مجلس رئاسي يمني من الخارج ورئيس الصدفة هادي يبتلعه المنفى

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

ابتعدت الحرب المأساوية في اليمن عن عناوين الأخبار، ولم يعد الناس يشاهدون صور الأطفال الجوعى والهزال في المستشفيات ولا الدمار الذي تسببت به الحرب المستمرة منذ سبعة أعوام، فقط غطى عليها الغزو الروسي لأوكرانيا في شهر شباط/فبراير. ومن المفارقة أن إدارة جو بايدن، تبنت الملف اليمني في أول خطاب للرئيس خصصه للسياسة الخارجية، ودعا فيه لوقف الحرب في هذا البلد الفقير المنهك من سنوات الدمار والتهجير، وعين بايدن مبعوثا خاصا لليمن، لم تحقق دبلوماسيته المكوكية الكثير من النتائج.

من أوكرانيا إلى اليمن

ولم يرض الحلفاء في الخليج عن سياسة بايدن من اليمن، وتحديدا عندما قرر شطب صفة الإرهاب التي وضعتها إدارة دونالد ترامب على المتمردين الحوثيين الذي يخوض تحالف بقيادة السعودية حربا ضدهم. وباتوا يسيطرون على معظم شمال اليمن، في وقت شجعت فيه الإمارات الشريك المهم للسعودية النزعات الإنفصالية فيه. إلا أن اليمن الذي كان يحكم أو أجزاء منه من العاصمة الرياض وجزء يوجه من أبو ظبي وغالبيته من طهران، لم ينج من ظلال الحرب الأوكرانية. فعندما قرر بايدن تعبئة العالم ضد الرئيس فلاديمير بوتين والبحث عن مصادر بديلة عن الطاقة في الفضاء التقليدي للولايات المتحدة، فوجئ ان هذا الفضاء قد تغير بعد عشرين عاما من السياسات الأمريكية غير المتماسكة في الشرق الأوسط، فلم تسارع دول الخليج ولا حتى إسرائيل الحليف الأقوى المرتبطة بأمن الولايات المتحدة لدعم بايدن في مسعاه لاحتواء وردع بوتين. والسبب ان روسيا بعد مساعدتها بشار الأسد في سوريا عام 2015 نفس العام الذي بدأ فيه التحالف السعودي غاراته الجوية على اليمن، بدأت ببناء مناطق نفوذ لها بالمنطقة، مع أنها لم تصل لدرجة الهيمنة، فالسلاح الروسي كان المصالح المشتركة، مع إسرائيل مثلا كانت سوريا ومع دول الخليج كانت الطاقة، أو ما عرف بتحالف أوبك+ بالإضافة لصفقات الأسلحة مع مصر.
أما الصين التي وضعها بايدن على رأس أولوياته كخصم لدود فقد استطاعت التغلغل بالشرق الأوسط عبر التجارة ومشاريع البنى التحتية، أو ما يعرف بمبادرة الحزام والطريق. ولهذا التزمت هذه الدول بالحيادية خشية إغضاب بوتين.
وتتعرض السعودية منذ سنوات لهجمات بالصواريخ الباليستية والمسيرات القتالية التي يطلقها الحوثيون من داخل اليمن. وباتت تترك آثارا مدمرة على المدن والمنشآت السعودية. وعندما استهدف الحوثيون أبو ظبي في بداية العام الماضي، عبر الإماراتيون عن غضبهم من غياب الدعم الأمريكي المعنوي والمادي لهم ضد الحوثيين وطالبوا إدارة بايدن بإعادة النظر بقراره شطب الحوثيين عن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية وشملهم مرة أخرى. ورفضت الإمارات المسعى الأمريكي لزيادة معدلات إنتاج النفط وامتنعت عن التصويت باعتبارها عضوا غير دائم في مجلس الأمن ضد قرار يشجب الغزو الروسي في أوكرانيا. كل هذه التحركات لا تخفي حقيقة أن السعودية تحديدا تريد الخروج من اليمن بطريقة غير مهينة. فقد فعلت الإمارات عام 2019 بعدما أكدت حضورها في الجنوب وموانئه المهمة. ومن هنا يفهم أن الضربات الصاروخية جاءت ردا انتقاميا على دعمها عملية عسكرية في شبوة قريبا من مأرب، المعقل الأخير للحكومة اليمنية في الشمال، وهي المدينة الغنية بالغاز وتضاعف عدد سكانها بسبب نزوح الملايين إليها من الشمال. وحاولت السعودية عقد جولات من المحادثات مع ممثلين من الحوثيين في عمان المحايدة بدون جدوى، فالجانب الحوثي الذي يهدد السعودية من جهة ويسيطر على معظم الشمال ومعاقله التقليدية في صعدة وميناء الحديدة الحيوي لعمليات الإغاثة الإنسانية إلى جانب الجائزة الكبرى، العاصمة صنعاء ليس في وارد تقديم تنازلات للطرف الأضعف في الحرب الحالية، أي الحكومة اليمنية المعترف بها شرعيا وأجبرت على المغادرة إلى عدن حيث أقامت عاصمتها هناك ولتبدأ الحكم من المنفى.

الرئيس يتنحى

وهنا يكمن قرار الرئيس عبد ربه منصور هادي التخلي عن السلطة يوم الخميس وتكليف مجلس رئاسي بإدارة شؤون البلاد، منهيا عشرة أعوام من العمل السياسي في بلاده الذي فشل باستعادة عاصمتها ولا توحيد الأطراف السياسية فيها ضد الحوثيين بل وحتى إدارة مناطقه بطريقة فعالة، فرئيس الصدفة الذي انتخب في استفتاء بعد رحيل علي عبد الله صالح عن الحكم عام 2012 لم يكن قادرا على الحكم، حتى عندما كان في العاصمة، ذلك أن ظل الرئيس السابق صالح بقي حاضرا في العاصمة، وانتهى مصير «رئيس الصدفة» عندما تحالف صالح مع أعدائه السابقين والذين خاض معهم سلسلة من الحروب ما بين 2004- 2010 وفتح لهم أبواب العاصمة صنعاء. ونعرف ما آل إليه مصير صالح عندما حاول التخلي عن الحوثيين وقتلوه عام 2017.
وجاء قرار هادي بعد الإعلان عن وقف لإطلاق النار مدته شهرين، وحظي قراره إن لم يكن قد تم بترتيب من مضيفيه السعوديين وحلفائه الإماراتيين والإعتراف بأن صلاحية هادي الذي يعيش بمنفاه السعودي منذ ستة أعوام انتهت ولا بد من البحث عن وجهة أخرى وإعادة بناء التحالف المعادي للحوثيين.
ففي حيثيات قرار الذي جاء بعد عزله لنائبه المثير للجدل في الساحة اليمنية والحاضر في المشهد السياسي والعسكري اليمني منذ 40 عاما، علي محسن الأحمر، أعلن عن تخليه عن السلطة لصالح مجلس رئاسي يملك الصلاحية لإدارة محادثات السلام مع الحوثيين.
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» (7/4/2022) أن الخطوة هي الأهم لإعادة تنظيم القوة المعادية للحوثيين، مع أن المحللين تساءلوا عن قدرة هذا المجلس بأعضائه الثمانية المتعددين الولاءات والمتباينين في مواقفهم على دفع العملية السلمية. وتساءلوا عن دستورية قرار هادي، لأن تسليم السلطة يجب أن يتم عبر انتخابات.
وكتب غريغوري جونسون، العضو السابق في لجنة الخبراء عن اليمن في الأمم المتحدة، تغريدة على الإنترنت قال فيها «من الواضح أنها محاولة أخيرة لإعادة تشكيل شيء يعطي صورة عن الوحدة داخل التحالف المعادي للحوثيين. والمشكلة هي عن الكيفية التي سيعمل بها هؤلاء الأفراد المتعددين والذين تتعارض آراء الكثيرين مع بعضهم البعض».
ويقول محللون يمنيون إن قدرة المجلس الجديد على العمل بشكل موحد يجب أن لا تؤخذ على علاتها، فهو يضم شخصيات طالما لعبت دورا في تشرذم الجبهة المعارضة للحوثيين، فهو يضم عيدروس الزبيدي، الذي يقود حركة الانفصال الجنوبية ويقدم نفسه على أنه رئيس اليمن. ومن المتوقع أن تتضارب المصالح التي يمثلها أعضاء المجلس. وسيرحب الكثيرون برحيل الأحمر، الشخصية العسكرية القوية والمقربة من حركة الإصلاح اليمنية المرتبطة بالإخوان المسلمين التي عانت من الجماعات المرتبطة بالإمارات بالجنوب والمجلس الجنوبي الانتقالي بزعامة الزبيدي. وكان هادي قد كلف الأحمر بمهمة استعادة صنعاء. إلا انه تم استرضاء الإصلاح بشمل المجلس محافظ مأرب الشهير سلطان العرادة الذي يقيم علاقات جيدة مع قيادة الحزب. ويترأس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، وزير الداخلية السابق في ظل صالح وله علاقة قوية مع السعودية. ومن أعضائه عبد الله العليمي، مدير مكتب الرئاسة لهادي وعضو حزب الإصلاح الإسلامي. ودعمت الإمارات أعضاء آخرين، لا يوجد اتفاق بينهم حول مستقبل اليمن، وأولهم طارق صالح، ابن أخ صالح. ودعم طارق الحوثيين مرة ولكنه يقاتلهم اليوم. ويعلق جونسون بمقال نشره موقع معهد دول الخليج العربية (7/4/2022) أن المشكلة التي تواجه صالح هي أنه شمالي ويعمل بالجنوب ولا يحظى بشعبية نظرا للتحركات التي اتخذها هو وعمه خلال العقدين الماضيين. أما الثاني فهو فرج البحسني، محافظ حضرموت وقائد قوات النخبة الحضرمية والذي أبعد نفسه خلال العامين الماضيين عن المجلس الجنوبي الانتقالي، وأثارت جماعته الغضب في حضرموت بسبب انهيار البنية التحتية واستمرار انقطاع التيار الكهربائي وانهيار العملة. أما الثالث فهو عبد الرحمن ابو زرعة، القائد في كتيبة العمالقة والتي لعبت دورا مهما في إخراج الحوثيين بعيدا عن شبوة بداية العام الحالي. وربما كان شمل العرادة في المجلس إلى جانب عثمان المجلي، الشيخ القبلي من صعدة وله علاقة مع السعودية لبناء توازن جغرافي على المجلس. وتساءل جونسون عن توقيت هادي تنحيه عن السلطة؟ ويجيب أن اللحظة التي اختارها لنقل السلطة ربما ارتبطت بضغوط ومحفزات من السعودية، وجاءت وسط انعقاد مؤتمر اليمن في الرياض، تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي.

فرانكشتاين

وأشار جونسون إلى أن المجلس هو محاولة لتشكيل هيئة تعطي صورة عن الوحدة بين عدة قطاعات داخل الجماعات المعارضة للحوثيين، مشيرا إلى أن اليمن ليس لديه تاريخ ناجح في المجالس الرئاسية والتي كانت تبدو كمحاولات يائسة لتجاوز الخلافات العميقة. وأشار إلى أن المجلس الأخير يبدو وكأنه «وحش فرانكشتاين» أكثر من غيره. ففي عام 1990 وبعد إعلان الوحدة مباشرة، أعلن اليمن عن مجلس رئاسي مكون من خمسة أفراد، تحول لاحقا إلى حرب سرية أعقبتها حرب أهلية لمدة أربعة أعوام. وحاول صالح في 2016 أمرا مشابها مع الحوثيين واتفقوا على تشكيل «المجلس الأعلى السياسي» وتفكك بعد عام واحد وقتل صالح على يد حلفائه الجدد. ولا يتعدى المجلس الحالي إلا كونه محاوله لبناء شيء يضفي صورة على وحدة من نوع ما. والمشكلة تظل مرتبطة بقدرة هذا المزيج على العمل معا. فمهمة المجلس، نظريا، هي جمع كل الوحدات العسكرية والجماعات المسلحة تحت مظلة واحدة للتفاوض مع الحوثيين أو تشكيل جبهة ضدهم. وهي مهمة صعبة لأن العناصر المختلفة في المعادلة اليومية تحمل رؤى متباينة ومختلفة عن مستقبل اليمن. ومن غير المحتمل أن تتخلى عن خلافاتها وبعد سنوات من الإقتتال بينها والتعاون معا ضد عدو مشترك. ويظل الوضع إشكاليا في الجنوب، حيث تعهدت الجماعات الموالية للمجلس الجنوبي الانتقالي بحصر المعركة بالجنوب، فهل ستكون مستعدة لدفع قواتها شمالا ومواجهة الحوثيين؟ وتنظر كل جماعة إلى الحرب على أنها لعبة صفرية، بمعنى أن خسارة واحدة منها هي مكسب للطرف الآخر. وزاد عدد الجماعات المسلحة بشكل يجعلها غير مستعدة للتخلي عما بيدها. وأن تلجأ السعودية وحليفتها الإمارات لهذا الحل، أي مجلس من ثمانية أفراد يمثلون أطرافا وجماعات متبانية بالرؤية والهدف يعطي صورة عن الخلافات العميقة بين «التحالف» المعادي للحوثيين. وسيجد المجلس معارضة من الجماعات التي لم تضم وهمشت، وسيواجه أزمة شرعية لأنه ولد على يد السعوديين والإماراتيين. فهم معنيون بإنهاء الحرب مهما كان الثمن. وقرر البلدان تقديم دعم مالي لليمن، بعد قرار هادي بـ 3 مليارات دولار، منها مليار دولار لتقوية البنك المركزي الذي قسمه هادي إلى قسمين بنقل مركزه إلى عدن وفشل في دعم العملة اليمنية المنهارة. وقابل محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي أعضاء المجلس الجديد، حيث وزعت وكالة الأنباء الرسمية السعودية صورا له وهو يصافح أعضاء المجلس.

أين الفيل؟

جرى كل هذا وسط غياب «الفيل» من الغرفة، أي الحوثيين حيث انتقد المسؤول البارز بالحركة محمد البخيتي التشكيلة الجديدة في تغريدة على تويتر واصفا المجلس بغير الشرعي. ورفض الحوثيون المشاركة في مؤتمر الرياض قائلين أن أي نقاشات بشأن اليمن يجب عقدها في بلد محايد. واتهم البخيتي حكومة هادي ووزرائه بقضاء أوقات في الفنادق «يرفض الشعب اليمني حكومة الفنادق ولأنها أصبحت ضيفا على فندق الرياض، فكيف نقبل المجلس الذي ولد بالفندق». ورفض الحوثيين إشارة عن التحدي الذي يواجه المجلس، أي رغبتهم بالحوار، فقد تطورت الحركة من جيش متمرد مهلهل في الشمال لكي تصبح حكومة الأمر الواقع وتمول نفسها من اقتصاد الحرب وتطلق الصواريخ الباليستية ضد السعودية وجارتها الإمارات.
وفشل التحالف السعودي بهزيمة هذه الجماعة خلال سبعة أعوام من الغارات والمواجهات، فهل ستتخلى الحركة عن المكتسبات التي حققتها طوال الحرب، والتفاوض مع منافسيها المتقاتلين وداعميهم في الرياض وأبو ظبي الباحثين عن مخرج من هذه الحرب التي دخلت في أفق مسدود تستنزف الموارد المالية؟ والسؤال إن كان التغيير على جبهة التحالف ضد الحوثيين سيخيف حكام صنعاء الحاليين؟ وتجيب سينزنيا بيانكا، الزميلة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، حسبما نقلت عنها شبكة «سي إن إن»: «اعترفت (السعودية) بضرورة التحرك وبقوة لتوحيد التحالف المعادي للحوثيين» و «هذا بالتأكيد لفتة للحوثيين وإظهار أن الجبهة الحوثية التي ظلت منقسمة ومتشرذمة تحاول بطريقة ما، البحث عن حياة ثانية». وربما كانت عملية إخراج للجني من القمقم، وهناك شكوك حول قدرة السعودية على بناء هدف مشترك ووحدة بين أعضاء المجلس الجديد.

إيران

ويجب ألا نستبعد الإطار الإقليمي، في الإعلان الأخير. فقد جرى تعديل الإطار السياسي، أثناء المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إحياء الاتفاقية النووية. وربما كانت محاولة توحيد الفصائل اليمنية تحضيرا لعملية تصعيد، كما تقول بيانكا من المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية. وفي النهاية لن يعيد قرارهادي اليمن كما كان قبل سيطرة الحوثيين، فقد تحولت الحرب فيه إلى حروب متعددة وجماعات تتقاتل على بلد محطم. وبالتأكيد فرحيل هادي سيكون مساحة للتفكير بما بعد، فهذا الرجل الذي عاش في الظل مدة 33 عاما وانتخب لعامين في تسوية قادتها دول الخليج لم يستطع أن يرتفع لمستوى التحدي ويترك أثره على اليمن علاوة على الجنوب الذي جاء منه، وظل عاجزا ومخربا لأي عملية تسوية كما في محادثات الكويت عام 2016. وربما أدرك رعاته السعوديون أنه بات بالفعل عقبة أمام التسوية والخروج من المستنقع اليمني، وبحثوا عن آخرين للمساعدة في العملية. وفي مفارقات السياسة عاش خارج الصورة وعندما دخل الصورة ابتلعه المنفى والمنفى قدره الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية