في واحدة من المرات القليلة التي تذهب فيها السينما الفلسطينية إلى الاتجاه نحو اللغة الرمزية المحضة لمُعالجة إحدى قضاياها المهمة كمرادف للواقعية المعهودة في معظم الأطروحات السابقة، تتباين الخطوط والتعاريج الدرامية وتتداخل التفاصيل، فيختلط الإنساني بالسياسي لتبدو محنة البطل الفرد مجرد عنوان لمحنة المجتمع ككل، حيث يصعب الفصل بين حالتين متلازمتين كون كل واحدة منهما وجها للأخرى.
في فيلمه السياسي الإنساني «أنا لستُ لي» المستوحى عنوانه من قصيدة للشاعر محمود درويش، يعتمد المخرج الفلسطيني محمد فرحان الكرمي على محنة بطلة الكاتب الصحافي الكبير الذي يُعمل قلمه في مناهضة الفكر الديكتاتوري الآخذ في الهيمنة والساعي إلى نفي المفهوم الديمقراطي وإلغائه من منظومة الوعي الجمعي نهائياً، وبمقتضى هذه القناعة يستمر الكاتب في رصد أوجه الخلل، وينبه إلى عواقب المُضي في المنهج الاستبدادي، وعلى هذا يُشكل الصحافي النزيه أهمية كبرى لدى الجماهير فتتعقبه الأجهزة العالمية، التي تضع ضمن أهدافها الاستراتيجية تقويض النشاط السياسي القائم على منهجية النقد في الدول الخاضعة للوصاية.
وكما هي العادة تبدأ عملية المساومة بعد احتجاز الشخص المؤثر لفترة غير قليلة ليتم ترويضه أو ترهيبه، وبحسب الحالة والنتيجة يتم اختيار الأسلوب المُناسب للتعامل معه.
قدم الكرمي نموذجاً درامياً فريداً من نوعه وغريباً على مُعطيات السينما الفلسطينية، إذ جعل المعنى الإنساني هو الأعمق في تجربة الصحافي «صابر» الذي جسد دورة بجدارة الممثل عامر خليل، مع الأخذ في الاعتبار دلالة اسم «صابر» وعلاقته بمحتوى الشخصية، فالرجل المُبتلى بالحب والنكبة، لم يتوقع الخيانة التي أتته من أقرب الناس إليه الحبيبة مايا أو «ربى نصر الله « التي كان يأنس إليها ويراها واحة أمان، بينما هي في واقع الحال مجرد جاسوسة منحته حبها لتوقع به في شرك المؤامرة الكبرى. وهنا يُدخلنا المخرج دائرة أضيق لنرى مُقدمات الأزمة وتجلياتها في استسلام البطل للغواية، رغم إحاطته بالخطورة بعد ما ظهرت العلاقة بين الجهة الدولية الغامضة والمرأة التي يُحبها، وتمضي الأحداث ويضيق الخناق أكثر حين يفقد صابر مقاومته وتُصبح حريته مرهونة بالموافقة على العمل مع الباشا، الذي أدى دورة أسامة المصري وبقية جنرالات المنظمة المجهولة لديه، كعنصر داعم ومُنشط لسياساتها ومشروعها الديمقراطي المشبوه في المنطقة.
وتقترب المعاني تدريجياً فتستبين الخطوط والخيوط في السيناريو الملغوم الذي كتبة السيناريست حلمي الأسمر، على خلفية تورط العنصر النسائي في الفيلم وضلوع المرأة في سلب البطل حريته وإيداعه سجنا خمسة نجوم ليقوم بمهامه على أكمل وجه، وفي هذا السياق يُمعن الأسمر في الرمزية فيجعل من مشهد قضم صابر للتفاحة التي منحته صديقته إياها دلالة قوية على تورطه معها في إشارة إلى غواية حواء لسيدنا آدم، التي كانت سبباً في خروجه من الجنة وربما هو الإسقاط الذي حمل تعميماً للمعنى في غير محله.

ويأتي النصف الثاني من الفيلم تتويجاً للفكرة المقصودة الرامية إلى عبثية التوظيف، الذي تم من قبل عملاء النظام العالمي الجديد للإيقاع بأصحاب الرأي ليكونوا في خدمة المشروع الاستيطاني للعقول والأفكار وفق ما تقتضي إرادة المُتحكمين في دفة الصراع الدولي واللاعبين الرئيسيين على رقعة الشطرنج السياسي العالمي.
ويتتبع السيناريست حلمي الأسمر مسيرة بطله المتورط، لنرى من خلال التفاصيل، كيف كانت نتيجة المقايضة بعد أن قبل البطل بيع نفسه لشيطان النفوذ والسُلطة، مُقابل الترقي والتصعيد والوصول إلى أعلى المراكز المرموقة، حيث صار دُمية في يد من يحركوه في أي اتجاه شاؤوا، بلا أدنى قدرة على الاعتراض من جانبه وهي ذروة الخسران والضياع اللذين استفاق على إثرهما قبل أن يسقط في نظر نفسه ونظر الغير. لقد أدرك صابر أنه الضحية حين فوجئ بأن زوجته التي جسدت دورها خالدة غوشة كانت أيضاً ضمن المتآمرين عليه، وأنه ظل طوال الوقت تحت مراقبتها.
وبهذه النهاية المأساوية يخلص الفيلم إلى مفهوم سوداوي مُشين مفاده، أن البيع لا حدود له، وأن الثمن لمن قبل بالمُقايضة الشيطانية ليس إلا مقايضة على شرفه وإنسانيته، والمعنى هنا قد يحتمل التحذير الضمني، أو يشير إلى رصد ما يدور على السطح السياسي من عمليات بيع واستبدال وتحريك عبر الخيوط لعرائس الماريونت من الذين يقومون بأدوار عديدة ومختلفة، في السياسة والثقافة والفن والإبداع، تحت مظلة النظام العالمي وبموجب شروطه وتوصياته وتوجيهاته وتوجهاته، فلا أحد خارج حزام السيطرة غير المعصومين بمبادئهم والمتمسكين بقيمهم، أو أولئك الأبرياء الذين رمز إليهم الفيلم بشخصية الممثلة نوال حجازي أو «سمر» ابنة الكاتب والمُفكر القيمي الذي قاوم السقوط ورفض الجاه والسُلطة، لينجو بنفسه ويُحافظ على تاريخه وقيمته الإنسانية التي تربو فوق كل قيمة.
لقد نجح المخرج محمد فرحان الكرمي في توظيف أدواته الفنية كافة، من إضاءة وزوايا تصوير وألوان وديكور وموسيقى ومونتاج، ليجسد الحالة بوقعها القاسي لتُعطي الإحساس المناسب المراد توصيلة للمُتلقي وتمكنه من استيعاب الفكرة كاملة بأجوائها ومضامينها ورموزها ومعانيها القريبة والبعيدة.
كاتب مصري