القاهرة ـ «القدس العربي»: في فيلم «قط وفأر» يقدم المخرج تامر محسن نفسه في السينما للمرة الأولى بعد النجاح الذي حققه في أول أعماله التلفزيونية مسلسل «بدون ذكر اسماء» وهو التعاون الأول بينه وبين السيناريست وحيد حامد الذي يلتقي به مجدداً في هذا الفيلم، حيث أصر المخرج تامر محسن على أن ينأي عن الشكل السينمائي المستهلك في تناول الموضوعات السياسية، واجتهد في خلق شكل فني ساخر تقترن فيه ملامح الشخصيات بالشكل الكاريكاتيري مستخدماً الملابس والديكورات والمؤثرات البصرية والصوتية وأداء الممثلين الأقرب إلى الأداء الفانتازي وزوايا التصوير القريبة جداً التي كانت دائماً تكشف عن المخزون النفسي للشخصيات، الذي يظهر جلياً في ردود أفعالهم، صنع المخرج تامر محسن أجواء بصرية ممتعة مغلفة بالمواقف الكوميدية التي تعتمد على الحوار وعلى حركة الشخصيات.
المخرج تامر محسن واحد من أهم مخرجي جيله الجديد، مقارنة بالعمل الأول لكل مخرج فهو أنضج مخرجي هذا الجيل وأكثرهم تميزا، قدم تامر نفسه في مسلسل «بدون ذكر اسماء» وفيلم «قط وفأر» بروح منطلقة تكسر كل القواعد، رغم أن العملين من تأليف السينارسيت وحيد حامد لكن الوقت قد حان ليلتقي المخرج تامر محسن بكتاب ذوي رؤية أكثر وضوحاً ومصداقية تتوازن مع إيقاعه المنطلق والمتجدد في رؤيته الإخراجية.
الفيلم الذي كتبه السيناريست وحيد حامد وبدأ العمل عليه مع المخرج تامر محسن منذ 6 سنوات تقريباً، يرصد حالة الصراع القائمة بين قوتين متناحرتين في المجتمع المصري، رغم تجانس هذه القوى، إحداهما خرجت من الأخرى، لكنها انحرفت عن وظيفتها واعتقدت أن قواها استفحلت لتبتلع الطرف الآخر، يدور الصراع بين شخصية «القط» وهو وزير الداخلية الذي يقوم بدوره الفنان محمود حميدة، والذي يمثل مركز السلطة، وبين شخصية حمادة «الفأر» المواطن البسيط الذي يعمل في إحدى المؤسسات الصحافية الحكومية، ويجسد الشخصية الفنان الشاب محمد فراج، وحيث يتصارع الفأر والقط على جثة أم حمادة التي تؤديها الفنانة القديرة سوسن بدر، والتي تموت بالصدفة في بيت وزير الداخلية في يوم زفاف ابنته، حيث ينتشر خبر الوفاة بالتزامن مع إقامة احتفال خطوبة ابنة الوزير، ويتحول المهنئون إلى معزين في وفاة ابنة عم وزير الداخلية ووالدة حمادة الفأر، فيلغي الوزير فرح ابنته ليقتنص الفرصة في التقرب أكثر من السلطة بمواساة كبار المسؤولين له، في الوقت الذي يتشتت فيه حمادة بين خوفه من بطش الوزير وبين تمسكه بحقه في استعادة جثة والدته ودفنها بمقابر أسرته الفقيرة، يدخل الصراع طرفا ثالثا، وهو القوة الرابعة في أي مجتمع فاسد حينما تٌستغل هذه القوى لصالح أفراد بعينهم، بينما تكشف لنا الأحداث على طريقة برامج «التوك شو» التي انتشرت بعد الثورة، علاقة كبار موظفي المؤسسات الصحافية ومن هم على رأس السلطة، وعلى غرار باقي الأحداث التي تتماس مع المشكلة بسطحية، يشير السيناريو إلى مكان وهوية رئيس مجلس إدارة هذه المؤسسة بشكل مباشر، ما يفصلنا عن الخط الدرامي الفانتازي الذي عادة يستخدم اسماء وأماكن غير حقيقية لتتناسب مع أسلوب الطرح الذي يسير في درب من الخيال.
تستوقفنا خلال الأحداث عدة فواصل زمنية ومكانية تحيد بنا عن رؤية المخرج في خلق جو من الفانتازيا وربما هذا التضاد بين رؤية الكاتب ورؤية المخرج امتد أيضاً إلى طرح عدة تأويلات للأحداث، الفاصل الزمني الذي حاصرنا فيه كاتب السيناريو من خلال إبراز صورة الرئيس الأسبق حسني مبارك، والتصريح بهوية المؤسسة الصحافية الحكومية، هدم تفاعل الجمهور مع الشخصيات الكارتونية في العالم الافتراضي المتخيل وجعلها تدنو إلى أقل مستوياتها، كاتب السيناريو حاول أن يضفي على الشخصيات جانبا كبيرا من الرمزية اختلفت مع تأويل المخرج لها، فأصبح كل منهم يعبر عن وجهة نظر خاصة، السيناريو أثقل على شخصية حمادة الفأر، الذي قد يرمز إلى الشعب المصري، فيما يرمز وزير الداخلية إلى السلطة الحاكمة، كثيرون اختلفوا في تأويل شخصية الأم التي قد تبدو من النظرة الأولى إنها رمز الوطن المتناحر عليه من القوتين، لكن مع تعدد مستويات القراءة قد ترمز شخصية الأم إلى الثورة وليس الوطن، الأوطان لا تموت ولا تدفن حتى لو رمزياً، الواقع الذي يعكس ظلاله على الفيلم هو الإيحاء بالموت التدريجي للثورة التي تحاول أجهزة الأمن دفنها واستغلالها لصالحهم، خاصة بعد أحكام البراءة التي حصل عليها جميع ضباط الشرطة المتهمين بقتل المتظاهرين خلال الثمانية عشر يوماً لثورة يناير/كانون الثاني.
على الجانب الأضعف يحاول حمادة الفأر استعادة حقوقه في دفن والدته، السيناريست وحيد حامد اختار أحد أضعف النماذج من شرائح المجتمع المصري الذي يجسد إحدى الشخصيات التي وهنت خلال فترة حكم مبارك حتى وصلت إلى هذه الدرجة من الخوف والسلبية، رغم صغر عمر شخصية حمادة الفأر التي لا تتناسب مع هذا التقييم، فمن ضعفت قواهم هم الأجيال الأكبر عمراً والذين هرموا وذابت أعمارهم في نظام مبارك وصمتوا لسنوات طواعية، أما الفئة العمرية التي يمثلها حمادة الفأر هي في الواقع من اشعلت الغضب في قلب الكبير قبل الصغير.
يذهب حمادة الفأر متدلي الرأس إلى وزير الداخلية رغماً عنه ليتلقى العزاء في والدته، فيحاول أهل الحارة وهم الأكبر سناً منه دعمه وتحفيزة للمطالبة بحقه في دفن والدته التي كانوا يلهثون خلفها ليلتقط كل منهم نصيبه مما يسقط منها، هم أيضا من لم يستطع التصدي لوزير الداخلية وقواته عندما جاء ليسرق جثة الثورة، السيناريو قام بتسطيح العلاقة الشائكة بين جهاز الشرطة وبين الشعب ولم يقترب من هذه الفجوة التي استفحلت بعد الثورة، واكتفى بالتنويه عنها في ظرف الزمان الذي حاصر به الحدث بتصدر صورة مبارك فوق مكتب وزير الداخلية، وكأنه تأكيد أنه لا يلقي المسؤولية على الوقت الحالي أو أي وقت آخر.
شخصية حمادة الفأر تحركها الغريزة وليست الشجاعة، فهو لم يتخل عن حقه في استعادة جثة والدته، ولكنه لم يتخل عن الخوف، استمد قوته في البداية من دعم أهل الحارة، ثم استغل قوة صديقة البلطجي في مواجهة وزير الداخلية وإحراجة أمام الجميع، هو حقاً يتمتع بكل سمات الفأر في الجبن والهروب، لذلك لا يمكن أن تكون هذه الشخصية انعكاسا رمزيا للشعب المصري أو حتى لقطيع منه، أما شخصية الأم والتي قد ترمز للثورة فهي دفنت على أي حال على يد الداخلية أو على يد حمادة الفأر.
رانيا يوسف