ملصق لرجل الدين الشيعي محمود الصرخي داخل مسجد جنوب شرق بغداد
بغداد ـ «القدس العربي»: ألقت قوات الأمن العراقية على عدد من أتباع رجل الدين الشيعي المنشق عن التيار الصدري، محمود الصرخي، على إثر دعوة وجهها أحد أتباعه لهدم القبور والمراقد الدينية المقدّسة لدى الشيعة، الأمر الذي أثار موجة غضب شديد، تجاوزت التصريحات المنددة بإغلاق مقار «الصرخي» وحسينياته (مساجد) في عدد من محافظات الجنوب والفرات الأوسط.
أعلنت وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية، «ضرب» أماكن «حركة دينية متطرفة في محافظات البصرة وكربلاء وميسان، ممن يتهجمون على الرموز الدينية وأهل البيت».
الصدر يحذّر من تعالي صوت «البعث»
وذكرت الوكالة في بيان صحافي أن «رجال وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في وزارة الداخلية، شرعوا (…) بحملة واسعة لملاحقة عناصر إحدى الحركات الدينية المتطرفة والتي تحاول الإساءة إلى الرموز الدينية والطقوس الإسلامية وهدم المراقد المطهرة».
وأضاف البيان أنه «وفقاً لمعلومات استخبارية دقيقة، تمكن رجال وكالة الاستخبارات من إلقاء القبض على ستة متهمين من هذه الحركة المتطرفة التي تحاول بث الفتنة بين أبناء شعبنا العراقي الواحد في محافظات البصرة وكربلاء المقدسة وميسان»، مشيراً إلى «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».
ويتزامن ذلك مع تظاهرات ليلية لعشرات المواطنين أمام مكاتب «الصرخية» في بابل والناصرية. كما أغلق مواطنون في السماوة والرميثة، مكتباً وجامعاً تابعاً للصرخي، بعد انتشار مقاطع فديو يدعو فيها عدد من اتباعه إلى هدم الأضرحة ومراقد آل البيت.
في حين أمر قائد شرطة محافظة بابل، اللواء خالد تركي جهاد الشمري، بغلق جميع الحسينيات والمكاتب التابعة لأتباع رجل الدين محمود الصرخي. ونقلت الوكالة الرسمية، عن الشمري، أنه «أمر بغلق جميع الحسينيات والمكاتب التابعة لأتباع الصرخي حفاظاً على السلم المجتمعي». وحسب مقاطع فيديو، فإن عشرات المواطنين تجمعوا أمام حسينية «الفتح المبين» بمنطقة الحمزة الغربي، احتجاجاً على خطبة ألقاها إمام الجامع طالب خلالها بهدم المراقد الدينية، فيما طالب المحتجون بإغلاق الحسينية وتحويلها إلى دائرة حكومية.
جماعات مدفوعة
وتلك الأحداث خلفت ارتدادات سياسية، من بينها ما قاله «الإطار» التنسيقي الشيعي، في بيان صحافي أصدره عقب اجتماع لقادة كتله إن «الإطار تدارس المحاولات الخطيرة المشبوهة في نشر الأفكار المنحرفة والمسمومة والتهجم على عقائد الناس والتحريض على السلم المجتمعي من قبل جماعات مدفوعة لإثارة الطائفية التي قبرها شعبنا بتضحياته ووحدته».
إلى ذلك، أكد زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، ضرورة عدم التغاضي عما يحدث بالمجتمع من انتشار «العقائد الفاسدة»، فيما أمهل محمود الصرخي ثلاثة أيام للتبرؤ من دعاة تهديم المراقد الدينية.
وجاء في نص بيان الصدر أنه «لا ينبغي التغاضي عن ما يحدث في المجتمع العراقي … من انتشار العقائد الفاسدة من هنا وهناك».
ومن أهم تلك «العقائد» حسب الصدر، هي إن «أهل القضية والذين يدّعون الإمامة لي (عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) وكما أعلنت البراءة سابقاً فإنني أجدد البراءة منهم في هذا الشهر الفضيل… وأطالب بمعاقبتهم ومحاسبتهم وفق القانون».
وأشار إلى أن «بعض من ينتمون بالتقليد إلى الصرخي ولا أعلم بأنه على علم بذلك أم لا؟! ممن يحاولون إدخال بعض العقائد المنحرفة إلى المذهب الشريف والعقيدة الجعفرية (…) وآخرها ما صدر من إمام جمعة لهم في محافظة بابل (…) وذلك بالمطالبة بهدم القبور: قبور الأولياء والمعصومين سلام الله عليهم أجمعين».
وأضاف الصدر: «من هنا فإني أنتظر من الصرخي التبرؤ من هذا المجرم الزنيم خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام… وإلا فإنني أجد نفسي ملزماً بالتعامل معهم ومع أمثاله بما يمليه عليّ ضميري وديني ومذهبي ووفقاً للشرع والقانون والعرف الاجتماعي المعقول».
ورأى أن «تعالي صوت البعث الصدامي المجرم الإرهابي وذكر كبيرهم الطاغية الهدام عليه لعائن الله… وهذا مما لا يصح السكوت عنه وعلى الجميع التعامل معهم بحزم ووفق القانون وتجريمهم ومعاقبتهم تحت طائلة القانون… بل لا بد من إصدار قانون يجرّم ذلك تحت قبة البرلمان فوراً».
صولة أمنية
كما دعا رئيس تجمع «السند الوطني»، النائب أحمد الأسدي، لـ»صولة» من قبل الأجهزة الأمنية ضد المعتدين على المقدسات ومن ينشرون العقائد الباطلة والأفكار الضالة.
وقال في تغريدة له إنه «من جديد يتطاول المنحرفون وأصحاب الدعوات الضالة على مقدسات الأمة ورموز وحدتها فهم مكلفون ظاهراً وباطناً بنشر العقائد الباطلة والأفكار الضالة المضلة».
وأوضح أن «هذا التجاوز والاعتداء السافر على المقدسات لن يمر دون أن يكون سبباً لوضع حد لهذه النتوءات ولكل من يتجرأ على نشرها والترويج لها».
وشدد على «أننا ندعم صولة الأجهزة الأمنية على هؤلاء المنحرفين وندعو إلى ملاحقة جميع الفرق الضالة قانونياً».
إلى ذلك، أعلن حزب «الدعوة الإسلامية»، بزعامة نوري المالكي، أن المجتمع العراقي يواجه حملة منظمة للإساءة إليه عموماً وإلى الشيعة في العراق خصوصاً.
وذكر بيان للحزب أن هذه الإساءات «تارة من خلال ما سمعناه من خطب الجمعة التي يقيمها الصرخية، والتي تدعو إلى هدم أضرحة أئمة أهل البيت عليهم السلام، وتارة من خلال إنتاج مسلسل تلفزيوني يسيء ويغالط الواقع كما هو معروف تاريخياً وواقعياً ويوجه رسائل خبيثة تظهر القوى الإسلامية الشيعية من خلال رمزية العمامة وكأنها تكفيرية قاتلة، بخبث معروف الدوافع وبخلفية تسعى لتشويه الحقائق وخلط الأوراق».
وأضاف أن «مسؤولية إيقاف هذه الإساءات تقع على عاتق الحكومة بالدرجة الأساس فهذا واجبها ومن صميم عملها، وإذا تخلت عن مسؤوليتها فالمجتمع مسؤول عن ردعهم وإيقاف هذه التجاوزات على قيمه وثوابته».
ودعا الحزب «القضاء العراقي وكل الجهات الرسمية والفعاليات الدينية والمؤسسات التبليغية إلى أخذ دورها لإيقاف هذا الاستهتار والتلاعب بالأفكار وحرف الحقائق».
وطالب حزب الدعوة «هيئة الإعلام والاتصالات بالتصدي لهذه الإساءات بإيقاف عرض المسلسل المسيء الذي يبث من إحدى الفضائيات العراقية ومحاسبة القائمين عليها الذين يستغلون فسحة الحرية للإساءة وزرع الفتن وتشويه الواقع، بل الانحراف به إلى وجهة معاكسة لا تغيب عن الجمهور العراقي الذي عانى ما عانى من أصحاب هذا المنهج المنحرف».
وفي السياق ذاته، أعلن ديوان الوقف الشيعي، رصده «أساءت» متعمدة ضد «المقدّسات الدينية» تقوم بها قناة «يو تي في»، مطالباً الجهات المختصة باتخاذ «أكثر الإجراءات صرامة» بحقها.
وقال رئيس الديوان حيدر الشمري، في بيان، إنه «رصدنا في الأيام القليلة الماضية ومن خلال مسلسل درامي رمضاني عراقي يبث على قناة يو تي في ويحمل اسم «وطن» إساءة متعمّدة وواضحة الأهداف للمقدّسات الدينية من خلال تصوير رجل دين شيعي يبرر الجريمة بآية قرآنية، ومما يعمق الإساءة أنها تأتي للدين الإسلامي في شهر رمضان، الذي يمثل الموسم الديني والروحي الأهم لدى المسلمين كافة».
وأضاف: «وقد احتوى أحد مشاهد المسلسل عدداً من الرسائل المسيئة بشكل صارخ لا يمكن تبريره في اتجاه الهوية الدينية لأبناء الشعب العراقي وبشكل واضح التقصّد المسبق، تمثّل أوّلها بالإساءة الواضحة للقرآن الكريم، والإساءة للحوزة العلمية ورجالاتها، ولعموم أتباع مذهب أهل البيت (ع) في العراق، فضلاً عن الترويج للجريمة».
وتابع أنه «ومن منطلق العمل بوظائف الديوان المنصوص عليها في قانونه، (…) نؤكد: الإساءة للقرآن الكريم تمثلت في التأويل الخاطئ لآياته الكريمة، وتقديمها على أنها تبرر جريمة القتل المتعمّد وسفك الدماء المحترمة، والقرآن الكريم يمثل اليوم أهم وثيقة دينية تحرم سفك الدم، وفيه ما فيه من الوعيد بالعذاب المترتب على مثل هذه الجرائم، وهذه إساءة واضحة لمقدسات الشعب العراقي».
ووفقاً للبيان، فإن المسلسل الذي يعرض على قناة تلفزيونية مملوكة للسياسي العراقي، خميس الخنجر، احتوى على «إساءة واضحة للحوزات العلمية ورجالها، والذين كانوا بامتداد تاريخ هذا البلد أهم الواقفين بوجه الظلم والحيف والطغيان وسفك الدماء وكانوا بحق أعمدة ومنارات للاعتدال، وبين ظهرانيا الفتاوى الكبرى التي بقيت علامات مشرقة في تجربة هذا الشعب، وأطفأت ما أطفأت من الفتن، وحفظت البلاد والعباد، والتي كانت بتعاقب مراحل تاريخ العراق مدافعة عن مكوّناته، فضلاً عن أن الحوزة العلمية كحاضرة علمية تمثل واحدة من الثروات والواجهات الثقافية للعراق وشعبه، والتي تمثل حاضرة نادرة المثيل في العالمين العربي والإسلامي».
وأشار إلى أن «التعمد الواضح في إلباس الممثل زي رجال الحوزات العلمية الشيعية فيه إساءة واضحة متعمدة للبعد الثقافي والعقائدي للمذهب الشيعي ولمحبي أهل البيت (ع) في العراق، والذين يمثلون النسبة الأكبر من أبناء هذا الشعب، والذين تمثل ثقافتهم ومتبنياتهم جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي والاجتماعي العراقي».
ووفقاً للبيان، فإن «هذه الإساءات ليست بريئة، وإنما تعبر عن أجندات خبيثة مخربة تستهدف النسيج المجتمعي للشعب العراقي، وتتعمد إذكاء النعرات المتطرفة، وهي لا تمثل حالة منفردة، إنما نؤشّر على أن هناك مثيلات لها، وإلا فأي رسائل خبيثة يراد غرسها في نفوس المواطنين وسيما النشئ بمثل هذه المشاهد؛ وسبق أن أشارت المرجعية الدينية لخطورة الاستهداف الممنهج للهوية الثقافية للشعب العراقي».
إجراءات صارمة
وطالب الحزب الجهات المعنية، ولا سيما هيئة الإعلام والاتصالات كجهة مختصة بـ»اتخاذ أكثر الإجراءات صرامة، للحيلولة دون استمرار عمليات التلاعب الإعلامي الفوضوي بالأمن الثقافي والمجتمعي للشعب العراقي، والحد من بث هذه السموم والفتن في وقت نحن فيه بأمس الحاجة للحفاظ على التماسك الداخلي».
كما دعا ديوان الوقف السني، وجميع الحريصين والخيرين، من مؤسسات ومنظمات وقوى وطنية، والنخب الواعية والمسؤولة لـ»وقفة جادة وصريحة، تضع حداً لمثل لهذه المنزلقات الخطيرة والتي لا تنبئ بالخير، والتي تلوّح بالشر والفتنة لأبناء شعبنا».
ورأى الديوان الشيعي أن «هذه الممارسات (تأتي) في بلد يؤكد دستوره على ضمان الحفاظ على (الهوية الإسلامية لغالبية أبناء الشعب العراقي)، فضلاً عن صيانة (أمن الأسرة وكيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية) كما ورد في المواد 2 و29 منه».
وأكد أن «مثل هذه الخروقات التي تمرر تحت عناوين الفن أو الإعلام الحر، هي في الواقع لا تمثل الإفراز الطبيعي المحترم لهذه العناوين، فبقدر حرصنا على حقوق التعبير والمراس الثقافي في البلاد، نحن حريصون على قيم احترام الآخر والتعايش والابتعاد عن الفتن، وهذا مقتضى الموقف المسؤول، والنصوص الدستورية واضحة في كفالة حرية التعبير «بما لا يخل بالنظام العام والآداب» كما في المادة 38».
وتوعد ديوان الوقف الشيعي باتخاذ «مجموعة من الخطوات في سياق الرفض الجاد لهذه الممارسات، ويحتفظ بحقه في المساءلة القانونية والقضائية للقناة التي بثت هذا العمل والجهات ذات العلاقة والمسؤولية في عملية إنتاجه ورعايته وبثه».