الناصرة – “القدس العربي”:
بعد حالة الفزع والفوضى العارمة عكستها صور عملية تل أبيب أطلقت الهيئة القومية الإسرائيلية للدعاية والعلاقات العامة دعوة ناشدت فيها الإسرائيليين بعدم نقل شائعات وأخبار كاذبة وصور ميدانية خلال وبعد عمليات فلسطينية بواسطة التطبيقات الرقمية. يأتي ذلك ضمن المعركة على الوعي، وهي جزء مما يعرف تاريخيا بـ”الحرب النفسية”، التي باتت تعتبرها إسرائيل جبهة قتال مهمة وتكرس لها الاهتمام والموارد وتقوم على فكرة الحفاظ على مناعة الداخل والنيل من معنويات وهيبة الخارج.
وكانت انتقادات واسعة تعالت لقوات الأمن الإسرائيلية التي أحجمت عن إغلاق مسرح عملية تل أبيب والسماح بالتالي للطواقم الصحافية والمواطنين العاديين بعضهم يحمل السلاح للاختلاط بآلاف الجنود مما زاد الطين بلة وفاقم حالة الفوضى والرعب في تل أبيب وخارجها حيث كانت تنقل الصور من المكان بالبث الحي المباشر. وتتواصل الانتقادات هذه على لسان جهات إسرائيلية مختلفة بعدما بثت القنوات التلفزيونية الأربع مشاهد أعداد هائلة من عناصر الشرطة والجيش وحرس الحدود والمخابرات العامة وهم يشهرون المسدسات والبنادق الرشاشة ينتقلون من موقع لآخر بحالة توتر وصفها بعض المراقبين بالهستيرية بحثا عن منفذ العملية رعد فتحي حازم من مخيم جنين وابن عائلة مهجرة من شفاعمرو داخل أراضي 48 منذ النكبة.
ووجه عدد كبير من خريجي أجهزة الأمن الإسرائيلية انتقادات للشرطة لعدم إغلاقها المنطقة والتسبب بالتالي في اختلاط الحابل بالنابل لدرجة تعريض الجنود والمواطنين لخطر “الرصاصات الصديقة” بسبب كثرة السلاح بأيديهم في مواقع مزدحمة جدا. وذهب بعضهم للقول إنه كان من الممكن أن يندس منفذ العملية نفسه بين جموع الجنود وحملة السلاح دون أن يقوى أحد على التعرف عليه خاصة أن بشرته بيضاء ولا تدلل على هويته العربية.
تهديدات غير مرئية
وحذر مراقبون إسرائيليون آخرون من مخاطر غير مرئية وأشد خطورة تتعلق بوعي الإسرائيليين ومناعتهم النفسية جراء هذه الصورة الفوضوية بعدما فشلت قوات الأمن باستغلال مئات كاميرات الحراسة لمعرفة موقع اختباء الشهيد رعد إلا بعد تسع ساعات فيما كانت تبث القنوات التلفزة ومنتديات التواصل الاجتماعي الصور والأصوات وحالة الذعر والبلبلة في قلب تل أبيب.
دعوات للإسرائيليين للكف عن نشر الصور والشائعات في تطبيقات رقمية بعد كل عملية فلسطينية
وقال هؤلاء إن بث مشاهد المواطنين الفارين من المكان من جهة وتدفق الفضوليين للمكان من جهة أخرى الى جانب مئات الجنود ممن بحثوا بشكل هستيري عن منفذ العملية ودون قيادة مركزية قد بثت الفزع والهلع في نفوس الإسرائيليين وهذا عبارة عن صب للماء على طاحونة “الإرهاب”. وأشار هؤلاء بشكل خاص لمشاهد مئات عناصر الأمن وهم يحملون البنادق والمسدسات المشهرة ويبدون في حالة انفعال يصوبون سلاحهم تارة بهذا الاتجاه وتارة في اتجاه معاكس في ظل مئات المعلومات المغلوطة والشائعات حول مشاهدة مشتبهين أو سماع رصاص في أماكن أخرى في تل أبيب.
وتصاعدت حيوية المعركة على الرواية وعلى الوعي غداة بدء المرحلة الرقمية وانتشار التطبيقات ومنتديات التواصل الاجتماعي التي تنقل صورا مشحونة بدلالات ورموز تترك مفاعيل خطيرة في الوعي. وخبرت إسرائيل خطورة هذه المعركة على الوعي في حرب لبنان الثانية عام 2006 يوم وجدت حزب الله عدوا قادرا وواعيا لحيوية هذه المنازلة الرقمية. ومن مشاهد تلك المواجهة على الوعي قيام رئيس حزب الله حسن نصر الله بمخاطبة الإسرائيليين من فوق قياداتهم باستغلال الثورة الإلكترونية المعلوماتية في محاولة للتأثير على وعيهم ومن جملة الأمثلة دعوتهم لمشاهدة بارجة إسرائيلية أصابتها نيران جنوده وهي مقابل سواحل بيروت وقتل أربعة جنود وإصابة آخرين على متنها قبل أن تكشف في إسرائيل عنها.
وقتها ومقابل ضبط المعلومات من قبل الجانب اللبناني شهد الجانب الإسرائيلي فوضى كبيرة على غرار ما حصل بعد وخلال عملية تل أبيب الأخيرة حيث نقلت قنوات التلفزة وقائع المعارك في جنوب لبنان وإصابة أعداد كبيرة من المدرعات الإسرائيلية دون رقابة فيما شهدت استديوهات هذه القنوات ثرثرة واسعة فيما كان طابور من المحللين والضيوف يصطفون على أعتاب كل قناة للحديث عن الحرب. ومن المشاهد التي عادت كيدا مرتدا على الجيش الإسرائيلي وهيبته وصورته ما حصل في اليومين الأخيرين من تلك الحرب حينما رصدت الكاميرات محاولة جنود إسرائيليين رفع راية إسرائيلية على أحد بيوت بنت جبيل في الجنوب في محاولة لنسج صورة انتصار في وعي الإسرائيليين والعالم ولكن دون جدوى فقد تعرض هؤلاء الجنود لوابل من الرصاص كلما كرروا الكرة ولم يرفع العلم الإسرائيلي وقتل بعض الجنود خلال ذلك.
وفي ظل هذه التجارب وعلى خلفية الحرب تمت المبادرة عام 2007 لتشكيل هيئة قومية خاصة للدعاية والعلاقات العامة داخل مكتب رئاسة الوزراء الإسرائيلية مهمتها إدارة المعركة على الوعي ومراقبة المعلومات ووسائل الإعلام ومنتديات التواصل الاجتماعي قدر ما يكون الأمر متاحا. وتتطلع هذه الهيئة الدعائية للحفاظ على معنويات الإسرائيليين والجبهة الداخلية بإبراز انتصارات ومكاسب جيشهم والسعي لمنع وصول مشاهد وصور تفضي لمفاعيل معاكسة، ومن جهة ثانية محاولة ضرب معنويات العدو وزعزعة ثقته بنفسه وزرع الشك لديه ونزع شرعية قياداته بطرق شتى.
ومن ضمن ما يرد في موقع هذه الهيئة إنه كلما تنشب مواجهة عسكرية تجد إسرائيل نفسها مقابل جبهتين الأولى واقعية وتشمل صواريخ وأنفاقا والثانية وعيوية وتشمل تشويهات للحقائق وافتراءات منفلتة. في محاولة لتحييد مفاعيل التأثيرات على الوعي تقول الهيئة: “بينما تحقق إسرائيل في الجبهة الواقعية امتيازات يبدو دائما وكأن المعركة على الوعي خاسرة سلفا وفيها تعاني إسرائيل من موقف متدن منذ بدء المواجهة وحتى نهايتها وهذا صحيح تقريبا في كل المواجهات”.
حارس الأسوار
كما تشير الهيئة الإسرائيلية الى أنه منذ اندلاع عملية “حارس الأسوار” في العام الماضي “ينتقل الناطق بلسان الجيش من قناة إلى قناة محاولا شرح كم هي معطوبة بنظره المعركة على الوعي التي تديرها إسرائيل مقدما نصائح كيف يمكن تحسين وضعها وإنزال ضربة ماحقة على العدو”. وتضيف أنه في المواجهة العسكرية المذكورة كان الناطق العسكري هو المتحدث الوحيد فيها للإعلام وهذا برأيها نقطة خلل لأنه لا يستطيع الحديث عن البعد السياسي فلا يقوى على القول ما هي أهداف الحرب وكم يوما ستمتد لأنه لا يعرف ولأن هذا ليس من صلاحياته”.
ويستدل من مبادئ العمل الواردة في موقعها في الانترنت أن الهيئة القومية للدعاية والعلاقات العامة الإسرائيلية “هي جسم للتنسيق بين نشاط رئيس الوزراء ومكتبه وبين الصحافة وعلى رأسها يقف مستشار إعلامي. أما مهام وفعاليات الهيئة الأساسية فهي النطق بلسان رئاسة الحكومة، شرح سياسات وقرارات الحكومة ورئيسها، تخطيط وإدارة منظومة العلاقات العامة مقابل وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، تقديم استشارات إعلامية في الفترات الاعتيادية وخلال الأزمات، وضع برنامج محدث خاص بالتعامل مع الصحافة وتقديم استشارة إعلامية لمؤسسات تابعة لمكتب رئاسة الوزراء ونشر البيانات وتنظيم جولات ميدانية ومناسبات وطنية”.
وعلى خلفية الانتقادات المذكورة الموجهة للمؤسسة الأمنية على سوء تصرفها بكل ما يتعلق بتبعات عملية تل أبيب وعملية إلقاء القبض على منفذها تدعو الهيئة القومية للدعاية والعلاقات العامة الإسرائيلية الإسرائيليين للتعاون معها والكف عن نشر الصور والشائعات في تطبيقات رقمية بعد كل عملية فلسطينية كونها تخدم العدو. لكن هذا الجدل حول إخفاقات إسرائيل في المعركة على الوعي، وهو في الواقع وعي الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم، كان قد نشب وتصاعد أيضا عقب عدوان “حارس الأسوار” حيث قال وقتها عدد كبير من المحللين والخبراء الإسرائيليين إن حركة حماس انتصرت في هذه المعركة فيما يتباهى قادة الجيش الإسرائيلي بـ”إنجازات سلاح الجو”.
وقتها عبر عن ذلك أبرز المعلقين السياسيين في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، ناحوم برنياع، بقوله إن “قيادة الجيش الإسرائيلي تتباهى بإنجازات سلاح الجو، بما في ذلك الإضرار بشكل كبير بترسانة “حماس”، اغتيال كبار الضباط وتدمير الأنفاق العسكرية. وتطرق لمقولة ضباط الجيش الإسرائيلي في اجتماع المجلس الوزاري المصغر إنه من الناحية العسكرية الخالصة، حققت إسرائيل في 50 ساعة ما لم تحققه في حرب “الجرف الصامد” عام 2014 خلال 50 يوما. في المقابل نوه برنياع لخطورة نجاح حماس في مباغتة إسرائيل بصواريخ على القدس في “يوم عيدها” مواصلة إطلاق الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي رغم القصف الكثيف لمواقع في غزة بل أنها نجحت بتوحيد الفلسطينيين مع انضمام فلسطينيي الداخل للمواجهات في مايو/أيار. كما اعتبر برنياع أن إسرائيل موجودة في متاهة: لا نية للمستوى السياسي في الانتقال لعملية برية، ولا خطط لاحتلال مناطق ولا أحد يتوقع رايات استسلام بيض فوق أسطح منازل غزة.
يشار الى أن مجموعة خبراء وعسكريين إسرائيليين توافقت ضمن مؤتمر واسع في خريف 2021 على أنه نتيجة الفجوة الاستراتيجية في الأداء في عصر المعلومات الرقمية فإن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تلائم رسائلها لجماهير الهدف المختلفة وتقوم بتمريرها بشكل ناجع بعكس إسرائيل. جاء ذلك في مؤتمر نظمه معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب على اسم قائد الجيش الراحل أمنون ليبكين شاحك حول الديمقراطية في عصر الأخبار الملفقة وحول الحقيقة، الثقة والأمن القومي ومصطلحات الانتصار في معارك تدور على الوعي على خلفية حرب “حارس الأسوار”. وقدمت الورشة هذه سلة توصيات لـ إسرائيل: زيادة التنسيق بين الوزارات، الجيش، المنظمات المدنية وتغيير المصطلحات بطريقة لا تخدم حماس، فعاليات في الشبكة تتيح لمناصري إسرائيل في البلاد والعالم التعبير عن أنفسهم، تحديث عالم المصطلحات الإسرائيلية من فترة لفترة في مجال الوعي، صياغة استراتيجية شاملة تجمع البعد الوعيوي مع بقية الجهور.
مفاتيح الحرب على الوعي
وقبل ذلك صدرت دراسات حول الوعي والمعركة على الوعي في كتاب عن “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب و”معهد أبحاث منهج الاستخبارات” في “مركز تراث الاستخبارات”. ووفقا لهذه الدراسات بمشاركة خبراء في مجالات متنوعة فـ”الوعي هو مجمل مدارك الفرد أو مجموعة أفراد حيال الواقع المحيط بهم وإزاء الطريقة التي يريدون من خلالها بلورته، انطلاقا من مجموعة قيم ومعتقدات يتفحصون بواسطتها محيطهم، ويحللونه ويعملون من أجل مواجهة تحديات كامنة فيه وحتى تغييرها”.
وفي المقابل، فإن المعركة على الوعي هي “مجمل العمليات والأدوات، التي تسعى بواسطتها الجهات المشاركة في إطار منظومة معينة إلى “التأثير على وعي جمهور مستهدف معين أو منع التأثير عليه”. وهدف الحرب على الوعي هو جعل الجماهير المستهدفة تتبنى مفهوم الواقع المطلوب لمن يمارس هذا المجهود، بحيث يصبح بإمكانه أن يدفع قدما وبسهولة أكبر غايات إستراتيجية و/أو تشغيلية هامة بالنسبة له. وقد تكون الحرب على الوعي سلبية، أي منع تطور حالات وعي غير مرغوب فيها، أو إيجابية، بمعنى محاولة إنشاء وعي مرغوب فيه.
وتشمل أدوات وأساليب العمل في الحرب على الوعي، إلى جانب خطوات عدوانية، أدوات استهداف، بعضها معروفة وتقليدية، مثل أدوات الحرب النفسية العسكرية (كالتضليل والمناشير)، كالبيانات الرسمية والدبلوماسية والتأثير بواسطة وسائل إعلام واسعة الانتشار، وبعضها حديثة من العالم الرقمي، وبضمنها الشبكات الاجتماعية على أشكالها. وخلصت هذه الدراسة إلى أن “أحد مفاتيح النجاح في هذه الحرب على الوعي هو القدرة على تجنيد وربط القصص المحلية المتعلقة بإسرائيل، أو تطورات الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، بمصطلحات وأجندات ثقافات ومجتمعات أخرى في العالم. وفي وضع كهذا، لا يمكن الاكتفاء بـ “حقيقتنا” وبالإقناع الذاتي بصدق الطريق، وإنما المطلوب هو فهم الأمر الأساسي في صورة إسرائيل والمواقف تجاهها في أنحاء العالم وغرس ذلك أثناء بلورة غايات الحرب على الوعي وسبل تحقيقه.
لكن الدراسات والتوصيات تبقى أحيانا بين صفحات الكتب والدراسات كما تبين في عملية تل أبيب التي أربكت إسرائيل وتسببت بإصابات في وعي الإسرائيليين مما دفع الهيئة القومية للدعاية والعلاقات العامة الحكومية لإطلاق حملة توعية على شكل إعلانات مدفوعة الأجر في وسائل إعلام عبرية. في المقابل يتواصل الجدل في الإعلام العبري حول ما حصل وأوضحت قنوات تلفزة إسرائيلية أن الشرطة أخطأت بإبقاء مسرح العملية مفتوحا لكنها في المقابل أقرت بأخطائها وقالت إنها ستستخلص الدروس في تغطيات ميدانية مستقبلية كما جاء في إعلان مدفوع الأجر نشرته القناة 13 في صحيفة “يديعوت أحرونوت”.