهة المحتل، ثم يعودوا في الأخير إلى مواجهة بعضهم بعضاً كما كانوا.
روائي جزائري