أنوار التعريف الشعري وظلماته

كلما عمقت المعرفة الشعرية بحثها القلق والدؤوب، في مجاهل اشتغالها، إلا وراكمت نسبة مهمة من التعاريف المستحدثة، الموحية باستحالة تبني تعريف ثابت ونهائي، يستجيب لكل ما يطرحه النص الشعري من أسئلة، ومن إشكاليات. مع الأخذ بعين الاعتبار، أن الكتابة الشعرية الواعية بجدوى اجتراحاتها المغايرة، تستطيع أن تمتلك حظوة اختلافها، حال تفردها بجمالية رؤيتها الخاصة.
اختلاف قد يكون بصيغة الجمع، على ضوء تعدد منعطفات الكتابة، وتنوع آفاق انتظاراتها.
إن تعدد التعريفات التي انحدرت إلينا من الشعريات الإغريقية والعربية القديمة، هي الترجمة الملموسة لاستحالة وضع تعريف نهائي ومقنع للقول الشعري. ومن خلال تدقيق النظر في هذه التعاريف، سوف ننتبه إلى كونها مثقلة بالبياضات، التي تستدعي من المهتم تداركها بأخرى محايثة لها. فالشعر باعتباره حالة لغوية تشتغل بالصيرورة الزمنية وفيها، فإنه يمحو كل تأطير ثابت يمكن أن يقطع عليه جمالية امتداداته وتشعباته المنصهرة في قلب هذه الصيرورة. وبالتالي، فإن كل تعريف يسعى إلى الإحاطة الشاملة بماهية القول الشعري، لن يكون سوى توصيف محدود لمنحى معين من مناحي القول، خلال مروره العابر، بمنعطف ما من منعطفات صيرورته التي لا يقر لها قرار.
وفي السياق ذاته، يمكن التعامل مع هذه التعاريف، باعتبارها تمثيلا معرفيا وجماليا لما بلغه التلقي الشعري، في مرحلة بعينها من مراحل تطوره وتحوله. بمعنى أنها ستكون جد إيجابية، من جهة استئناس الباحث بمعطياتها، كلما كان بصدد التأمل في خصوصية اللحظة التي تخترقها الماهية الشعرية، وهي بصدد اجتراح متوقع مساراتها، دون أن يتحول هذا الاستئناس إلى نهاية مطاف تعريفي، لا يسمح بإعادة تقييمه بحثا عن إبدالات مغايرة ومختلفة. كما أن استناد التأطير الشعري إلى الإواليات المستمدة من المتون الشعرية الكبرى من قبيل هوميروس، فرجيل، المتنبي دانتي أو بودلير على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن بحال أن يعممها على مجموع المتون الشعرية، المتوزعة على الجغرافيات المكانية والزمانية. ذلك أن هذه الإواليات ومهما علا شأنها، وبلغت أهميتها، فإن سلطتها الإجرائية تظل محصورة ضمن إطار المتن الخاص بها، لا أكثر ولا أقل. وهي عوامل من شأنها إحداث تحديدات /تعاريف متعددة، ومتنوعة بتنوع وتعدد طرائق التساؤل، البحث، والإنجاز. سواء تعلق الأمر بمسارات وتجارب شاعر بعينه، أو بتجارب ومسارات كوكبة صغيرة أو كبيرة من الشعراء.
وإذا كان تعدد أنواع التعريف وتنوعها يبدو طبيعيا، حينما يتعلق الأمر بنخبة استثنائية من الشعراء المجيدين، الذين يشتغل كل نموذج منهم بقوانينه الخاصة، فإنه سيتخذ وجهة مغايرة، حينما يتعلق بتجربة فئة أخرى، مؤطرة نظريا بالقوانين المدرسية، كما هو الشأن بالنسبة للتجارب السعيدة بوجودها المريح في المناطق الآمنة جدا، من جغرافيات القول. ونعني بها تلك التجارب المهادنة، وغير المعنية مطلقا بالتورط في تبني أي رؤية مختلفة للمقولات السائدة والمتداولة، حول مفهوم الكتابة الشعرية، التي يمكن اختزالها في رتابة وسكونية الاطمئنان إلى مقولات «الأغراض»، حيث يكون كل من الشاعر والمتلقي، مدعوين معا إلى الخضوع التام إلى سلطتها المؤطرة بقوانينها التعليمية، التي تستبعد عن مجالها كل محاولة أو مبادرة لتفكيكها وتقليب دلالاتها. ما يؤدي إلى انغلاق الدائرة على تجارب راضية بانحباسها التلقائي في جوف ثيمات ثابتة، وداخل خانات معجمية مغلقة، يتشكل أغلب زوارها من محترفي الاستنساخ. وهو الإطار الذي يؤبد فيه التعريف الأحادي البعد استمراريته، على قاعدة مسلمات نظرية، معززة بتوجهها الديداكتيكي، الذي تجد فيه المقاربات المدرسية ضالتها، حيث يمكن أن يغطي التعريف الواحد مسارات تجارب عدة، بالنظر لاندراجها في المسار الأحادي البعد نفسه. غير أن الأمر يصبح جد مختلف وفي صيغة جذرية، حينما يتعلق بالتجارب الشعرية المسكونة بالقلق الوجودي الكبير، الذي يحتد معه عنف التساؤل الفكري والجمالي، حول كل ما يصل الكائن بذاته ومحيطه من عناصر، تجريدية كانت، أو مادية.
إذ بموازاة هذا القلق الوجودي، تضيق الإقامة في دائرة الدلالة المغلقة، بما هي دلالة قول، ودلالة سؤال، ودلالة كتابة، إنه القلق الشعري الذي يدمن ترحاله في جغرافيات الممكن، كما في جغرافيات المحتمل والمستحيل، ما يؤدي إلى مراكمة تجارب متعددة ومختلفة، تكون كل منها مؤطرة بإوالياتها النظرية، التي يترتب عنها وضع سلسلة متتالية من التعاريف المؤشرة إلى طبيعة التحولات الفكرية والجمالية، التي تعايشها الذات القلقة، والموشومة بحرقة أسئلتها، على امتداد حلها وترحالها، في مضايق الرؤية والإنصات.

وإذا ما نحن سلمنا بأن التعريف هو الذي يضيء مجراها، فإن هاجس الاحتفاء به قد يتراجع إلى الظل، كي تتحرر الكتابة تماما من سلطته، لتستمتع بتلمس مكامن الضوء الفردوسي، دون أن يؤثر ذلك التراجع في تنامي حركيتها، وفي سيرورة إنجازها للترسيمة التي جادت بها بؤرة الضوء.

فالرؤية الشعرية الوثيقة الصلة بهذه التجارب، تمارس بحثها عن النص الشعري، في سياق تربصها المستدام بلحظة انبجاس تلك البؤرة الخيميائية، التي تشع منها أنوار القول. وهي البؤرة الخفية التي يحدث أن تعلن عن حضورها خلسة، بقوة الحدس المؤطر بالمعرفة الشعرية، كما أنها إلى جانب ذلك، بؤرة منذورة للاستنفاد، بفعل استهلاك الشاعر لما تحفل به من أفانين القول، ومن إمكانيات التعبير المغاير والمختلف. كما أن الاهتداء إليها يتخذ منحى فرحا وصوفيا، بوصفه جزاء مستحقا، تسفر عنه هباته، مجموع تلك المكابدات الفكرية والحسية المستبدة بالذات الشاعرة، في خضم بحثها القاسي والجمالي، عن «الوعد الفردوسي» الذي من أجل استشرافه وجدت. ونعني به حالة الانتشاء والاغتباط الاستثنائي، التي يحدث أن تستغرق الذات الشاعرة، إثر تعرضها للشحنات الإبداعية الصادرة عن بوتقة البؤرة، التي تنقاد بانخطافها نحو مسكنها الرمزي. فعبر هذه الشحنة المتعددة الأبعاد، يتشكل الأفق اللامتوقع واللامنتظر للنص المعزز باختلافه وبمغايرته، حاملا معه مشروع رؤيته الجديدة للتعريف المغاير، الذي لا يلبث أن يعلن عن نهاية مهامه، مع الانطفاء الحتمي لبروق البؤرة الخاطفة.
ذلك أن خصوصية اللحظة الشعرية، تتمثل في فيضها الفجائي، العابر والمؤقت، الذي تحتد به ملابسات الرؤية وحيثياتها، موحية بإمكانية جديدة من إمكانيات الاجتراح الشعري. علما بأن هذه الإمكانية تظل متاحة نسبيا بمقدار احتفاظها بطراوتها، وبقوتها الإقناعية، التي تصفو معها المشاهدة والمعرفة، في انتظار إشراقة أنوار بؤر جديدة. وما نعنيه باحتداد ملابسات الرؤية، هو ذلك التمثل الحدسي لزاوية التقاط مباهج القول، وترسيمته الجمالية.
طبعا، لا يخضع الأمر لأي شكل من أشكال الصدفة، بقدر ما هو نتاج ممارسة خبيرة بآلية اشتغال إوالياتها، حيث تنبجس الكتابة من بين الصلب والترائب، انبجاس كائن ضاق به اكتماله، فجاهر تلقائيا بتجليه أمام فرحة اندهاشنا.
هكذا يمكن الحديث عن فتنة وجماليات البدايات المتتالية للشيء المختلف، وبدل الاهتمام بالاستمرار الطولي للتجربة، سيكون من الموضوعي التنويه بما يتخللها من تقطعات، تحبس معها الكتابة أنفاسها، من أجل إعادة النظر في معنى وجودها، وفي صيغ تدبيرها لهذا الوجود. ذلك أن الديمومة التي يطيب لفراشات الكتابة أن تحترق بنارها، لا تدرك إلا عبر عنف تلك «التقطعات» المخلخلة لسكونية الذات، كي لا تظل مستسلمة لسبات استمرارية رخوة، ومحرومة من جذوة الحياة.
من هنا سنلح على جدوى تجدد البداية، بما هي أداة لتجديد طرح أسئلة البحث، وطبعا على ضوء تجديد صياغة ما أمكن من التعاريف، التي تتسع معها شبكات ومدارات الكتابة.
وإذا ما نحن سلمنا بأن التعريف هو الذي يضيء مجراها، فإن هاجس الاحتفاء به قد يتراجع إلى الظل، كي تتحرر الكتابة تماما من سلطته، لتستمتع بتلمس مكامن الضوء الفردوسي، دون أن يؤثر ذلك التراجع في تنامي حركيتها، وفي سيرورة إنجازها للترسيمة التي جادت بها بؤرة الضوء.
من هنا يمكن التشديد على أهمية التعريف، الذي سبق أن قاربناه في سياق آخر، والقائل إن الشعر هو «مسكن الكائن»، حيث ينعدم أي إسقاط جاهز، من شأنه التضييق على دلالته بتوصيف تجزيئي، يحصر هويته المتشعبة والمتعددة الأبعاد في بعض مقوماتها الثانوية. ذلك أن المسكن هنا يحضر بصيغة اللامتناهي، بما هو جوهر يحيل على الخصوصية المركزية في بنية القول الشعري. كما أن القول به يفتح الباب على مصراعيه، كي تلج القراءة كل المساكن المحتملة التي تميل إلى استكناه خباياها، حيث يعكس تعدد وتنوع المساكن، التعدد والتنوع الطبيعي نفسه اللذين تتسم بهما التجارب الشعرية، بصرف النظر عن قيمتها. فتعدد مستويات الاشتغال هو المحك الذي يتم من خلاله التمييز بين التجارب/المساكن، التي تستقل كل منها بذهنياتها وأمزجتها، انسجاما مع استقلالية مساراتها واختياراتها. غير أن ذلك لن يمنعنا في نهاية المطاف، من الفصل بين شعرية مسكونة بهاجس اقترابه من مباهج الرؤيا، وأخرى، مهووسة بتفقد وجهها في مرايا العدم.

شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية