أيامنا ملأى بها من كل جنس وأمّة: الخيانات الكبرى

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

قبل أكثر من 60 عاما أطلق السيّاب صرخةً حارقةَ الكلمات:

إني لأعجب كيف يُمكن أن يخونَ الخائنون؛
أيخون إنسانٌ بلادَه؟!

تُرى لو عاش السيّاب إلى هذه الأيام التي يُفرِّخُ الخائنون فيها تفريخَ الأرانب في حقل مهجور، ما الذي كان سيصرخ ويقول؟
أيامنا هذه ملأى بخوَنةِ البلاد، من كلِّ جِنسٍ وأمةٍ، وكلٌّ يدّعي الانتساب إلى البلاد. ولكن إن رجعتَ بنَسَبِه إلى عقدين أو ثلاثة وجدتَ أنه من أصل فُلانستاني أو فُستكانستاني، جاء جَدُّه إلى البلاد وعلى كتِفه سجّادة صلاة لا يعترض عليها موظف الحدود، لأن الرجل قادم لزيارة العتبات المُقدسة بقصد الصلاة والتبَرُّك. ولكنه ما إن يصل إلى أول مسجد حتى يبدأ اللجوء إلى أول زاوية في السوق ليبيع السجّادة قبل أن تتبارك بالصلاة، ويبدأ بتحضير مستلزمات الشاي، لكي يبيعَه للزوّار الأتقياء، ويكسبَ منه الرزق الحلال، ولا تدري أي زائر مثله قد سَبقه فأعانه في تحضير مستلزمات تجارته الحلال. وإن هي إلاّ شهور قليلة ويغدو بائع الشاي صاحب تجارة ببضائع أعلى شأناً من بيع الشاي. وتنفتح عليه أبواب الرزق، ولا تسَلني كيف؟ ويعلو في المنزلة الاجتماعية فيعتَمر عمامةً يعلوها «دبل تاير» فيطرق أبواب السياسة، ويغدو مُفوّهاً في شؤون البلاد ومصائر العباد. ويتكلم باسم الوطن ومصلحة الشعب ولكنكَ لا تنطلي عليك لكنتُه غير العربية فتكضم غيضك وتكتم أنفاسك، لأن الحيطان لها آذان. فالرجل يتكلم باسم الشعب، وليس به حاجة إلى الراتب من وظيفته السياسية هذه، لأنه قد جمع الملايين من تجارة الشاي فصاعداً، وأودع تلك الملايين في بنوك البلاد المجاورة التي يمكن أن «ينتقل» إليها وقتما يشاء لينعم بما كسِب بعرق جبينه. ولا تلبث أن تسمع أن هذا السياسي وأمثاله من أبناء عمومته قد عصفت بهم رياح السياسة المُتقلِّبة فالتجأ وصحبُه إلى بلاد أجنبية لا يعرف حتى لغتها، ولكنه «تغرّب لا مُستعظِما غير نفسه» منتظراً العودة إلى «بلاده» على ظهر الدبابة الأجنبية، بوصفه من معارضي «النظام التسلّطي المُباد» ويستأنف النضال في سبيل الحق وإعلاء كلمة الوَطَن، وَطنِه المضام!
وتقول إن هؤلاء يسعَون في طلب المناصب والسلطة ويوجد مثلهم كثيرون في بلاد أخرى، لكن هذه الظاهرة جديدة في بلادنا، فهل في تراثنا ما يشبه ذلك أو قريبا من ذلك؟ أقول: بلى، ومن المخزي أن أقول بلى. فنحن نعرف من أيام المدرسة أن أول وأشهر شاعر عربي هو امرؤ القيس، الأمير والوريث الشرعي لمَلِكٍ من ملوك العرب، كان مستعجلاً لبلوغ سرير المُلك، وقيل إنه كان يخشى أن تسبقَه إليه القبائل العربية الأخرى، فقرّر الذهاب إلى قيصر القسطنطينية ليطلب عونَ الأجنبي لكي يبلغ المُلك ويُبعِد القبائل العربية الأخرى بقوة استمدّها من الأجنبي. وامرؤ القيس نفسه يخبرنا بذلك:

بكى صاحبي لما رأى الدربَ دونَه / وأيقنَ أنّا لاحِقانِ بقيصرا
فقلتُ لهُ لا تبَكِ عينُك إنما / نُحاول مُلكاً أو نموتَ فنُعذَرا.

والذي يتبادر إلى الذهن أن أول شاعر عربي خاطب اثنين من أصحابه لا صاحباً واحداً: قِفا نبكِ، يقول الآن: بكي صاحبي، فلماذا لم يأخذ معه صاحبين؟ ألأنه لم يجد سوى واحدٍ يرافقه في رحلة العار تلك؟ فهو لم يبلغ المُلك بل إنه مات ولم يُعذَر، ولم يَبقَ من ذكره سوى شِعرهِ السابق على رحلة العار. أما المتسابقون اليوم لبلوغ المُلك أوالرئاسة بدعم من الأجنبي فلا يَعنيهم أن يُدرك الشعبُ، غير المضحوك عليه، أنهم زَبَدٌ سوف يذهب جُفاءً عما قريب، لذا عليهم أن ينهشوا أكبر لقمةٍ قبل أن يدورَ الدَور!
وفي حاضرنا، البعيد جدا ًعن أيام امرؤ القيس ، لدينا مثالٌ لاذع في صُراخِه: شخصٌ كان يعمل بما حسبناه إخلاصاً لقضية كلِّ العرب، ولكن تبيَّن لاحقاً أنه كان يعمل في الخفاء لبلوغ مركزٍ أعلى في تلك المنظمة، التي كانت تعمل جاهدةً لتخليص الوطن من الاستعمار البغيض، على الرغم من قلّة ما بيدها من عُدّةٍ وعَدَد. وإذا بذاك الفهلوي ينسحب خلسةً ويرتمي في أحضان نظام عربي آخر، كان يعمل خلسةً، هو الآخر، مع العدوّ، من أجل ضمان حماية لنظامه من عدوٍّ مُحتمل مشترك، تطبيقاً للحكمة المعطوبة: عدوّ عدوّي صديقي. ولكن هذه المعادلة ذات الحدّين كانت أكثر تعقيداً من قدرة هذا الفهلوي على استيعابها، فوقع في شرِّ أعماله، ولم يَعُد بمقدوره أن يعود عودة الإبن الضال، ولم يَعُد يدرك ما ينتظره في أحضان وليّ نعمته الجديد، الذي يدرك مع العدوَّين الخارجييَن أن المصالح الشخصية المادّية بالدرجة الأولى لا يمكن أن تَثِق بمخلوقٍ قُلَّب: اليوم مَعك وفي الغد ضِدك، ولا بد أنهم سوف يقذفونه قذفَ النواة، عاجلاً وليس آجلاً.
والرُهاب من فقدان العروش، ولو أنها زائفة، وقد جاءت بالصُدفة، ويمكن جدّاً أن تزول بالصُدفة كذلك، هو ما يقضّ مضاجع بعض الحُكّام في أيامنا البائسة هذه. فهم يعرفون بالفطرة أنهم لا يملكون شيئا سوى المال، الذي جاءهم على غير توقّع، فاحتاروا ماذا يفعلون به. فليس في مواضيهم البعيدة أو القريبة أيّة فكرةٍ أو خطط عن مشاريع للاستثمار تعود بالخير على أبناء البلد. فما كان منهم إلاّ أن «استورَدوا» من البلاد الأخرى من كانوا يدّعون بأنهم خبراء وتبيّن بعد فترة أن أغلبهم محتالين، وَسيلتُهم إلى جيوب هؤلاء الأغنياء الجُدُد أساليب التملُّق والمديح الزائف، فيخرجون من الغنيمة مثقلين بالأموال، ومبدأهُم: «دول شوية…. تضحك عليهم بكلمتين، وتاخذ اللي أنت عاوزه».
وبقي هؤلاء الحكّام الزائفون خائفين على عروشهم أن ينهشَها من لديه القوة والوسيلة من البلاد الأخرى القريبة أو البعيدة، على الرغم مما بذلوا من أموالهم خانعين خائفين، راقصين بالسيوف الذهب في استقبال المُنقِذ المُنتَظَر دون أن يحصلوا على حماية أكثر من الوعود والحماية اللفظية، فقدَح في ذهن «الخبراء» فيهم أن طلب الحماية من عدوّ عدوّي قد تكون أجدى، فأخرجوا اتصالاتهم السرية إلى العَلَن وطلبوا الحماية من عدوّ الأمس الذي انقلب إلى صديق ومُعين، حتى قبل العشيّة وضُحاها، وصار العدو-الصديق يجوس خلال الديار، ويأمر بإقامة معابد خاصة بديانتهم في البلد عدوّ الأمس صديق اليوم، ويأمر بإعداد الطعام حسب تعاليم ديانتهم العدوّة-الصديقة. فهل ثمّة مذلّةٌ بعد هذه المذلّة، وهل جرى أو يجري أيُّ عمل من جانب العدو-الصديق يُفيد بالإقدام على حماية «المناطق المتصالحة» وهو الاسم الجديد لما كان المُستعمر القديم يدعوه «الشواطئ المتصالحة»؟ من قال إن التاريخ لا يُعيد نفسه! وإن كانت هذه ليست خيانة للوطن، فماذا نسمّيها؟؟؟
والجواب على تساؤل السيّاب يأتي بعد أكثر من 60 عاماً، مغلّفا بدخان البراميل الحارقة التي يُلقيها «إنسانٌ على بلادِه» وهكذا «يخون إنسانٌ بلادَه» يا عزيزي السيّاب الذي كان آخر مرة حدّثتكَ حديثا فيها قصيراً في «باص الأمانة» المُنساب نزولاً في شارع الرشيد قبل أن تنزل في موقف «سيد سلطان علي». أما زِلتَ تسأل من ظلُماتِ قبرِكَ، في مقبرة الحسَن البصري في الزبير بظاهر البصرة، ذلك السؤال القديم الجديد؟
ليتَكَ تعود إلى الحياة ليومٍ واحِد لترى وتَسمع ما أرى وأسمع ولكنني لا أصدِّق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية