الروائية المصرية سهير المصادفة: ما كُتب عن الثورات العربية حتى الآن يدعو إلى الرثاء!

حجم الخط
0

محمد القذافي مسعود*ما أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية الآن؟* أظن أن التحدي الأكبر الذي يواجه الرواية العربية الآن هواكتمال طور نضجها الأخير لكي يكون لها متسعٌ أكبر على خريطة الإبداع العالمي، فعلى الرغم من فوز نجيب محفوظ كروائي عربي بجائزة نوبل وعلى الرغم من تمثيل بضع روايات في خريطة الإبداع العالمي هنا أو هناك، إلا أنني أجد أن العالم لم يزل ينظر للرواية العربية المعاصرة كمكملة لنظرته الفلكلورية للعرب بشكلٍ عام. الرواية العربية تفتقد إلى مقومات بلوغها طور النضج الآن ومن أهمهه غياب القارئ الذي يُعتبر أول عمود من أعمدة دعم الكتابة، وغياب حركة نقدية عربية قوية مما يؤدي إلى غياب معايير الجودة التي تدفع الرواية إلى مستوياتٍ أعلى في الأداء، بل حدث الأسوأ على الإطلاق عندما تركت الحركة النقدية مقاعدها لـكتبة التغطيات الصحفية العابرة أو الانطباعات السريعة التي دشنت طوال الوقت أعمالاً ضعيفة القيمة لأسبابٍ شتَّى أهمها سهولة استيعابهم لتلك الأعمال وبالتالي سهولة الكتابة عنها، عندما انبهر العالم بالثورة المصرية وتابعها على مدى ثمانية عشر يوماً، وخرج ‘أوباما’ خاطباً في شعبه داعياً إياهم أن يكونوا مثل الشباب المصري، فوجئنا بصيحات المتابعين للأدب في الصحف الغربية يطلبون قراءة الأدب العربي !!! *السارد الديمقراطي بحسب نبيل سليمان وما يعوق السرد عنده؟* يعرف القارئ الذكي أنه من المستحيل أن يكون السارد ديمقراطياً مهما حاول، إن شخوص العمل الإبداعي بعد فترة تتمرد على ساردها الديمقراطي وتضيق بديمقراطيته هذه، فالطاغية مثلاً الذي يبطش برعيته يجده السارد عند لحظة ما لا يريد أن يعبر عن نفسه بحرية أو يتحاور بديمقراطية سارداً مبرراته للبطش، وإنما يكرر فعل البطش هكذا لتحل نهايته المحتومة دون إبداء أسبابٍ، أتذكر الآن كاتبي المفضل ‘دوستوفيسكي’ فعلى الرغم من أنه التجلي الأكثر روعة للسارد الديمقراطي إلا أنه لم يستطع في النهاية أن يكون ديمقراطياً مع الأب في ‘الإخوة كارامازوف’ وإنما أفلتت منه زفرات فرحٍ هنا أو هناك بعد مقتله وطوال آخر صفحات الرواية.*إلى أي حد تضر الأدلجة بالنص؟ *لم أقرأعملاً سردياً جيداً حتى الآن إلا وكان صاحبه يمتلك رؤية أيديولوجية واضحة إزاء العالم، وأعني هنا الأيديولوجية بتعريفها الأشمل حيث انها مجموعة منظمة من الأفكار تشكل رؤية متماسكة للكون والقضايا والتفاصيل اليومية ومن ثم قد تتخذ منحى سياسياً معيناً، من السهل جداً أن نرصد الرؤى الأيديولوجية في الأعمال الكبرى بشكلٍ عامٍ الكلاسيكية والحديثة منها على السواء ابتداء من أعمال دوستوفيسكي ومروراً بالكاتب الكولومبي ماركيز وحتى جوزيه ساراماغو ولوكليزيو، إن الخطأ الذي وقع فيه كثيرون من النقاد هو تبويب عدة أعمال ناجحة على أنها لديها طرق جديدة في السرد من أهم سماتها افتقاد الإيديولوجية وأجد أن ما دعاهم إلى هذه النتيجة مجرد تعريفهم البسيط الشائع للأيديولوجية وليس مفهومها الأشمل، فالكتابة الحقيقية التي تستطيع عبور حاجز الزمن أجد من أهم سماتها غرقها في كل ما هو إنساني ولن يكون هكذا إلا وممثلاً فيه الأيديولوجي بألوانه المتعددة.*كيف يستفيد الكاتب من التراث الخاص والعام لبلورة رؤية تحدد مسار نصه؟* النص الحقيقي يجد دائماً جذوره في التراث سواء كان عاماً أو خاصاً، وسيكون طرق الباب العكسي افتعالاً مفزعاً ومفرغاً من السمت الإبداعي، إن التراث يواصل حضوره مع كل ما يشبهه من فروع في اللحظة الآنية دون تعمدٍ ما من المبدع لاستحضاره بل هو يفرض وجوده فرضاً فيعمل على تأصيل هذه الفروع ورعايتها حتى تصير جذوراً عملاقة هي بدورها. لم يتعمد على سبيل المثال ‘ماركيز’ أن يستفيد من تراث شعبه وحكاياته الشعبية بل من حضور طبيعة السرد في ألف ليلة وليلة في رائعته ‘مائة عام من العزلة’، وإنما كان كلّما سبر عمق لحظة مجتمعه الآنية وعمق مشاعره إزاء الكون الشاسع المعقد الممتد كان تراث شعبه والتراث العالمي يحل حلولاً باذخاً في اللحظة. أما عند الذهاب متعمدين للاستفادة من التراث، فهو سرعان ما يلفظنا لأنه يظل الأقوى والأنصع أصالة والذهاب إليه بغرضِ الاستفادة المباشرة منه دائماً ما يكون تكراراً باهتاً وإعادة إنتاج له.*كيف لا تكون رواية العمل التاريخي ‘رواية تاريخية’؟* هناك روايات تاريخية نجدها أقل أهمية وأقل جمالاً عن كتب التاريخ المتوفرة في المكتبات، هذه الروايات ارتضت لنفسها أن تتكئ على التاريخ اتكاءً كلياً، ولأن التاريخ قد كُتب غالباً من وجهة نظرٍ رسميةٍ فإن الإبداع يكاد يضمحل تماماً من سطور الروايات المستقاة منه والتي لا تكون في النهاية سوى صورة باهتة من كتبٍ رسخت في أذهان قرائها من شتّى الأجيال ولذا سرعان ما يرد هؤلاء القراء هذه الروايات إلى أصلها ويتعاملون معها على أنها لم تكن، تماماً كما نرد جملة موسيقية سمجة ومقلدة بركاكة إلى أصلها فلا نعاود الاستماع إلا إلى الأصل ونحذفها من حياتنا، على الجانب الآخر هناك روايات تاريخية آسرة وهي تلك التي كُتبت بعد أن فهم كاتبها أنها عليها أن تكتب التاريخ المسكوت عنه في ثنايا التاريخ الرسمي، أي التاريخ الذي من المفترض أن يُكتب لو سُمح للشعوب بكتابته من وجهة نظرها هي لا من وجهة نظر كتبة الملوك والحكام.. هذه الروايات لا تتكئ على التاريخ الرسمي بل تخرج عليه وتحاكمه أحياناً وتتحاور معه تارة وتكذبه تارة أخرى وتتناص معه في بعض مراحلها فتكون مثل سيمفونية رائعة تملأ أرجاء الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى كل حالٍ الروايات التاريخية المهمة والرائعة قليلة في مكتبة العالم الإبداعية.*ما ضرورة أن يبحث الروائي عما لا يقال ويقوله بطريقته؟* ربما لا توجد على الإطلاق ضرورة من وجهة نظري لأن ينشغل الروائي بهذا البحث، فمن المفترض ألا يقول الروائي إلا ما يطارده كرسالة ملحة تملي عليه أن ينقلها بإخلاص تام بطريقته الخاصة وأثق تماماً أنه في هذه الحالة سيكون ما قاله لم يقل أبداً من قبل، أم هل تعني بـ ‘عما لا يقال’ المسكوت عنه والمتماس مع التابوهات المختلفة في العالم العربي؟ وهنا أتساءل بدوري وهل الروائي يتعمد البحث عنها أم أنها تعترض فيضه الروائي فيقولها بطريقته وتصير من نسيج عمله دونما افتعال، وعندما تكون رؤى الروائي خاصة به وحده وكلماته حقيقية وكاشفة فإنها بدون شك ستتعرف وحدها على كلِّ ما لم يتم قوله من قبل على الإطلاق.*كيف ترين الرواية قبل وبعد عام 2000؟* لا أظن أن الأدب بشكل عام وتقييمه وذرواته المختلفة المتتابعة يرتبط بـ عامٍ معين أو عقد أو قرن أو حتى ألفية بعينها، فللأدب قانونه الخاص دائماً وآليات تطوره التي قد نتكهن ببعضها ولكننا لا نستطيع فهمها عن بكرة أبيها، ولكننا حين تهزنا انتقالة نوعية كبرى نستشعرها على الفور ونضع لها تاريخاً ونسمي ما قبلها وما بعدها، أي أن الأدب يضع تواريخه الحاسمة في مسيرته بنفسه وليس بالتقويمات المختلفة التي لا تعنيه كثيراً، وقد أدعى أنه لا توجد أسباب حتى الآن مقنعة لازدهار الأدب وتحقيقه لذروات إبداعية في عصور شديدة الانحطاط سياسياً واقتصادياً.. حضارياً بشكلٍ عام، كما نجده يحقق ازدهاراً في ظلِّ حضارات مختلفة ومتحققة، وبناء عليه قد أجد مَن يحدد تاريخا معيناً هو معطيات الأدب نفسه.. روائي ما يفصل بعمله أو أعماله بين ذروة إبداعية وما يليها أو تيار أدبي بعينه، فنحن نقول مثلاً إن فن الرواية قبل ‘الحرب والسلام’ لـ’تولستوي’ ليس مثله بعدها و…هكذا.*إلى أين تسير الرواية بعد الثورات العربية المتواصلة حالياً؟* قد تكون وجهة نظري المتضمنة في سؤالك السابق نافعة هنا أيضاً، فإذا رأيت أن الأدب له تقويمه الخاص فللرواية مسارها الخاص، إنها دون شك تستفيد من مستجدات الواقع كلها وهي تحتضن تلك المستجدات وترعاها على مهل وتتفاعل معها ثم تصير بذور تلك المقدرات أشجاراً باسقة، يظل تساؤل الروائي ما بعد الثورات العربية.. هل سيتحقق له قدر أكبر من الحرية مثلاً أم أن الثورات ستنتج معايير جديدة لتابوهات أشد وعورة من سابقتها؟ هل ستؤدي تلك الثورات إلى مزيد من تطور التعليم الذي يؤدي إلى مزيد من القراء المتفاعلين مع ما يكتبه؟ هل سيكون هناك تغيير كيفي في وضع الروائي بشكلٍ عام بعد نجاح الأنظمة القمعية في تصديع الجسور بين الكاتب وجمهوره؟ إن الأسئلة المتعلقة بالعملية الإبداعية هي التي تهم الروائي هنا، أما مدى تأثير الثورات على الكتابة فهو لا يتغير على مر العصور، فمَن يكتب رواية جيدة سيكتبها على كل حال في ظل المتغيرات المختلفة، ولا أخفيك سراً اندهشت عندما وجدت كل ما كُتب عن الثورات العربية حتى الآن دون المستوى إلى درجة الرثاء.*ماذا ينقصك كروائية؟* الكثير، ينقصني الإجهاز تماماً على الرقيب الداخلي والاكتفاء بالاحتكام إلى منظومة مبادئ ومعتقدات تراكمت في روحي منذ خمسة آلاف عام، ينقصني الإجهاز تماماً على الضجيج الخارج عن العملية الإبداعية نفسها.. أعني الجوائز والمبيعات والمتابعات النقدية لأنها في الحقيقة معطلة للغاية وتمثل سدوداً أمام انسياب الإبداع المتدفق، ينقصني المزيد من الجسارة لكي أنشر ما أكتب بعد أن أتخلص من وطأة ديكتاتور بداخلي لا يريد إلا الكمال غير المنقوص للعمل، أريد أن أكررلنفسي ما قالته إحدى الروائيات العالميات وهي تنصح الآخرين بأن يكونوا أكثر جسارة: قل لنفسك، سأنشر رواية أخرى فاشلة. ينقصني أن أعرف وأن أعرف وبلا توقف وأن أرتقي دَرَجاً أثق تماماً أنه موجود، ولكنني أخشى أحياناً مواصلة صعوده فأتوقف قليلاً وأنا أراه غائماً في ضبابٍ صباحي كثيف.*هل تحتكمين لآراء النقد بشكل نهائي؟* سأكون كاذبة إذا ادعيت أنني لا أفرح كثيراً بمقالة نقدية حول أحد أعمالي، وفي الحقيقة لقد فرحت بذلك كثيراً، ولكنني منتبهة أيضاً إلى خطورة الاحتكام لآراء النقد بشكلٍ نهائي، فقد يرفعك رأي نقدي إلى حدود تجعلك تصدق أنك مستقر على درجة أعلى الدَرج الإبداعي مما أنت مستقر عليه فعلياً، فيرتبك مشوارك الإبداعي، وقد يخسف رأي نقدي بعملك الإبداعي الأرض، فتصل إلى حدود قصوى من الإحباط الذي يجعلك قد تتوقف عن الكتابة تماماً، ولذا أنا منتبهة للحفاظ على المسافة التي أضعها بين آراء النقد وكتابتي.*أهم رواية قرأتها في العام 2010؟* رواية ‘الباحث عن الذهب’ للكاتب الفرنسي الفائز بجائزة نوبل عام 2008 ‘لوكليزيو’ وترجمها للغة العربية المترجم المصري ‘فتحي العشري’، والتي أعددتها للنشر في سلسلة الجوائز التي أشرف عليها في الهيئة المصرية العامة للكتاب،والرواية تكاد تكون سيرة ذاتية لـ’لوكليزيو’ فالشخصية الرئيسية تنطبق عليها كل الصفات والمواصفات التي ترسم شخصية الكاتب كما أعلن عنها في تصريحاته وحواراته القليلة، وأحداث الرواية تنطلق من حيلة كلاسيكية اتسمت بها الرواية الأوروبية، حيث يجد الابن/ البطل في أوراق والده خرائط تؤكد وجود كنز في البلاد البعيدة وعليه أن يركب البحر ويمر بأهوال الحرب والحب من أجل الوصول إليه، وعندما يصل إلى مكان الكنز المزعوم لا يجده وإنما نرى أن الكنز الحقيقي الذي سيحظى به البطل هو مغامرة حياته نفسها.. إن كنزه الحقيقي الذي سينتظره في نهاية صفحات الرواية هو اكتشافه لنفسه. *هل تعيدين حساباتك بناء على ما جرى وما يجري الآن في الساحات العربية ليكون لك طرح مع أو ضد أم أن الأمر عادي بالنسبة لك؟* لا، لدي حسابات واحدة منذ سنوات، قد تجدها في قصائدي أو روايتي ‘لهو الأبالسة’ و’ميس إيجيبت’، لا أظن أن الكاتب يعيد حساباته بعد الثورات، وإنما عليه أن يكون استشرافياً ليتنبأ بها، أو يكشف أهمية أن تقوم الآن، أو حتى يعلن سخطه من جميع قوى البطش والظلامية لكي يحرض على قيامها، أو يصور مرحلة ما قبل الثورات بإخلاص وشفافية مشيراً إلى آفاق أرحب، وقد يكفيه حينئذ أن يردد أنها مجرد حلكة محكمة وعلينا الفكاك من أسرها.. في الحقيقة إذا لم يكن الكاتب قبل الثورات ثورياً فهناك عشرات علامات الاستفهام على مشواره الأدبي.*هل تطمحين لتحقيق أسلوب جديد؟* ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما أرى أن كل رواية جديدة يكون لها أسلوب جديد خاص جداً بها، بالطبع شريطة أن تكون رواية جيدة،أظن أنه من الصعب طرح السؤال بشكل عكسي هكذا، لأن الرواية عادة ما تجد أسلوبها ومن ثم نكتشف أنه جديد، أطمح فقط أن أكتب رواية جيدة.*ما رأيك في مستوى الرواية بعد نجيب محفوظ؟* قرأت الكثير من الروايات العربية الجيدة بعد نجيب محفوظ، ولكنني أيضاً أعرف أن هناك الكثير من الروايات الاستثنائية المهمة أثناء حياة نجيب محفوظ الإبداعية الحافلة، أكاد أقول أن الإبداع يشبه كثيراً الأواني المستطرقة، فقد يستحيل بزوغ نجم كبير مثل نجيب محفوظ من فراغ مبدعين جيدين، فعندما تحل ذروة إبداعية ما تجد الكثير من الأعمال الجيدة المتناثرة هنا أو هناك،ثم سرعان ما تكون على ثقة تامة أن بضعة أسماء ستلمع من بينهم لتصير نجوماً باذخة الثراء في المشهد الإبداعي العالمي، وأشهر الأمثلة على ذلك.. السرد في أمريكا اللاتينية الذي أسفر عن ‘فوينتس’ و’ماركيز’ و’يوسا’.*كل يتلمس الحداثة في الرواية من زاويته من تكوينه ولكل كاتب مفهومه للحداثة، فما هي رؤيتك للحداثة في الرواية؟* هي كل ما هو جديد ومن وجهة نظر جديدة تستقي وجودها من اليومي والمعاش وأدوات المجتمع الراهنة وآليات تثوير هذه الأدوات.. تلك الأدوات التي تستطيع لمسها بيديك والتفاعل معها بروحك المنطلقة مما يولد آلاف المشاهد والحكايات والأفكار التي لم تُكتب من قبل وبالتالي الحداثية، أرى أن كل كتابة جديدة في عمق عمقها هي بالضرورة حداثية، وكل الكتابات المستندة على أعمدة قديمة إلى حد التهاوي لا تخص اللحظة الراهنة هي بالضرورة كتابة لا تنتمي للحداثة، أكتب بالتأكيد دون أن أتعمد كتابة نص حداثي ولكن سؤالك في الحقيقة يدهشني وأتساءل بدوري وهل يُعقل أن تتفاعل ذات الكاتب الآن لكي تنتج نصاً جديداً وفي الوقت نفسه ليس حداثياً؟ هذا إذا كان مفهوم الحداثة مرتبطاً بالحضارة الأوروبية الحديثة بعلومها ومعارفها المختلفة ومدارسها الفلسفية المنبثقة من تجليات أدواتها التكنولوجية وتفاصيلها اليومية التي عممتها العولمة على العالم كله متضمناً طبعاً العالم العربي.*إلى أي حد تحضر الأيديولوجيا في نصك وما رأيك في الأيديولوجي فنياً؟* على ما يبدو أنني أكتب بناء على إحدى إجاباتي السابقة من منطلق أيديولوجي بمفهومه الأشمل، فإذا كانت رؤاي عن هذا الكون الشاسع تمثل أرقاً ما لشخوصي، وإذا كان السؤال الإبداعي الأهم في نصوصي هو مأزق الإنسان الوجودي في مواجهة كل هذا الغموض الكوني.. كل هذا العماء الشرير وكل هذا الانسحاق فكيف لا أتلمس حضور الأيديولوجيا في كتابتي؟ أحياناً أمقت أعمالاً تعتمد على رؤى أيديولوجية أولية ومباشرة حد التعب وهي على أي حالٍ ليست ناضجة حتى على المستوى الأيديولوجي ومن ثم فهي ليست جيدة، وأحياناً أجد أعمالاً خالدة منطلقة من قناعة أيديولوجية تصل إلى حد الاعتقاد وهي على الرغم من ذلك فادحة الجمال مثل أعمال الكاتب البرتغالي ‘جوزيه ساراماغو’ كلها ودون استثناء.*من أين تخلق الشخصية الروائية عندك؟* عادة من مكانين، هناك شخوص تكون موجودة بالفعل في وجداني منذ سنواتٍ وقد اختمرت على مهلٍ، وأخرى تتوالد من هذه الشخوص حيث تكون مسكونة بها هي الأخرى، وقد أندهش فقط أثناء الكتابة أن الشخص الهامشي الذي كان يسكن شخصاً رئيسياً مسكونة أنا به منذ البداية، يتطور بسرعة ويتمرد على دوره ويصير بطلاً في الرواية، في ‘لهو الأبالسة’ لم أتصور أبداً أن تعتلي ‘انشراح السبتاتي’ دوراً رئيسياً، وإنما ما صار هو ما أرادته هي، حتى إن أحد النقاد أفرد لها مساحة كبيرة من مقالته واصفاً إياها بالشخصية النمطية في الأدب العربي.*ما الذي يحقق الخلود للشخصية الروائية؟* أن تكون حقيقية إلى درجة كبيرة، أن يكون بها مشترك إنساني يشبه كل البشر، لا أقصد هنا أن تكون واقعية، وإنما حقيقية إلى حد أن تمس شغاف قلوب جميع القراء حتى يلتبس عليهم الأمر فيعتقدون أنها واقعية بل إنهم يعرفونها في كل مَن يقابلون من شخوص في حياتهم، وعند هذه اللحظة تتحول الشخصية الروائية إلى شخصية نمطية شهيرة وحقيقية ربما أكثر مما نعرف من شخوص واقعية مثل شخصية ‘سي السيد’ مثلاً لدى نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة ، ويكون لدى القارئ كل الحق أن يعتقد أنها شخصية واقعية ويكون الكاتب قد نجح في خلق شخصية خالدة.*ما أهمية طرح شعرية السرد كلغة بديلة عن السرد العادي؟* نعم كتب الدكتور ‘محمد عبد المطلب’ في دراسته عن ‘لهو الأبالسة’.. أن الشعر هنا هو عمود من أعمدة السرد. وهذا السؤال بالتأكيد لن أكون محايدة عند الإجابة عنه، فلقد بدأت حياتي كشاعرة وما زلت أكتب الشعر، وما زالت شعرية اللغة تحلق فوق كتابتي النثرية بشكلٍ عام، ومن ثم أخشى أن أواجه قناعتي المستترة بأن كل ما ليس شعراً لا يعول عليه كثيراً. أعرف الكثير عن أسرار نجاح روايات خالدة نزح أصحابها من آبار شعرية خالصة، أعرف حتى أن أنجح الأفلام السينمائية لم يكن هناك ما يميزها عن غيرها لتكون باذخة الجمال هكذا إلا اقترابها من أن تكون قصيدة، أعرف أيضاً المدهش عن كل ذلك.. أن أكثرخطب الساسة التي غيرت وجه التاريخ والتي صنعت لأصحابه كاريزما مهولة حتى وإذا كانوا من النازيين كانت تحاول أن تقترب من الشعر. كما ترى لست محايدة في هذا الصدد وأرى أن كل كتابة ليست شعرية لا يعول عليها كثيراً.*إذا ما فكرت يوماً في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتبين كل شيء عنك (المحرج والصعب والحساس..الخ ) أم أنك ستقدمين شيئاً وتستبعدين أشياء؟ *عامة من الصعب أن تكتب سيرة ذاتية في العالم العربي، فهناك عادات وتقاليد متوارثة منها ما تجاوزه الآخرون، ولكننا ما زلنا مكبلين به، ما زلنا أيضاً نحافظ على روابط عائلية متشعبة ومتشابكة وتكاد تكون قبلية وعلى الرغم من محبتي لهذه الروابط، إلا أنها تمثل عائقاً كبيراً أمام كاتب السيرة الذاتية التي ستتقاطع بالضرورة مع سيرة كل مَنْ ارتبط به في حياته وقد يؤذيهم بوحه، هذا هو حال كتابة السيرة للكاتب فما بالك بالكاتبة، إن المرأة الكاتبة تعرف جيداً أنها تكاد تكون عمود الخيمة لأسرتها وأظن أنها لن تهدمها على رأس مَنْ بها لكي تكتب سيرتها، خاصة إذا كانت مثلي مثلاً لا تستطيع حذف فصلٍ من حياتها وكتابة فصل آخر، أظن أن جميع المبدعين ينتظرون انفراجة ما في مجتمعاتهم تؤدي إلى المزيد من الأريحية والتعامل الإيجابي من الجميع إزاء سيرة الكاتب الذاتية وأظن أن هذه اللحظة آتية دون ريب بمزيد من رفع سقف الرقابة على الكتابة الإبداعية كـ ‘بداية’.*مَن هو القارئ المفترض بالنسبة إليك؟ إذا سلمنا بوجود قارئ مفترض لدى الكاتب؟ وإلى أي حد تفكرين بهذا القارئ عند شروعك بالكتابة؟* ارتحت منذ سنوات في تحويل قارئي المفترض إلى صورة مضببة أكثر، في البداية كتبت قصائدي ليقرأها أبي وسرعان ما اكتشفت أنني أكتب ما يريدني أن أكتبه أبي وتطور الأمر إلى حد أن صار رقيباً على كلماتي دون أن أنتبه ودون أن ينتبه، ثم قلت أقلد الكاتب الكولومبي الكبير ‘ماركيز’ وأكتب مثله لأصدقائي وسرعان ما اكتشفت آلاف الحسابات التي تطل برأسها من بين سطوري، الآن أحاول أن أحافظ عليه بقدر الإمكان مضبباً هكذا حتى يتضح قارئي شيئاً فشيئا كلما تقدم في قراءة عملي. *إلى ما ترجعين أسباب عدم وجود قارئ فاعل لما يكتب وينشر من أعمال أدبية وثقافية مختلفة؟* تقصد في العالم العربي فقط، فلدى العرب مشكلة كبيرة وفعلية ولأسباب كثيرة ومتعددة ترتبط بالتعليم وما ينبثق عن أدائه من نسب الأمية والأمية الثقافية وأيضاً انخفاض مستوى جودة الكتاب شكلاً ومضموناً وكذلك انخفاض مستوى توزيعه، إن الأمر يتطلب مجهودات فائقة الضرورة والأهمية لإعادة بناء الجسور المنهارة أصلاً بين الكتاب وقارئه، أرى أن الحديث عن قارئ فاعل لم يزل رفاهية في العالم العربي فنحن بصدد أن نعمل لكي يكون القارئ موجوداً بداية.*ألا ترين أن الرواية تحولت إلى موضة فصار الكل يسعى لكتابة رواية.. الشاعر يكتب رواية والقاص يكتب رواية والناقد يكتب رواية والمفكر كذلك؟* بل أيضاً السياسي ورئيس الجمهورية والملك والصحافي، ولا أستغرب هذا على الإطلاق فالرواية أصبحت كتاب المكتبة وعمودها كما يُطلق عليها في الغرب وهي تأخذ رويداً رويداً مكانة التاريخ التقليدي المتعارف عليه، فلماذا لا يحاول الجميع المساهمة بشريحة ما في كتابته، كما أن البعض يظن أن كتابة الرواية أمر هين بل شديد السهولة ولكن عند اكتمال العمل ونشره يجدون أنهم خدعوا فيتوقفون عن الكتابة على الفور بعد أن يجدوا أن عشرات الروايات قد تم نشرها وسرعان ما تم حذفها وكأنها لم تكن حتى يتعسر على المتابعين تذكر عنوان واحد من عناوينها ولا يتبقى إلا القليل من العناوين التي تنتمي إلى جنس الرواية، ولكنني أرى أنها ظاهرة صحية وصحيحة أن يطمح الجميع لكتابة رواية طالما أن الزمن سيسمح من غرباله ذي الفتحات الضيقة للغاية بمرور الروايات التي تستحق البقاء وتستطيع تجاوز حدود الخلود البالغة الصعوبة بعد قرون. * شاعر وصحافي ليبي مستقل [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية