د. عصام نعمان بين فصول السنة، يأتي الشتاء قبل الربيع. لكن بين فصول السياسة، يتقدّم ‘الربيع العربي’ غيرَه من الفصول، ثم يأخذ بالتراجع والإنحسار الى ان يصبح شتاء.
كنتُ دائماً من القائلين إن الحراكات الشعبية في بلادنا العربية لم تكن، في معظمها، ثورات بل، في احسن حالاتها، انتفاضات. حتى هذه الإنتفاضات لم تكن تحركاً بإتجاه المستقبل بقدر ما كانت نكوصاً الى الماضي. لعل إنجازها الرئيس هو ان الشعوب خرجت من قمقم الإذعان للسلطان ولن تعود اليه ابداً. بإستثناء ذلك، بات واضحاً ان ‘الربيع العربي’ عنوان عريض لحركة العودة الى الماضي من خلال صعود السلفيين، بمختلف الوانهم، وسيطرتهم على المجالس النيابية والحكومات في اقطارٍ عدة. هكذا اصبح معظم ‘الثوار’ الجدد، حيثما قامت حراكات واحتجاجات، دعاةَ ثوراتٍ مضادة للحداثة، القاسمُ المشترك بينها هو العودة الى الماضي. هم، بهذا المعنى، ماضويون بإمتياز.
للعودة الى الماضي مصطلحات عدة، تحددها خصوصية البلد المعني بها. فهي في تونس، مهد اولى الإنتفاضات، تعني ‘العودة الى الإسلام’، كأنما اهل تونس (والعرب عموماً) خرجوا من الإسلام حتى تجوز دعوتهم للعودة اليه. أليس الاجدر بالثوار الحقيقيين مطالبة المسلمين بالصعود الى الإسلام، بمعنى الإرتقاء الى قِيَمِه الإنسانية ومُثُلِه العليا، بدلاً من الدعوة للعودة الى… الخلافة؟
في مصر، كان الماضويون سبّاقين الى طرح شعار العودة الى الإسلام وتطبيق الشريعة، بل هم حسموا الجدال الطويل حول هذه المسألة بقولهم إن ‘الإسلام هو الحل’. كل ذلك من دون ان يترجموا هذا الشعار الفضفاض الى برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي واضح.
في ليبيا، لا يكتفي الماضويون بشعار ‘العودة الى الإسلام’ وتطبيق الشريعة بل يطالبون بالعودة الى دستور العهد الملكي للعام 1951 ونظامه الفدرالي الذي كانت البلاد مقسّمة بموجبه الى ثلاث ولايات: برقة في الشرق، وطرابلس في الغرب، وفزّان في الجنوب. الماضويون في شرق ليبيا يحاولون بحركتهم ‘الفدرالية’ بناء امر واقع جديد. في المقابل، يتظاهر الماضويون في غرب ليبيا ضد هؤلاء ويصفون محاولتهم بأنها تقسيمية ولا تعدو كونها فقاعة إعلامية. غير أن رئيس الحكومة عبد الرحيم الكيب خالف الفريقين بقوله لوزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون في واشنطن إنه ‘فيما يتعلق بشرق البلاد، فإن تلك المجموعة المؤلفة من بضعة الآف تحاول خلق دولة، ويمكنني القول إن هذه ممارسة ديمقراطية. لكن خلافي ليس فقط مع رأي تلك المجموعة، بل مع اسلوب طرح رأيها، لأن ما طُرح له مجالٌ وحيد للنقاش فيه هو إطار إعداد الدستور الجديد’. في اليمن، تتعدد مشارب الماضويين. بعضهم في جنوب البلاد ولاسيما في عدن، يطالبون بالعودة الى عهد ما قبل الوحدة، الى جمهورية اليمن الديمقراطية التي كانت انفجرت بحكامها وإنهارت ما ساعد على توحيد جنوب البلاد مع شمالها في دولة واحدة. بعضهم الآخر في وسط اليمن وشمالها يدعو الى توحيد الاصوليين في حزب واحد لتكون لهم كلمة وازنة في تقرير مصير البلاد. الى ذلك، ينشط أنصار تنظيم ‘القاعدة’ عسكرياً في محافظات الجنوب، وقد أعلنوا قيام امارة إسلامية في زنجبار، ويقومون بوضع ترتيباتٍ لإقامة امارة اخرى في الجوار.
في سوريا، يتصدّر الإسلاميون الماضويون الحراكات والإحتجاجات ضد النظام. وهم، كسائر الماضويين في عالم العرب، يطالبون بالعودة الى الإسلام إنما بصيغ مخفَفََة مراعاةً لجماعات غير اسلامية ولأخرى أثنية تندرج في الإجتماع السياسي السوري.
الماضويون، إسلاميين وغير إسلاميين، عبّروا في اقطار عدة عن رغبتهم في العودة الى الماضي برفع عَلَم البلاد كما كان قبل قيام الأنظمة السلطوية. في العراق، حاولوا العودة الى عَلَم العهد الملكي. لكنهم ارتضوا، على مضض، علم العهد الجمهوري بعد ادخال تعديلات عليه لا تمسّ عبارة ‘الله اكبر’ التي كان أضافها نظام البعث بعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية. في ليبيا، رفع الثوار الماضويون علم البلاد في العهد الملكي. وفي سوريا، رفع المتظاهرون الماضويون علم البلاد القديم، السابق لعلم نظام البعث.
في مسألة الحداثة والتحديث، يبدو موقف الماضويين في كل الأقطار التي وصلوا فيها الى السلطة او هم في طريقهم اليها غامضاً. في تونس، أعلن قائد حزب النهضة راشد الغنوشي ما يفيد انه ليس ضد ما حصل عليه البلد من مكتسبات الحداثة، خصوصاً ما يتعلق منها بحقوق المرأة المنصوص عليها في القوانين الوضعية. لكن رئيس حزب الإنفتاح والوفاء البحري الجلاصي طالب بأن ينص الدستور الجديد على ‘حق كل تونسي في اتخاذ جارية الى جانب زوجته، والتمتع بما ملكت يمينه ‘ ! في مصر، كما في اليمن وسورية، لم يصدر عن الماضويين، مسؤولين ومواطنين، حيال مسألة الحداثة والتحديث ما يشير الى موقف واضح او نهج معلوم.
لعل التحدي الاكبر الذي يواجهه الماضويون في تونس ومصر وليبيا واليمن هو تحدي الدستور الجديد المزمع كتابته في المستقبل المنظور. ذلك ان مسائل كبرى وحساسة ستظهر اثناء عملية المناقشة والصياغة، لعل أبرزها: دين الدولة، تطبيق الشريعة، الديمقراطية والشورى، الهوية القومية، قضية فلسطين والمقاومة، معاهدة السلام مع ‘اسرائيل’، قوانين الاحوال الشخصية، حقوق المرأة ومراعاة الاحكام والتقاليد الإسلامية في مؤسسات قطاع السياحة ولا سيما بالنسبة للسوّاح الاجانب.
الى ذلك، ثمة تحدٍّ آخر بالغ الأهمية يواجه جميع الأنظمة ‘الجديدة’ التي أعقبت سقوط رؤساء الأنظمة السلطوية وصعود السلفيين الماضويين الى السلطة. إنه تحدي العلاقة مع الغرب، ولا سيما مع الولايات المتحدة الاميركية. فقد ‘ساعدت’ اميركا الإنتفاضة في كلٍ من تونس ومصر واليمن بأن استثمرت نفوذها لدى قيادات جيوشها من اجل تحييدها والحؤول دون اصطدامها بـ’الثوار’ المعادين للأنظمة القائمة، فساعدت على إسقاط روؤس الأنظمة لكنها حافظت على أجسامها. وفي ليبيا، ساعدت دول الغرب الاطلسي ‘الثوار’ بصورة مباشرة، ولولاها لما تمكّنت الجماعات الثائرة المتعددة الهويات والاهواء من إزاحة القذافي ونظامه الإستبدادي.
ماذا سيكون موقف الأنظمة ‘الجديدة’ من الولايات المتحدة ومن العلاقة العضوية التي تربطها بـ ‘إسرائيل’ ؟ ماذا سيكون موقفها حيال اصرار قيادات جيوش تلك الدول على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة بدعوى انها مصدر السلاح والتسليح الرئيس وربما الوحيد، ومصدر المساعدات المالية والإقتصادية، والمرجعية النافذة لدى البنك العالمي وصندوق النقد الدولي اللذين يمنحان القروض والتسهيلات المالية؟’ الثوار’ الماضويون العرب يواجهون هذه الأسئلة المفتاحية مقرونةً بتحــــديات جمّة وخطيرة في الحاضر والمسقبل، فهل يكفي وهل يجوز ان يحاولوا الإجابة عنها والاستجابة لها بالعودة الى الماضي؟ واي ماضٍ؟’ كاتب لبناني