لندن ـ «القدس العربي» حذر علي زيدان، رئيس الوزراء الليبي السابق من سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» على مناطق تقع على شواطئ البحر المتوسط الجنوبية في خلال شهرين، إن لم يتحرك الغرب ويوقف تقدمه.
وقال في مقابلة مع صحيفة «التايمز» البريطانية إن وجود فوضى في ليبيا وغياب الحكومة المركزية القوية وتعرض مخازن الأسلحة للنهب والسرقة بعد سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي حول ليبيا إلى مركز جذب للجهاديين. وكان زيدان قد أجبرعلى الاستقالة وغادر البلاد بعد تعرضه لعملية اختطاف من جماعة مسلحة.
ودعا زيدان المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته تجاه ليبيا والتعامل مع الملف الليبي بجدية تامة وفي حالة «ترك الأمور لمدة شهر أو شهرين فسيخرج عن السيطرة لأن الحرب ستتسع في البلاد كما ستصل إلى أوروبا».
وتأتي تصريحات زيدان متزامنة مع تقارير تتحدث عن توسع تنظيم الدولة الإسلامية لمناطق أبعد من مناطق سيطرته التقليدية في العراق وسوريا، فماركة «الدولة الإسلامية» أصبحت الآن معروفة وتنافس ماركة/ أيديولوجية تنظيم القاعدة مما يقدم صورة عن سلطة التنظيم في منطقة الشرق الأوسط وما بعده.
وكان فرع تابع للتنظيم قد شن هجوما في العاصمة الليبية طرابلس الشهر الماضي استهدف فندق كورنيثا المشهور، فيما أعلنت منظمة طالبان الباكستانية «تحريكي طالبان باكستان» عن إنشاء ولاية خراسان تابعة لسيطرتها على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية، وقتل 30 جنديا على الأقل في «ولاية سيناء».
وهناك أدلة على ظهور فروع لتنظيم الدولة الإسلامية في شمال أفريقيا، ففي الجزائر ظهرت مجموعة «جنود الخلافة» في الجزائر وجماعة التوحيد والجهاد في الأردن وحركة أبو سياف في الفلبين وكلها قدمت البيعة «للخليفة» أبو بكر البغدادي.
وفي الوقت نفسه تم إجباط سلسلة من الخلايا الإرهابية في كل من المغرب وبلجيكا وإسرائيل والضفة الغربية، وهناك تقارير تتحدث عن شبكة لتنظيم الدولة تتشكل في غزة وتقوم بإرسال المقاتلين إلى سوريا والعراق مع ان حركة حماس التي تسيطر على القطاع تنفي هذا.
وتشير مجلة «نيوزويك» إلى تحذيرات رئيس لجنة الاستخبارات الأمنية البريطانية الجنرال فينسينت ستيوارت من تزايد قوة التنظيم «وبصماته «في شمال أفريقيا التي يشهد عدد من دولها فراغا في السلطة. وقال بوجود فروع له في كل من الجزائر ومصر وليبيا فقد بدأ يترك بصمات تأثير دولية بمناطق فيها حكومات وأخرى بلا حكومات».
وتلاحظ المجلة أن عددا من المقاتلين يقومون بالانشقاق عن الجماعات المنافسة للتنظيم مثل القاعدة وحركة طالبان، وهي عمليات تمت في سوريا حيث انشق مقاتلون ينتمون لفصائل توصف بالمعتدلة للتنظيم بحثا عن المال والسلاح، وسجل نفس الأمر في تنظيم القاعدة وحركة طالبان الباكستانية.
وعبر تنظيم القاعدة عن قلقه من توسع تنظيم الدولة الإسلامية وزيادة تأثيره في الشرق الأوسط، مما دفع بزعيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري للإعلان عن فرع جديد في شبه القارة الهندية حيث استهدف نصف مليار مسلم يعيشون في كل من الهند والباكستان وبنغلاديش.
جماعات صغيرة
ورغم ما يلحظ من توسع للتنظيم خارج حدوده إلا أن معظم الجماعات المنتمية له لا تزال صغيرة ومعظمها في البداية وتحاول توسيع قاعدتها من خلال تبني اسم/ ماركة تنظيم الدولة الإسلامية حسب جوديث جاكوب، المحللة في شؤون الإرهاب في مجموعة «ريسك أدفايزي غروب».
وتقول إن هذه الجماعات «هي صغيرة وليست منظمة بشكل جيد مع أن فيها مقاتلين كانوا ينتمون في السابق لجماعات أكبر».
وترى أن مجرد الانتماء لتنظيم الدولة يعطي المجموعة الصغيرة حسا بأنها تنتمي إلى جماعة أكبر منها يوحي اسمها بالخوف والرهبة – أي تنظيم الدولة.
وفي الوقت الذي لبت فيه جماعات نداء التنظيم شن هجمات على الغربيين، كما فعل الفرع الليبي إلا أن التنظيمات الأخرى اكتفت باستخدام الاسم/ الماركة وظلت ملتزمة بأهدافها وأيديولوجيتها. ففي الفلبين مثلا قالت حركة «بانغسمورو للمقاتلين الإسلاميين الأحرار أنهم يقسمون الولاء للتنظيم لكنهم لن يقوموا بتطبيق تفسيراته للدين في بلدهم.
و الأمر نفسه يقال عن سيناء التي لم تغير الحركات المنضوية تحت لواء تنظيم الدولة من أشكال هجماتها، كما تقول جاكوب، بل واصلت هجماتها على السلطات المحلية في مصر وقوات الأمن. ويعتمد التنظيم الجهادي الذي اجتاح الصيف الماضي مناطق واسعة في كل من سوريا والعراق وأقام عاصمة له بمدينة الرقة على الجهاديين الأجانب من معظم أنحاء العالم العربي.
وقام تنظيم الدولة الإسلامية في برقة الليبية بعمل مشابه وإن على قاعدة أصغر حيث سيطر على بلدة درنة الساحلية والتي لا تبعد سوى 200 ميل على الشواطئ الأوروبية. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر عين التنظيم له أميرا في لبنان، وهناك أدلة على نشاطات تجنيد للتنظيم في إقليم هيلمند الأفغاني.
ويرى باحثون أن الطريقة التي عزز فيها التنظيم سيطرته على المناطق جعل من ماركته جذابة لبقية الجهاديين. ويذكر ماكس أبرام من جامعة نورثويسترن والعضو في مجلس العلاقات الخارجية بما قاله أسامة بن لادن «الناس يندفعون وراء الحصان القوي» وهو أمر ينطبق على الدوائر الجهادية.
ففي الماضي كانت القاعدة هي الماركة التي يرغب كل جهادي بالانتساب إليها والآن كل جهادي يريد الانتماء للدولة الإسلامية». ويضيف «السبب الرئيسي هو نجاح الدولة الإسلامية وانتصاراتها العسكرية».
الخلافة
وهناك من يضيف عاملا آخر وهو أيديولوجي، كما يقول حسن حسن من معهد ديلما في أبو ظبي، وله علاقة بالخلافة الإسلامية التي تعتبر فكرة عالمية يطمح المسلمون لتحقيقها ويشعر الجهاديون أنهم قادرون على المساهمة في تحقيقه، خاصة أن حلم الخلافة قد انتهى منذ عام 1924 عندما ألغاه مصطفى كمال أتاتورك.
ولا بد من إضافة بعد آخر في شعبية تنظيم الدولة الإسلامية وهو البعد الدعائي وقدرته على استخدام واختراق وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم الشجب الذي تعرض له التنظيم حول الطريقة التي قتل فيها الطيار الأردني معاذ الكساسبة إلا أن أبرامز من جامعة نورث ويسترن يتوقع استمرار احتكاره لوسائل التواصل الاجتماعي وفي المقابل سيتراجع عدد المقاتلين لأن المحدد الرئيسي في انضمام المقاتلين هو الانتصارات التي يحققها التنظيم. ففي بداية الصيف حقق التنظيم انتصارات لكنه عانى منذ بداية الغارات الأمريكية في آب/ أغسطس من خسائر وتراجع عن 30 ميلا في شمال العراق.
ورغم كل هذا فعلى ما يبدو فشعار التنظيم «باقية وتتمدد» أي «الدولة الإسلامية» يبدو أنه أسهم في ولادة ماركة «الدولة» والتي توسعت خارج حدود العراق وسوريا. ومع ذلك فلا يخفي التمدد في الخارج أزمة التنظيم في مناطقه الطبيعية، حيث يعاني من تراجعات وتوقف في زخم المعارك.
نكسات
ومن الباكر لأوانه الحديث عن مصير مثل القاعدة لتنظيم الدولة الإسلامية فهو لا يزال يحتفظ بأراض ولكنه يواجه حملة شديدة خاصة بعد حرقه الطيار الأردني معاذ الكساسبة ودخول الأردن في الحرب علانية حيث يقوم طيرانه بسلسلة من الغارات منذ الأسبوع الماضي.
ويرى ديفيد شينكر من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن العاهل الأردني الملك عبدالله سيواصل حملاته على تنظيم الدولة في سوريا وينتقم لطياره، وستكون يده حرة لملاحقة وقمع مؤيدي التنظيم في الأردن، خاصة ان قطاعا من الأردنيين رفض اعتبار التنظيم إرهابيا ورأى فيه جماعة تقاتل ضد نظام الأسد.
ومع مرور الوقت قد يخفف الملك من حملاته في سوريا للحفاظ على قواته الجوية، ولكن الأردن سيظل قاعدة لعمليات التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية ومركزا لتدريب الجماعات المعارضة لنظام الأسد.
ولن يتحول الأردن كما يقول شينكر إلى «أسبرطة» كما وصفت «واشنطن بوست» الإمارات العربية قبل فترة.
وسيظل تنظيم الدولة يشكل خطرا على الأردن واستقراره. وكما علقت مجلة «إيكونوميست» في عددها الأخير فتنظيم الدولة قد تعرض لسلسلة من النكسات العسكرية في العراق وسوريا التي لا يفرق بينهما كما تفرق دول التحالف بينهما، ولم يعد قادرا على ما يبدو على التمدد في المناطق ذات الغالبية الكردية في الشمال والشيعية في الجنوب وتعرضت أيضا خزينة التنظيم للضرر، فقد انخفضت عوائد النفط إلى ما بين 750.000- 1.3 مليون دولار في اليوم من 2 – 3 مليون دولار وذلك بسبب استهداف قوات التحالف للمنشآت النفطية التي يعتمد عليها في تكرير النفط.
وخسر التنظيم أعدادا كبيرة من مقاتليه، فبحسب القيادة المركزية الأمريكية فقد قتل 6.000 من جنوده بمن فيهم نصف قادته. وحاول التعويض عن النقص في المقاتلين من خلال المجاهدين الأجانب، وبحسب المركز الدولي لمكافحة التشدد والعنف السياسي في لندن، فعدد المقاتلين الأجانب وصل إلى 20.000 شخص، وسجلت مع ذلك ظاهرة هروب لدى الجهاديين حيث قام التنظيم بقتل عدد من المقاتلين الأجانب الذي حاولوا الهرب. ورغم تراجعات التنظيم الأخيرة فهناك حاجة لاستراتيجية شاملة وصبر لشن ما أسمته معركة الأفكار بحسب «إيكونوميست».
الطريق للانهيار
ويرى تحليل في مجلة «فورين أفيرز» كتبه مايكل بيرغنت وروبن سيموكس أن التنظيم يعيش مرحلة الهروب للوراء. وأشارا لتصدعات في جسم التنظيم والتي جاءت نتيجة للتدخل الجوي الأمريكي في نهاية الصيف حيث أوقفت زخم تقدمه نحو العاصمة بغداد ومدينة إربيل في شمال العراق.
وتحدث الكاتبان عن خسارة التنظيم في كوباني/عين العرب وبيجي وجرف الصخر وديالى وسد الموصل. وخسر التنظيم 700 كيلو متر مربع من مساحة 55.000 كيلو متر، وما يهم في المعادلة الجديدة هي أن تقدمه قد توقف.
ويمكن أن تكون الخطة لاستعادة مدينة الموصل نقطة تحول في النزاع. فستقوم القوات العراقية وقوات البيشمركة والعشائر السنية المدعومة من الطيران الأمريكي والمستشارين العسكريين الأمريكيين بإخراج التنظيم من الموصل ومدن محافظة الأنبار وصلاح الدين التي يسيطر عليها.
وأشار الكاتبان إلى مخاطر إرسال البيشمركة والقوات الشيعية لمناطق السنة التي عزز فيها التنظيم سلطته. فعدم وجود قوات كهذه سيفقد التنظيم رافعته السنية والتحالف التكتيكي مع القبائل السنية والقوى الأخرى مثل أنصار السنة ورجال الطريقة النقشبندية وكتائب ثورة العشرين، مما يعني خسارته، خاصة إن طال أمد الحرب. فقد خسر التنظيم الحرب في سد الموصل وعين العرب/ كوباني عندما لم يكن لديه حلفاء يهبون لمساعدته.
مشاكل داخلية
ولم يعان التنظيم من نكسات في ساحات المعركة فقط بل أشارت تقارير إلى محاولتي انقلاب على الأقل لتغيير القيادة.
وأعلن تنظيم الدولة عن اكتشاف خلية من أذربيجان كانت تخطط لاغتيال عناصر التنظيم وتشجيع بقية أفراده على الانضمام للتحالف المعادي له. كما انتشرت تقارير أخرى عن محاولة انقلاب قادها في شرق سوريا أبو أيوب الأنصاري محافظ الرقة.
وقتل الأنصاري وعدد آخر من المشاركين فيما فر متآمرون شاركوا في العملية من مدينة الرقة.
يضاف لهذه المشاكل حالة من السخط العام داخل السكان الذين يعيشون في ظل التنظيم من مستوى العنف والوحشية، حرق الرهائن، قطع الرؤوس ودفع السجناء من مبان عالية ورميهم منها وصلب أشخاص ودفن بعضهم أحياء. وهناك تقارير عن إجبار الفتيات المجندات للتنظيم على ممارسة الجنس في معسكرات التدريب.
ويقوم التنظيم بحسب تقرير للأمم المتحدة بحرق وصلب ودفن الأطفال أحياء. ومن الأمور التي عوقت أو أبطأت تقدم التنظيم هي المتطلبات الإدارية فقد أجبر على إدارة مناطق واسعة، وقد فشل. فمن الناحية الزراعية فشل موسم القمح ومن ناحية الخدمات هناك نقص في الطاقة الكهربائية، فيما هرب موظفو المستشفيات ولم تعد الأدوية متوفرة.
صحيح أن تنظيم الدولة في حالة تراجع ولكن الكاتبين يشيران كما مجلة «إيكونوميست» إلى مشاكل الاستراتيجية الأمريكية التي لا تستفيد من مشاكل التنظيم.
وعندما يقوم الغرب بالتصدي لمظاهر القصور في استراتيجيته ويستفيد من ضعف تنظيم الدولة فهذا سيعجل حتما بسقوط دولة الجهاديين في العراق وسوريا.
qal
إبراهيم درويش