يا للمصادفة العجيبة! في وقت تشهد فيه سماء العلاقات السياسية بين المغرب وإسبانيا انفراجا ملحوظا، بعد عامين «أعجفين» باردين، يجيء مسلسل تلفزيوني ليذكّر بصفحات من التاريخ البعيد، كان شعارها المركزي «المواجهة العسكرية» بالمفهوم الحديث، و«الغزوات» و«الفتوحات» بالمفهوم القديم.
قد يقول قائل، لا يمكن إسقاط الماضي على الحاضر، فمسلسل «فتح الأندلس» الذي يروي سيرة البطل الأمازيغي المغربي طارق بن زياد، أمير طنجة وقائد الفتح العربي بشبه الجزيرة الإيبيرية، هو في البدء والمنتهى عمل درامي تخييلي، يستمد مادته من المرجعية التاريخية. ومع ذلك، لا تُستبعَد القراءة الماكرة للعمل، وفق منطق الصراع الحضاري الأزلي بين الغرب المسيحي والشرق المسلم. وإلا، فأيّ معنى لصليل السيوف وبريق الرماح في عدد من التلفزيونات العربية، خلال شهر رمضان الحالي، تحت يافطة دينية محضة؟
قراءة موغلة في «التطرف» على شبكات التواصل الاجتماعي ذهبت إلى أبعد من ذلك، حتى وإن كنّا نختلف معها اختلافا كليا، إذ اعتبرت أن المسلسل يروّج للفكر «الداعشي»! (داعش؟ دفعة واحدة؟) ولو أن أصحاب هذه القراءة الغريبة أدخلوا بعض التحريف على كلمة «داعش» وحوّلوها إلى «داحس» استحضارًا لمعركة «داحس والغبراء» الشهيرة في التاريخ العربي القديم، لالتُمست لهم الأعذار واستُسيغ التأويل، من باب التفكّه على الأقل. ولكن كلَّ تأويل يعكس مقاصد صاحبه وطريقة نظرته للأمور، وبالتالي فهو مُلزِم له وحده لا غير.
طائفة من النقاد والفنانين والإعلاميين المغاربة لها نظرة أخرى للموضوع، إذ لم تهضم بعد، في شهر الصيام، أن يبثّ تلفزيون الرباط مسلسلا يتحدث عن جزء من التاريخ المغربي، غير أنه يحمل توقيعا غير محلي، لكونه من إنتاج وإخراج الكويتي محمد سامي العنزي، ولم يصوّر في المغرب، بل صُوّر في لبنان وتركيا مع ممثلين من الكويت وسوريا ولبنان. ولم يشفع للمُنتقدين وجود نجم مغربي هو الممثل هشام بهلول، ولا صوت المطرب نعمان لحلو الذي غنّى شارة المسلسل بإتقانه المعهود.
تراوحت الانتقادات بين تقويم الرؤية الإبداعية لمسلسل «فتح الأندلس» والسخرية من بعض مشاهده، وانصبّ بعضها الآخر على طريقة تقديم البطل طارق بن زياد بإغفال «أمازيغيته» فيما كان الإلقاء باللغة العربية الفصحى مثار تساؤل مريب. والواقع أنه لو لم تكن للمسلسل من مزية غير لغة الضاد التي تخرج مسبوكة سليمة ـ غالبًا ـ من أفواه الممثلين والممثلات، لكانت تلك نقطة ضوئه المشعة، في فضاء تلفزيوني وإذاعي عربي تسوده كلمات سوقية موغلة في الابتذال والإسفاف!
عوْدًا على بدء، تبدو مشاهد طارق بن زياد، في الحلقات الأولى من المسلسل، وهو مُرابط بعسكره وخيله وخيامه على مشارف سبتة، جديرة بالتأمل، إذ تذكّر بجرح غائر في الخارطة المغربية، وبحلم مؤجّل لرجوع المدينة المذكورة، هي وشقيقتها مليلية، إلى حضن بلادهما الأم!
الاحتيال عن طريق الإحسان!
إذا كان رمضان شهر العبادات من جهة، وشهر تخمة الإنتاجات التلفزيونية المثيرة للجدل من جهة ثانية، فإنه شهد هذا العام أيضًا قصة مثيرة لشخصية كانت محط الأضواء، لكنها سقطت سقوطا مدويا في قعر الظلام.
هكذا، إذنْ، زال القناع عن طبيب التجميل الشهير في المغرب الذي كانت البرامج التلفزيونية والإذاعية تتسابق على استضافته. فخلف القناع الوديع المسالم، كان يختفي وجه شرس لشخص كل همّه هو تكديس المال الحرام، تحت ذريعة الإحسان للفقراء ومعالجة المرضى المعوزين.
تلك هي الخلاصة التي انتهى إليها البحث القضائي في قضية «طبيب» لم يكن يخجل في إظهار سوءات النساء عبر حصص فيديو مبثوثة على الإنترنت، تحت مسمّى تجميل الأرداف والصدور في مصحته الخاصة التي جرت بذكرها ألسن وسائل الإعلام.
لكن الجمال المزيّف كان يُضمر وراءه قبحًا أفظعَ لدى المُتّهم وزوجته ومعاونيه، بجعل قصص الناس المحتاجين وسيلة للنصب على المُحسنين، وذلك «من خلال استغلال استدراج أشخاص واستغلال حالة ضعفهم وحاجتهم وهشاشتهم لغرض القيام بأعمال إجرامية من نصب واحتيال على المتبرعين بحسن نية» وفق ما جاء في جزء من صكّ الاتهام الذي تضمن أيضا الإشارة إلى أن المتهم وشركاءه لم يرحموا في جرمهم حتى أطفالا قاصرين يعانون من أمراض. ومن ثم، وُضعت تلك التهم تحت خانة عنوان كبير هو «الاتجار في البشر» وإن كان يتعين التعامل معها باحتراز، وفق القاعدة القانونية التي تقول إن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» .
وتوالت التّهم الموجهة إلى الطبيب وزوجته ومعاونيه، بناءً على الأبحاث الأمنية، من خلال متابعته قضائيا بما يلي «جنحة المشاركة في النصب، وجنحة المشاركة في تزوير محررات تجارية واستعمالها، وصنع شهادات تتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها، علاوة على جنحة ارتكاب الغش في تقديم خدمات طبية والتصريح الكاذب، بصفته مدير المصحة، وجنحة الزيادة غير المشروعة في الأسعار، وجنحة استغلال ضعف المستهلك وجهله، وجنحة المشاركة في تسجيل وتوزيع صور أشخاص دون موافقتهم».
بالإجمال، صفحات سوداء جعلت طبيب التجميل الذي وصفه البعض بـ»طبيب الفقراء» عوض أن يقضي رمضان بين نعيم الإقامات الفارهة التي كان ينشر صورها مُفاخرًا، يقضيه في زنزانة السجن على ذمة التحقيق، انتظارًا لما سينطق به القضاء الذي له وحده الكلمة الفصل في الموضوع!
«التخسيس أونلاين»!
واقعة دكتور التجميل المتهم بالاتجار في البشر تزامنت مع حالة أخرى لـ»دكتورة» مزورة في أرض الكنانة، والقاسم المشترك بينهما الاحتيال واستغلال القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية للترويج للادعاءات الكاذبة، بهدف كسب المزيد من الأموال.
خبيرة التغذية المصرية ألقي القبض عليها بتهمة الترويج لمنتجات ومستحضرات وأدوية مجهولة المصدر، تدّعي من ورائها أنها تقلل من وزن المستهلك. وفي القنوات الفضائية التي تستضيفها، كانت تحرص على إحضار أشخاص معها، ليرووا تجاربهم مع الوصفات التي تقدمها، بهدف إضفاء مصداقية على كلامها.
البحث الأمني كشف أن المُتّهمة، خلافًا لما تقدم به نفسها، لا تحمل أي دكتوراه في التغذية العلاجية وأمراض السمنة من إحدى الجامعات الإنكليزية، كما أنها لا تنتمي لا إلى نقابة الأطباء ولا إلى نقابة الصيادلة، ولا تتوفر على التصاريح اللازمة من وزارة الصحة وهيئة الدواء للترويج وبيع المستحضرات الطبية والعشبية. فضلا عن ذلك، فهي تشرف على دورات إنقاص الوزن بدون التوفر على ترخيص قانوني.
موقعها الإلكتروني يكشف عن عناوين خادعة مثل السراب، إذ تقول إنها أول مؤسسي فكرة «التخسيس أونلاين في مصر» وإنها قامت بتوعية المجتمع بأضرار السمنة عن طريق مبادراتها المستمرة لمحاربة المرض. لِمَ لا، وهي، كما تدّعي، قضت 12 سنة في الدراسات والأبحاث؟
بائعو الوهم كثيرون في بلداننا العربية… مِن مُدّعي الورع والعمل الخيري، إلى مُدّعي القدرة على التخسيس والعلاج من الأمراض المستعصية، وصولاً إلى الذين يجعلون من الوعود البراقة وسيلة لخداع الناس، من أجل الظفر بمقاعد البرلمان والحقائب الوزارية!
٭ كاتب من المغرب