رئاسيات فرنسا.. الحرب في أوكرانيا تعزز حظوظ ماكرون ولوبان وتعصف بزمور

حجم الخط
0

إسطنبول: لم يسبق وأن أثرت حرب خارجية على آراء الناخبين الفرنسيين مثلما تفعل الحرب في أوكرانيا، التي عززت من حظوظ الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل أيام من الانتخابات الرئاسية المقررة الأحد، ورفعت أسهم المرشحين الراديكاليين مارين لوبان من اليمين، وجون لوك ميلانشون من اليسار.
إذ لم يعد يسبق الحرب الأوكرانية، في جدول اهتمامات الناخبين الفرنسيين سوى غلاء المعيشية، الذي بلغ حدا يهدد البلاد بالانفجار الاجتماعي.
ولا شك أن ماكرون أكبر المستفيدين من الحرب في أوكرانيا، بعد أن قفزت نوايا التصويت لصالحه من بداية الحرب في 24 فبراير/ شباط إلى 15 مارس/ آذار، من 25 في المئة إلى 30 في المئة، بحسب تجميعة لاستطلاعات الرأي نشرها موقع “بوليتيكو” الأمريكي.
فماكرون، الذي يترأس حاليا مجلس الاتحاد الأوروبي، يُنظر له فرنسيا وحتى أمريكيا، على أنه الزعيم الأوروبي الوحيد الذي بإمكانه محادثة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشأن إيقاف الحرب المشتعلة على حدود الاتحاد الأوروبي، والتي تثير القلق من تكرار مآسي الحرب العالمية الثانية (1939-1945).
فنحو 88 في المئة من الفرنسيين خائفون من تداعيات الحرب في أوكرانيا، وفق استطلاع لمؤسسة “إفوب”، نشر في 28 مارس، ما يدفع الناخبين المترددين إلى البحث عن الخيار الأكثر أمنا.
لكن 64 في المئة منهم يعتقدون أن هذه الأزمة لن تغير تصويتهم، ومع ذلك خسر ماكرون، بعض النقاط قبل 5 أيام من الدور الأول للرئاسيات.

ماكرون لم يحسم المعركة بعد
منذ عهد جاك شيراك (1995-2007)، لم يتمكن أي رئيس فرنسي من الفوز بولاية رئاسية ثانية، حيث خسر الرئيس نيكولا ساركوزي معركة تجديد عهدته الرئاسية 2012، بفارق بسيط عن منافسه، بينما فضل فرانسوا أولاند، عدم الترشح لعهدة رئاسية ثانية بعد تراجع شعبيته.
ويحاول ماكرون، أن يكون أول رئيس فرنسي يفوز بولاية رئاسية ثانية منذ 2007، ويبدو للوهلة الأولى أن مهمته ستكون سهلة، وأن سيناريو فوزه السهل على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، في 2017، سيتكرر مجددا.
فعادة ما تتوحد مختلف القوى السياسية في الدور الثاني للرئاسيات الفرنسية لإسقاط مرشح اليمين المتطرف، ما يصب تلقائيا في صالح المرشح المنافس.
غير أن آخر استطلاعات الرأي أظهرت تقلص الفارق بين ماكرون ولوبان في الدور الأول، بشكل غير مسبوق إلى أقل من 4 نقاط فقط، ما يجعل المعركة الرئاسية غير محسومة كما يتوقع الكثيرون، بالنظر إلى تصاعد شعبية اليمين المتطرف في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، وتراجع شعبية ماكرون.
فوفق صحيفة “لو جورنال دي ديمونش”، التي أجرت حسابات لمتوسط 5 استطلاعات للرأي الأخيرة، فإن ماكرون حصل في 5 أبريل/ نيسان الجاري، على 26.7 في المئة من نوايا التصويت، متراجعا بنقطة واحدة مقارنة بالأسبوع الماضي.
بينما رفعت لوبان حصيلتها بـ3 نقاط كاملة مقارنة بالأسبوع الماضي، ووصلت إلى 23 نقطة، وقلصت بذلك الفجوة بينها وبين ماكرون إلى 3.7 نقاط بعد أن كانت 11 نقطة.
وتضع استطلاعات الرأي ماكرون ولوبان في الدور الثاني من الرئاسيات، خاصة وأن الملاحق المباشر للوبان، ما زال بعيدا بفارق 7 نقاط كاملة، حيث حصل ميلانشون زعيم اليسار الراديكالي على 16 في المئة من نوايا التصويت، وهذه الانتخابات الأولى التي يتفوق فيها على الحزب الاشتراكي في نوايا التصويت (يسار وسط).
وتجاوز ميلانشون مرشحين بارزين سبقوه في استطلاعات سابقة على غرار اليميني المتطرف إريك زمور، ومرشحة حزب الجمهوريين (يمين الوسط)

“حليفة بوتين”.. هل تحدث المفاجأة؟
إن كانت الحرب الأوكرانية خدمت ماكرون، وقدمته كزعيم أوروبي يسعى لوقفها، فإن لوبان، التي يصفها الإعلام الأمريكي بـ”حليفة بوتين”، عرفت كيف يؤكل الكتف.
فرغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قدم لها دعما سياسيا عندما استقبلها في موسكو خلال حملتها الانتخابية في مارس 2017، إلا أنها في حرب أوكرانيا حددت موقعها بسرعة، معتبرة أن هناك “معتديا” هو روسيا، و”معتدى عليه” هو أوكرانيا، ودعت إلى “مساعدة اللاجئين الأوكرانيين”، في مفارقة أخرى تناقض دعواتها لطرد المهاجرين خاصة المسلمين منهم والأفارقة.
فلوبان، اختارت ألا تغامر بمستقبلها السياسي إرضاء لحليفها الدولي بوتين، خاصة أن غالبية الفرنسيين يتعاطفون مع الأوكرانيين، ويتوجسون خيفة من نوايا الرئيس الروسي بإشعال حرب نووية في أوروبا.
حرب أوكرانيا، كانت أيضا مفيدة للوبان من وجه آخر، حيث تسببت في ارتفاع كبير لأسعار الوقود في فرنسا وللمواد الغذائية، ما جعلها ورقة مؤثرة وذات أولوية في حملتها الانتخابية، وقلصت من خطابها الشعبوي والمتطرف المعادي للأجانب.
وهذه السياسة وضعت لوبان على مسافة قريبة جدا من ماكرون، حيث أظهر استطلاع أجراه مركز “هاريس التفاعلي” لأبحاث الرأي، والذي جرى خلال الأيام الأولى من أبريل الجاري، فوز ماكرون في الجولة الثانية بنسبة 51.5 في المئة ولوبان بـ48.5 في المئة، بعدما كانت النسبة 58 إلى 42 في المئة على التوالي.
وفارق 3 نقاط ليس كبيرا، خاصة فيما يتعلق بالجولة الثانية للانتخابات المقررة في 24 أبريل، لا سيما إذا حظيت لوبان بتحالفات من خارج عائلتها السياسية، وقدمت تنازلات ذكية لخصومها ومنافسيها، واستغلت تصاعد تهديدات النقابات العمالية وناشطي “السترات الصفراء” بالدخول في إضرابات واحتجاجات بسبب غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
فلوبان كانت أذكى من إريك زمور، المرشح اليميني المتطرف الذي كاد يطيح بها قبل دخول الحملة الرئاسية، لكنه تراجع في الأسابيع الأخيرة وتقهقر من 14 في المئة من نوايا التصويت إلى أقل من 10 في المئة.
وكان تأييد زمور لبوتين ومناهضته لحلف شمال الأطلسي (ناتو) الورقة التي عصفت بشعبيته، وسوء قراءته لتغير أولويات الناخب الفرنسي من الأمن والهجرة إلى الاهتمام بمسألة القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الطاقة.
أما ميلانشون، المصنف إلى جانب لوبان وزمور ضمن حلف موسكو، فنجا من عاصفة الحرب الأوكرانية، بعد أن اتخذ موقفا محايدا، متحفظا على توسع “الناتو” والاتحاد الأوروبي شرقا، ما أثار غضب روسيا، واستطاع بذلك اجتذاب جزء من اليسار.
فالحرب الأوكرانية وتداعياتها الاجتماعية على المواطن الفرنسي، رفعت مرشحين ووضعت آخرين، وإن كان ماكرون المستفيد الأول من هذه الحرب، التي استهلكت من وقته كرئيس، أكثر مما استهلكت منه الحملة الانتخابية كمرشح.
ومع ذلك لم يحسم ماكرون الانتخابات الرئاسية لصالحه، فالناخب الفرنسي معروف بخياراته الثورية، آخرها تلك التي جاءت بالأخير من وراء الظل في رئاسيات 2017، متفوقا على سياسيين مخضرمين من أحزاب جربت الحكم لسنوات.

(الأناضول)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية