ليبيا- معتز ونيس: لا شك أن معظم دول العالم تأثرت بتداعيات العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، لكن هذا التأثير كان مزدوجا في ليبيا التي تئن تحت وطأة أزمة سياسية منذ سنوات، ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي الذي سلب فرحة شهر رمضان وخاصة “موائد الرحمن”.
ففي رمضان كانت تنظم في ليبيا آلاف موائد الطعام مجانًا في الشوارع والأزقة والأماكن العامة والساحات تحت مسمى “موائد الرحمن” وتستهدف إطعام عابري السبيل والفقراء والمساكين ومن تقطعت بهم السبل من ليبيين وعمالة أجنبية وغيرهم، معتمدة على تبرعات أهل الخير أو مدخرات منظمات خيرية من مؤسسات المجتمع المدني.
لكن رمضان العام 2022 تراجعت فيه تلك الظاهرة بشكل ملحوظ إلى حد الندرة ففي مدينة بنغازي (شرق)، رصد مراسل الأناضول نصب نحو 10 موائد عامة فقط في حين كانت المدينة تعج بآلاف الموائد على مدى السنوات الماضية.
وخلال السنوات الماضية كانت الموائد في ليبيا السمة الأبرز في شهر الصوم حتى أن العادة لم تتأثر العامين الماضين بسبب جائحة كورونا، إذ كانت ليبيا واحدة من الدول التي لم تطبق حظرا شاملا مكتفية فقط بفرض تدابير وقائية لم تمنع أهل الخير من إطعام الفقراء وعابري السبيل بنفس الزخم الذي تعودوا عليه.
نعيمة الفلاح، رئيسة منظمة “يد واحدة” الخيرية قالت إن “تراجع موائد الرحمن أو ندرتها يرجع لأسباب عدة منها ما تشهده البلاد من أزمة سياسية وحتى ما يشهده العالم أجمع من وضع ناتج عن حرب عالمية تقودها روسيا ضد جارتها أوكرانيا المدعومة من المجتمع الدولي وأمريكا”.
وبالإضافة لتداعيات الحرب الأوكرانية، تشهد ليبيا حالة انقسام سياسي وسط مخاوف من الانزلاق لحرب أهلية على خلفية تنصيب مجلس النواب في طبرق فتحي باشاغا رئيسا لحكومة جديدة بدلا من حكومة يرأسها عبد الحميد الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة إلا لحكومة تأتي عن طريق برلمان جديد منتخب.
الفلاح وخلال حديثها مع الأناضول أوضحت أن “ذلك التراجع أصبح شيئا ملاحظا للجميع في بنغازي تلك المدينة التي اشتهرت بكرم أهلها والتي كانت موائد الرحمن تنتشر فيها بشكل مبالغ فيه”.
وعن تأثير الأزمة السياسية التي تشهدها ليبيا المتمثلة في وجود حكومتين تتصارعان على السلطة، قالت الفلاح: “ليس هناك توافق بين المؤسسات الحكومية وهو سبب جعل التجار يسرحون ويمرحون ويبيعون السلع بغلاء دون رقيب أو حسيب”.
وتابعت: “هناك مؤسسات حكومية تعمل فقط على غرب البلاد وأخرى تعمل على مستوى الشرق فقط، كما أن هناك قرارات لا تلقى صدى وتنفيذ في الشرق كانت قد صدرت من الحكومة في الغرب بشأن تحديد سقف أسعار السلع”.
وأكملت: “في حين أن الحكومة الجديدة التي تعمل من الشرق وليدة شهرين فقط ولم تتمكن إلى الآن من إثبات وجودها وبسط نفوذها وإصدار قرارات نافذة بشأن مجابهة غلاء الأسعار في الشرق”.
وأكدت الفلاح أن “كل ذلك ألقى بظلاله على السعي لتوحيد الأسعار ومراقبتها وفاعلية كل الخطط التي تهدف لضبط الأسعار لأن الأمر مرتبط بحلقة واحدة”.
واستطردت: “هناك تجار أخذوا تسهيلات من البنك المركزي طرابلس وأخفوا أنهم استوردوا سلع لشرق البلاد بقيمة ذلك التسهيل المخفض، ثم يقومون ببيع سلعة في الشرق كأنه اشتري الدولار الذي قام عن طريقه بالاستيراد بسعر السوق السوداء وليس السعر الرسمي المخفض”.
وتابعت في إطار تأثير الأزمة السياسية على شهر رمضان قائلة إن “حكومة الوحدة الوطنية كانت قد أعدت خطة لمواجهة غلاء الأسعار وذلك بتعويض التجار عن خسائرهم في حالة بيعهم بأسعار مخفضة للمواطن”.
“ولكن الأزمة السياسية الحالية أسفرت عن تجميد إيرادات بيع النفط الليبي وعدم ضخها بالبنك المركزي لمنع حكومة الوحدة من استخدامها، بالتالي فشلت خطط تلك الحكومة في احتواء غلاء الأسعار” تقول الفلاح.
ويوميا، يبلغ معدل إنتاج ليبيا من النفط الخام حوالي 1.2 مليون برميل، وفق بيانات رسمية، لكن توقف عجلة الإنتاج في جل معظم المسارات الأخرى، يجعل هذا الرقم غير قادر على تحقيق الرفاهية لليبيين.
وفيما يخص تأثير الوضع الاقتصادي، قالت الفلاح إن بلادها “تعيش أزمة مالية أصلا متمثلة في عدم قدرة المصارف التجارية على إعطاء رواتب المواطنين”.
وأوضحت أن “سقف السحب النقدي هو 100 دينار شهريا (الدولار = 4.71 دينار)، مؤكدة أن “ذلك المبلغ لا يكفي العائلات لأسبوعين في ظل غلاء الأسعار الحالي فكيف سيتبرعون لموائد الرحمن”.
وعددت الفلاح أسعار السلع في ليبيا قائلة: “كيلو اللحم بـ60 دينارا والطماطم بـ10 دنانير والفلفل بـ20 دينارا، هذه أسعار من الخيال”، مشيرة أن “المواد الداخلة في إعداد موائد الرحمن تكلف أموال طائلة جدا الجميع في حاجة لها”.
وعن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على رمضان هذا العام في ليبيا، قال الناشط مروان عتيق، للأناضول إن “تأثير تلك الحرب يأتي على جانبين”.
الجانب الأول، بحسب عتيق، وهو أحد القائمين على إحدى موائد الرحمن “يتمثل في تخوف التجار من حدوث ندرة في السلع خاصة مع إعلان العديد من الدول منع تصدير منتجاتها للخارج وذلك جعل التجار يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه خاصة أن ليبيا تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد وليس الإنتاج”.
أما العامل الثاني لتأثير تلك الحرب، أوضح عتيق أن “ليبيا تستورد 40 بالمئة من استهلاكها للقمح والدقيق ومنتجات غذائية أخرى من أوكرانيا وروسيا والحرب هناك جعلت قنطار القمح في ليبيا يصعد إلى أسعار مبالغ فيها”.
تلك الأمور بحسب الناشط المدني الليبي، “جعلت المواطن يصب كل جهده على توفير لقمة عيش أهله فقط في رمضان، وبالتالي تراجعت بشكل كبير التبرعات التي تقوم على أساسها جميع موائد الرحمن في ليبيا”.
ورغم كل ذلك أكد عتيق وفي ختام حديثة أن “رمضان يبقى كريما”، موضحا أنه “رغم تراجع موائد الرحمن ولكن الجمعيات الخيرية تمكنت مع توزيع العديد من السلات الرمضانية التي تحوي المواد الغذائية الأساسية على العديد من الأسر الفقيرة”.
ولكن عتيق تأسف “كون تلك الإعانات لم تشمل غير الليبيين بل وزعت فقط على العائلات الليبية المسجلة فقط لدى تلك المنظمات في حين لم يتحصل من طاله الفقر حديثا بسبب الوضع الحالي شيء كونهم غير مسجلين من قبل في قوائم تلك المنظمات”.
وقبل أسبوعين قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية في تقرير مطول لها إن الهجوم الروسي على أوكرانيا تسبب في تفاقم المشاكل الغذائية لدى خمس دول عربية بينها ليبيا التي ارتفعت فيها الأسعار بنسبة 30 بالمئة.
وقبل تلك الحرب وأزمة أسواق الغذاء الدولية أكد برنامج الأغذية العالمي أن 12 بالمئة من الليبيين أو 511 ألف شخص يحتاجوا إلى المساعدة في 2022.
وتعاني ليبيا الغنية بالنفط منذ سنوات من وضع اقتصادي متأزم بسبب الحروب والصراعات التي تشهدها، كما تعيش أزمة مالية حادة تتمثل في انعدام السيولة النقدية لدى المصارف بسبب احتفاظ التجار بأموالهم في بيوتهم وليس بالمصارف خوفا عليها.
وقبل أسبوع أظهرت بيانات رسمية لمصرف ليبيا المركزي تسجيل عجز مالي بين إيرادات الدولة ونفقاتها خلال الربع الأول من العام الجاري بقيمة تجاوزت 11.3 مليار دينار.
(الأناضول)