لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: أثار اتهام الرئيس الأمريكي، جو بايدن، للمرة الأولى، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب «إبادة جماعية» في أوكرانيا، غضبا روسيا أمس الأربعاء، فيما شكك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في فائدة «التصعيد الكلامي» لإنهاء الحرب، وهو موقف لم يرق لكييف.
وقال الرئيس الأمريكي، مساء الثلاثاء «من الواضح أكثر فأكثر أنّ بوتين يحاول ببساطة إلغاء فكرة أن يكون بوسع المرء حتى أن يكون أوكرانياً». وتابع «سنترك للمحامين على المستوى الدولي أن يقرّروا ما إذا كانت الجرائم المرتكبة في أوكرانيا هي فعلاً إبادة جماعية أم لا، لكن بالنسبة لي، الأمر يبدو كذلك».
ورحّب الرئيس الأوكراني، فلوديمير زيلينسكي، في تغريدة بـ«كلمات حقيقية لقائد حقيقي» لأن «تسمية الأمور بأسمائها هو أمر أساسي لمواجهة الشرّ».
لكن الكرملين أكد أمس الأربعاء، أنه يختلف بشكل قاطع مع وصف بايدن لأفعال روسيا في أوكرانيا بأنها «إبادة جماعية».
وقال المتحدث باسمه، دميتري بيسكوف، في مؤتمر عبر الهاتف مع الصحافيين «نعتبر هذا النوع من المساعي لتشويه الوضع غير مقبول».
وأضاف «هذا شيء يصعب تقبله من رئيس للولايات المتحدة، الدولة التي ارتكبت جرائم معروفة في الآونة الأخيرة».
كذلك لم يستخدم ماكرون عبارة «إبادة جماعية» مشككاً في فائدة «التصعيد الكلامي» لإنهاء الحرب. ورداً على سؤال عبر قناة فرانس 2 بشأن تصريحات بايدن، أجاب ماكرون أنه يريد «توخي الحذر باستخدام المصطلحات».
وأضاف «أقول إن روسيا شنت حرباً عنيفة من جانب واحد، وإنه ثبت حالياً أن الجيش الروسي ارتكب جرائم حرب، وعلينا حالياً العثور على المسؤولين».
وتابع «ما يحصل جنون، إنها وحشية لا تُصدق. لكن في الوقت عينه أنظر إلى الوقائع وأريد بذل أقصى ما يمكن ليبقى بالإمكان وقف الحرب وإعادة بناء السلام، لذلك لست متأكدا من أن تصعيد الكلام يخدم القضية».
واعتبر المتحدث باسم الخارجية الأوكرانية أوليغ نيكولينكو، أن موقف ماكرون «مخيب للآمال».
وقال لوكالة أنباء انترفاكس ـ أوكرانيا إن «إحجام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأوكرانيين، مخيب للآمال».
وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وحتى «الإبادة الجماعية» التي تحدث عنها بايدن، للمرة الأولى، كل هذه الاتهامات التي تتضاعف ضد القوات الروسية هي مفاهيم دقيقة جدا في القانون الدولي.
وهذه المفاهيم التي وُلدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بالتزامن مع إنشاء محكمة نورمبرغ الدولية لمحاكمة الجرائم النازية في قلب اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، التي فتحت في الثالث من آذار/مارس تحقيقا في الوضع في أوكرانيا. ويمكن أن تخضع للولاية القضائية الوطنية عندما تكون مختصة في مسائل العدالة العالمية، كما هو الحال في ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وسويسرا.
جرائم الحرب
وتعرّف «جرائم الحرب» بأنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي تُرتكب ضد مدنيين أو مقاتلين أثناء نزاع مسلح وتؤدي إلى تحميل مرتكبيها مسؤولية جنائية فردية، حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وهذه الجرائم تنطبق على الانتهاكات التي تطال اتفاقيات جنيف التي أقرت في 1949 في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وأدرج تعريفها في المادة الثامنة من «نظام روما» المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية التي تم اعتمادها في حزيران/يونيو 1998.
وتحدد المادة الثامنة من الاتفاقية أكثر من خمسين نموذجا لجرائم الحرب، من بينها القتل والتعذيب واحتجاز الرهائن وتجنيد الأطفال للقتال والتهجير غير القانوني والهجمات المتعمدة ضد المدنيين والنهب والهجمات المتعمدة ضد بعثات المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام.
ويعتبر جرائم حرب أيضا استخدام الغاز أو الأسلحة المحظورة بشكل عام التي يمكن أن تسبب «معاناة لا داعي لها» أو «القصف العشوائي» مثل الأسلحة العنقودية.

وجرائم الحرب من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وهذه الهيئة القضائية الدولية التي تتخذ في لاهاي في هولندا مقرا لها أنشئت في 2002 لتحاكم بالتحديد مرتكبي هذا النوع من الجرائم وكذلك الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وفي وقت أقرب جرائم العدوان.
وأحدث حكم أصدرته في هذا الإطار في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، السجن 30 عاما على زعيم الحرب الكونغولي السابق، بوسكو نتاغاندا. وهو أقسى حكم صدر عن المحكمة الجنائية الدولية على الإطلاق بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقعت في جمهورية الكونغو الديمقراطية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
الجرائم ضد الإنسانية
وضع مفهوم الجريمة ضد الإنسانية وتعريفها في الثامن من آب/أغسطس 1945 بموجب المادة السادسة من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ الدولية.
وتُعرَّف هذه الجريمة بأنها «القتل العمد والإبادة والاستعباد والتهجير وأي فعل غير إنساني آخر يرتكب ضد سكان مدنيين قبل الحرب أو خلالها أو الاضطهاد على أسس عرقية أو دينية».
مبدئيا، اعتمد هذا المفهوم لمحاكمة المجرمين النازيين الذين ارتكبوا جرائم لم يكن من الممكن تصورها من قبل.
بعد ذلك، أدرج هذا المفهوم في المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تنص على أن الجرائم ضد الإنسانية هي أفعال مثل القتل والإبادة والاغتصاب والاضطهاد وكل الأعمال اللاإنسانية الأخرى التي تُرتكب «في إطار هجوم واسع أو منهجي موجه ضد أي سكان مدنيين مع العلم بهذا الهجوم».
زيلينسكي: «تسمية الأمور بأسمائها أمر أساسي لمواجهة الشرّ»
وعثرت بعثة خبراء شكلتها دول من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على أدلة على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها روسيا في أوكرانيا، حسبما ذكر تقرير أولي للبعثة أمس الأربعاء.
وشكل البعثة الشهر الماضي 45 من أصل 57 بلدا عضوا في المنظمة للبحث في الجرائم المحتملة، ومنها جرائم الحرب في أوكرانيا، وتسليم المعلومات إلى هيئات مثل المحاكم الدولية. وهو ما عارضته روسيا.
وذكر التقرير «البعثة وجدت أنماطا واضحة لانتهاكات للقانون الدولي الإنساني ارتكبتها القوات الروسية» مشيرا إلى الفشل في اتخاذ الاحتياطات اللازمة أو التصرف بشكل متناسب أو عدم التعرض لمواقع مثل المدارس والمستشفيات.
وعلى الرغم من النفي الروسي، قال التقرير إن هجوم التاسع من مارس/ آذار على مستشفى ماريوبول للولادة والأطفال، نفذته روسيا، وإن المسؤولين عنه ارتكبوا جريمة حرب.
وذكر أيضا أن الهجوم على مسرح ماريوبول في 16 مارس/ آذار، والذي قال مسؤولون أوكرانيون محليون إن ما يصل إلى 300 شخص ربما لقوا حتفهم فيه كان جريمة حرب.
وأضاف «البعثة غير قادرة على استنتاج ما إذا كان الهجوم الروسي على أوكرانيا بحد ذاته يمكن وصفه بأنه هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين» في إشارة إلى السياق الذي تُعتبر فيه جرائم مثل القتل والاغتصاب جرائم ضد الإنسانية.
وقال التقرير «ومع ذلك، ترى البعثة أن بعض أنماط أعمال العنف التي تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتي وُثقت مرارا أثناء النزاع، مثل القتل المستهدف أو الاختفاء القسري أو خطف المدنيين، من المرجح أن يصل لهذا الحد».
وأشار إلى أن «أي عمل عنيف من هذا النوع، يُرتكب في إطار هذا الهجوم ومع العلم به، سيشكل جريمة ضد الإنسانية».
ووجدت البعثة أيضا بعض «الانتهاكات» التي ارتكبتها أوكرانيا، لا سيما في معاملتها لأسرى الحرب، لكنها قالت إن الانتهاكات الروسية «أكبر بكثير في طبيعتها ونطاقها».
الإبادة الجماعية
واستخدمت عبارة «الإبادة الجماعية» من وجهة نظر قانونية للمرة الأولى في محاكمات نورمبرغ للإشارة إلى تصفية اليهود.
وقد أصبحت بعد ذلك جزءا لا يتجزأ من القانون الدولي في 1948 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها.
وتعرف الإبادة على أنها «جريمة تُرتكب بقصد تدمير مجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بأكملها أو جزء منها».
وبين الأحكام التي صدرت بسبب حملات إبادة، في تشرين الثاني/نوفمبر 1994 أنشأت الأمم المتحدة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا ومقرها في أروشا (تنزانيا). بعد أربع سنوات أصدرت هذه الهيئة القضائية الدولية أول أحكامها بالسجن مدى الحياة فيما يشكل أول اعتراف بحدوث إبادة جماعية ضد أقلية التوتسي الروانديين.
وأيضا، في 2007، اعترفت محكمة العدل الدولية بأن المجزرة التي شهدتها سريبرينيتسا في شرق البوسنة حيث قتل نحو ثمانية آلاف فتى ورجل مسلم في 1995 بأيدي صرب البوسنة كانت «إبادة جماعية». وحكمت على الزعيمين السابقين السياسي والعسكري لصرب البوسنة رادوفان كاراجيتش وراتكو ملاديتش، بالسجن مدى الحياة.
إضافة جديدة
في كانون الأول/ديسمبر 2017، أضافت الدول الـ123 الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية (أي تلك التي صادقت على نظام روما الأساسي وليس بينها الولايات المتحدة وروسيا) «جريمة العدوان» إلى اختصاص القضاء الدولي.
وتعني هذه التهمة الاعتراف بالاعتداء على سيادة دولة من قبل دولة أخرى والسماح بمحاكمة قادتها. و«جريمة العدوان» واردة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بسبب طبيعتها السياسية.
«جريمة يصعب إثباتها»
وبالعودة للإبادة الجماعية، فإنه لإثباتها يتعين على ممثلي الادعاء أولا إظهار أن الضحايا كانوا جزءا من جماعة قومية أو عرقية أو دينية مميزة. ويستبعد ذلك الجماعات المستهدفة بسبب أفكارها السياسية.
ويصعب إثبات الإبادة الجماعية مقارنة بالانتهاكات الأخرى للقانون الإنساني العالمي مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لأنها تحتاج دليلا على النية.
وقالت ميلاني أوبراين، رئيسة الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية «الإبادة الجماعية جريمة يصعب إثباتها. على الأطراف المعنية عرض الكثير على الطاولة».
وأشارت إلى الشروط المجتمعة لإبداء النية واستهداف جماعة محمية وارتكاب جرائم مثل القتل أو النقل القسري للأطفال. وفتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا في فبراير/ شباط. وتملك المحكمة سلطة نظر قضايا الإبادة الجماعية. وقال ممثلو الادعاء الأوكرانيون الذين يحققون بالفعل في الجرائم الروسية المزعومة منذ ضم موسكو شبه جزيرة القرم في 2014، إنهم رصدوا الآلاف من جرائم الحرب المحتملة ارتكبتها القوات الروسية منذ 24 فبراير شباط وأعدوا قائمة بأسماء مئات المشتبه بهم.