مارين لوبان خلال استقبالها من قبل بوتين في موسكو في 2017 (أ ف ب)
لندن ـ “القدس العربي”:
توقع الكاتب جيفري كلايف في مقال بمجلة “نيوستايتمان” البريطانية أن يعزز صعود اليمينية المتطرفة مارين لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات الفرنسية من وضعية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال إن روسيا تخسر في ساحة المعارك لكن الأحداث السياسية في أماكن أخرى تصب في صالح بوتين.
وأضاف أن الدرس الذي تعلمه بوتين من الحرب التي مضى عليها ستة أسابيع “لا تلعب مع أوكرانيا” فبحسب إحصائيات الناتو، خسرت القوات الروسية حوالي 15.000 جندي منهم سبعة جنرالات. وتوقع بوتين السيطرة على العاصمة الأوكرانية في وقت سريع، إلا أن الأدلة الأخيرة عن سحب قواته من حول العاصمة كييف وتركيزها في الشرق تشير أكثر إلى فشل قواته في السيطرة على مدن كبرى في أوكرانيا. وهناك أدلة عن غياب الانضباط بين جنوده وهبوط معنوياتهم ومشاكل في الدعم اللوجيستي. وكما كتب لورنس فريدمان فلو فشلت قواته مرة أخرى في الشرق فإنه قد يقرر سحب قواته بالكامل بحلول 9 أيار/مايو.
روسيا تخسر في ساحة المعارك لكن الأحداث السياسية في أماكن أخرى تصب في صالح بوتين، مثلما حدث في المجر وفرنسا
ومن جانب آخر منحت الحرب أوروبا عزيمة جديدة ووحدة. وعزز الناتو من وجوده في المناطق الشرقية. وتقترب فنلندا والسويد من الانضمام للحلف. وتلاشت الفكرة الآن عن بوتين كعقل استراتيجي مدبر. ومن المغري النظر إلى الصورة الدولية التي باتت واضحة عن فشله وخزيه. لكن محاولة التفكير بهذا قد تكون في إطار التمنيات. فلو نظرت إلى أماكن أخرى لرأيت أن الأحداث تجري في صالحه.
والمثال الأوضح هي فرنسا، التي كان الرئيس إيمانويل ماكرون على حافة تأمين المكان الأول في انتخابات 10 نيسان/إبريل، إلا أن حظوظ لوبان قد تحرمه من الجولة الثانية وتؤمن الرئاسة في 24 نيسان/إبريل. وأشار استطلاعان نشرت نتائجهما في يوم الأحد إلى أن ماكرون قد يفوز بنسبة 54 مقابل 49 بالمئة و 51- 49 بالمئة. ووضعت مجموعة يوريشيا، مؤسسة تقدير المخاطر نسب فوز لوبان بـ 30%.
وفي ضوء ما تعنيه الرئيسة لوبان لأوروبا فالاحتمالات رهيبة. وربما لم تعد زعيمة اليمين تطالب باستفتاء على عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن نظرة فاحصة لبرنامجها الانتخابي 2022 تقترح اختيار فرنسا أي نوع من القوانين الأوروبية التي تريد تطبيقها. كما أنها تدعو في برنامجها هذا إلى معارضة فرنسا أوروبا لأي اتفاق أوروبي في مجال الهجرة والزراعة والتغيرات المناخية والعدل.
وكما استنتج إيان بوند وجون سبرنيغفورد من مركز الإصلاح الأوروبي فـ”التداعيات ستكون فوضى سياسية”، حيث تريد لوبان الانسحاب من البنية العسكرية المتكاملة في الناتو. ومحاولتها مؤخرا إبعاد نفسها عن بوتين هي تعبير عن الإعجاب المتبادل بينهما. وفي حوار قديم مع قناة “بي بي سي”، قالت لوبان إن “السياسات التي أمثلها هي تلك التي يمثلها بوتين”.
وموقف فرنسا لوبان والموقف الذي يمكن أن تتخذه من أوكرانيا أنذرت به هنغاريا (المجر) وفوز رئيس وزرائها فيكتور أوربان، الذي فاز بفترة رابعة في 3 نيسان/إبريل. ومثل لوبان فقد حاول التقليل من علاقاته مع بوتين أثناء الحرب. لكن منذ فوزه بدأ يعرض نفسه على أنه الحليف الوحيد لبوتين في أوروبا. وخالف الحلفاء الأوروبيين باستعداده لدفع ثمن الغاز الروسي بالروبل ومعارضته لفرض عقوبات على استيراد الطاقة من روسيا.
ومن المفترض قيام لوبان التي تشعر بنشوة الفوز بالتحرك نحو الكرملين. إلا أن هنغاريا ليست فرنسا، فالأولى صغيرة وتقع على الهامش الأوروبي، أما فرنسا فهي واحدة من عمادين للاتحاد الأوروبي. فالتحول ضد العقوبات وعن دعم أوكرانيا في باريس سيكون أخطر من سياسات نابعة من بودابست.
وتمنح دول أخرى مهمة في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا أسبابا لبوتين وتشعره بالفرح. فالدولة الفدرالية التي تقودها حكومة يسار- وسط بزعامة أولاف شولتز قدمت ردا مدهشا على الحرب الأوكرانية، يعد نقطة تحول في تاريخ ألمانيا، حيث زادت من نفقاتها الدفاعية وقتلت بشكل فعلي مشروع نورد ستريم2 لنقل الغاز من روسيا، وأنهت الحظر الذاتي على إرسال الأسلحة لمناطق الحرب. وفي الوقت الذي كان فيه الجانب الدفاعي نقطة تحول، إلا أن برلين ترددت في الأسابيع الأخيرة بشأن الطاقة وتزويد أوكرانيا بالمعدات الثقيلة. فقد رفضت الحكومة الفدرالية إرسال الدبابات لكييف، وضخت ملايين اليوروهات يوميا في خزينة الكرملين من خلال شراء الغاز والنفط والفحم الحجري.
كل هذا يجعل من سيناريو فوز لوبان خلال أسبوعين مثيرا للقلق الشديد. وفي حالة فوزها فإن الاتحاد الأوروبي سيخسر عمادا له، وستقع المسؤولية على ثلاث دول كي تحافظ على وحدته وهي ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. فجرأة وعزم ألمانيا تظل محلا للتساؤل، وفي إسبانيا وإيطاليا هناك جماعات على شاكلة لوبان تنتظر فرصتها. وربما أنتجت انتخابات إيطاليا العام المقبل تحالفا من جماعات اليمين “إخوة إيطاليا” وأحزاب الرابطة. وفي إسبانيا، حصل الحزب المتطرف “فوكس” على دعم بنسبة 20%، وعبر الحزب الشعبي الحاكم عن استعداد للحكم معه. وستشهد إسبانيا انتخابات في العام المقبل أيضا. وكل هذا مقدمة لما سيجري على الساحة العالمية، فهناك إمكانية لتأمين دونالد ترامب ولاية ثانية في انتخابات 2024.
وهذا هو في الغرب فقط، ففي بقية العالم لا يحتاج بوتين لانتظار الانتخابات لكي يجد دعما ضمنيا أو واضحا لسياساته البربرية في أوكرانيا. فلم تنضم الكثير من الدول إلى الناتو وفرضت عقوبات على روسيا. وفي تصويت متتال في الأمم المتحدة تجنبت غالبية دول العالم المواجهة مع روسيا. وفي التصويت الأخير الذي جرى في 7 نيسان/إبريل لطرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان، مثلت الدول المؤيدة للطرد نسبة 24% من سكان العالم، ومثلت الدول التي امتنعت عن التصويت نسبة 28% من سكان العالم أما الرافضة فقد مثلت 46%. وبدا هذا واضحا في موقف الهند التي يفترض أنها حليفة للغرب، لكنها قاومت الضغوط الأمريكية لشجب الغزو الروسي. والحقيقة المثيرة للكآبة هي أن معظم الدول التي راقبت مذابح مثل بوتشا قررت قبولها بدلا من التحرك ضدها.
وفي روسيا يشك السكان بحدوث مذابح كهذه بسبب الدعاية الحكومية التي صورت الحكومة في كييف بأنها مجموعة من النازيين تقوم باستهداف الروس وتذبحهم. وأشارت “نيويورك تايمز”: “يشجب المواطنون بعضهم البعض في تذكير مخيف لإرهاب ستالين” و “يدفع هذا خطاب رسمي شرير تدعمه قوانين مفرطة تجرم أي معارضة”. وفي اتجاه آخر، استعاد الروبل بعض قيمته، فلم تضرب العقوبات الغربية بما فيه الكفاية. وكتب المراقب المخضرم للشأن الروسي مايك ثومان في مجلة “دي زيت” الألمانية “المطاعم مزدحمة بالرواد كما كانت قبل الحرب” و “أمام الحرب الأوكرانية هناك مظهر من العادية بارز في العاصمة الروسية، فالمسارح مفتوحة والناس يذهبون لمراكز اللياقة ومحلات التجميل، الشوارع مكتظة بالمشاة والسيارات، والنفط رخيص. هل هناك شيء يحدث في أوكرانيا؟ يبدو أنه بعيد”.
في حوار قديم مع قناة “بي بي سي”، قالت لوبان إن “السياسات التي أمثلها هي تلك التي يمثلها بوتين”.
ويقول الكاتب إن رعايا بوتين لا يحتاجون لإكراه حتى يلتزموا برواية الدولة، فقد التقى صحافية روسية وصلت إلى برلين ووضعت منشورا على منصات التواصل الاجتماعي حول مجزرة بوتشا، لكي تتلقى تعليقات من أصدقائها في روسيا وبخوها على تصديقها الدعاية الغربية. وكشف مركز استطلاعات ليفادا المستقل أن شعبية بوتين ارتفعت إلى 71% وهي الأعلى منذ عام 2018. ويرى مدير المركز أن السبب نابع من شعور الروس أن الغرب يتآمر ضد بلدهم وأن بوتين هو حاميها. وتظهر الأدلة أن النظام نجح في إقناع المواطنين برؤيته مما يعني أن التفاؤل الغربي بنهاية بوتين لم يكن في محله.
ويرى الكاتب أنه “لا تلعب مع أوكرانيا، هذا هو الدرس، لكن الواحد يمكنه التلاعب مع الغرب وقيمه الجمعية والإفلات من العقاب، حتى لو كان هذا الشخص عاجزا وفاسدا وواهما مثل بوتين”. ويضيف أنه في وقت يقوم فيه الجنود الروس بارتكاب المذابح في المدن والبلدات والقرى الأوكرانية، يتقدم حلفاء أسيادهم في الغرب. أما الدول التي يفترض أنها تقوم بحراسة المتاريس في لندن وبرلين وبروكسل فلم تقدم إلا تضامنا غير كامل. وعبر الشاعر ييتس عن هذا الوضع عندما قال إن “الأفضل ليس لديه أي اعتقاد، أما الأسوأ فهو مليء بالعاطفة الشديدة”.