لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: منيت روسيا بواحدة من أكبر خسائرها في العتاد منذ بداية غزوها لأوكرانيا مع إصابة «موسكفا» سفينة القيادة في أسطولها في البحر الأسود بصواريخ كروز، كما أكدت كييف، أمس الخميس، فيما يخوض المدافعون عن ماريوبول معارك طاحنة.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية خلال ليل الأربعاء أن هذه السفينة التي يبلغ طولها 186 مترا تعرضت «لأضرار بالغة» جراء حريق تسبب في انفجار ذخيرة ويجب إجلاء طاقمها الذي يضم أكثر من 500 فرد.
ثم عادت وأوضحت الخميس أن الطراد «موسكفا» السفينة الرئيسية في أسطول البحر الأسود الروسي، الذي تضرر خلال الهجوم على أوكرانيا، لم يغرق وأن الانفجارات على متنه توقفت.
وقالت «تم احتواء بؤرة الحريق، لم تعد هناك ألسنة لهب. توقفت انفجارات الذخيرة. الطراد موسكفا لا يزال عائما».
ولم تعترف الوزارة بأن الطراد تعرض لهجوم، وقالت إن سبب الحريق ما زال محل تحقيق.
إبلاغ بوتين
وحسب الرئاسة الروسية «الكرملين» فإن «وزارة الدفاع في البلاد أطلعت الرئيس فلاديمير بوتين على تفاصيل الحريق الذي اندلع على متن الطراد الصاروخي «موسكفا» (موسكو) السفينة الرائدة في أسطول البحر الأسود الروسي».
وأكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، في مؤتمر صحافي، أن «بوتين، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، يتسلم تقارير باستمرار من العسكريين بخصوص جميع التطورات».
وردا على سؤال عما إذا كانت وزارة الدفاع قد أطلعت بوتين على تفاصيل حادث الطراد «موسكفا» قال المتحدث: «نعم، بطبيعة الحال».
صواريخ كروز
في المقابل، أعلنت السلطات الأوكرانية أنها ضربت بصواريخ كروز هذه السفينة المتمركزة في سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم.
وبين حاكم منطقة أوديسا الأوكرانية الأربعاء أنّ قوات بلاده أصابت بضربة صاروخية سفينة حربية روسية في البحر الأسود.
وقال مكسيم مارشينكو على تلغرام إن «صواريخ نبتون التي تحمي البحر الاسود تسبّبت بأضرار بالغة جدا للسفينة الروسية». وأكد تصريحاته الناطق باسم الإدارة العسكرية لهذه المدينة الساحلية الأوكرانية سيرغي براتشوك.
«اذهبي إلى الجحيم»
وذكر أوليكسي أريستوفيتش مستشار الرئيس الأوكراني على يوتيوب، ساخرا بأن السفينة الحربية الروسية «موسكفا» توجهت إلى حفنة من الجنود الأوكرانيين المتمركزين على جزيرة صغيرة في البحر الأسود في بداية الحرب، فأتى الجواب عبر اللاسلكي «سفينة حربية روسية، اذهبي إلى الجحيم».
وقالت الولايات المتحدة إنه ليست لديها معلومات كافية لتقرر ما إذا كان الطراد قد تعرض لضربة صاروخية.
وقال جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي «لا نستطيع في تلك اللحظة التأكد من ذلك بشكل مستقل، لكن بالتأكيد ما حدث يمثل ضربة كبيرة لروسيا».
ومن شأن خسارة الطراد «موسكفا» أو إعطابه أن يمثل انتكاسة أخرى لحملة روسيا المتعثرة والمستمرة منذ 50 يوما في أوكرانيا في وقت تستعد فيه لشن هجوم جديد على منطقة دونباس الشرقية سيحدد على الأرجح نتيجة الصراع.
وحتى قبل إعلان حدوث انفجار ذخيرة على هذا الطراد، هددت روسيا التي أعلنت هجومها الكبير في دونباس (شرق) بعد فشل مساعيها للسيطرة على كييف والتي تكافح من أجل السيطرة التامة على مدينة ماريوبول الساحلية الاستراتيجية، بضرب «مراكز قيادة» في كييف متهمة الأوكرانيين بشن هجمات على أراضيها.
وقال الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف «نشهد محاولات تخريب وضربات من قبل القوات الأوكرانية على أهداف في أراضي جمهورية روسيا الاتحادية».
كذلك اتهم حاكم منطقة بريانسك الروسية الخميس، أوكرانيا بقصف قرية واقعة على مسافة 10 كيلومترات من الحدود ما أسفر عن إصابات.
نفت غرقها وأعلنت إجلاء طاقمها… وأوكرانيا أكدت استهدافها
وأضاف كوناشنيكوف محذرا «إذا استمرت هذه الأفعال، سيشن الجيش الروسي ضربات على مراكز صنع القرار، بما في ذلك في كييف، وهذا ما امتنع الجيش الروسي عن القيام به حتى الآن».
وقالت لجنة التحقيق الفدرالية الروسية المكلفة بالتحقيقات الكبرى، إن «أفرادا من القوات المسلحة الأوكرانية دخلوا بشكل غير قانوني المجال الجوي الروسي بطائرتين مروحيتين قتاليتين مزودتين بأسلحة ثقيلة. وحلقتا على ارتفاع منخفض، ونفذتا ما لا يقل عن ستّ ضربات على مبان سكنية في بلدة كليموفو» في منطقة بريانسك.
لكن أوكرانيا رفضت تأكيدات موسكو بأنها قصفت بلدتين حدوديتين روسيتين واتهمت روسيا في المقابل بالتخطيط «لهجمات إرهابية» في المنطقة الحدودية لتغذية «الهستيريا المناهضة لأوكرانيا» في روسيا.
وقال المجلس الوطني الأوكراني للأمن والدفاع «بدأت الأجهزة الخاصة للعدو تطبيق خطة لتنفيذ هجمات إرهابية من أجل تغذية هستيريا معادية لأوكرانيا في روسيا».
وبقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صامدا مع إدارته في وسط العاصمة منذ بدء الحرب، فيما يلقي خطابات عبر الفيديو أمام برلمانات دول غربية خصوصا من أجل المطالبة بتسليم أوكرانيا الأسلحة الثقيلة التي تفتقر إليها والضرورية لمواجهة القوة الروسية.
«ماريوبول ما زالت أوكرانية»
ويتوقع أن تسجل أكبر حصيلة خسائر بشرية في مدينة ماريوبول التي كان يسكنها قبل الحرب نصف مليون نسمة والتي يحاصرها الجيش الروسي ويشن ضربات صاروخية عليها منذ أكثر من شهر.
وتحدث حاكم المنطقة عن مقتل ما بين 20 ألفا و22 ألف شخص، فيما تفيد شهادات عن وضع كارثي وانتشار جثث في الشوارع. لكن المعركة لم تنته بعد.
ونفى رئيس بلدية ماريوبول فاديم بويتشينكو الخميس عبر القناة العامة الألمانية «داس إرستي» استيلاء روسيا على ماريوبول، معتبرا أن هذه «الأخبار كاذبة» وموضحا أن «الروس ينشرون قوات جديدة لكننا ما زلنا صامدين وماريوبول لا تزال مدينة أوكرانية وهذا يثير غضب روسيا».
وأضاف «من الواضح أن الجيش الروسي ارتكب آلاف جرائم الحرب في هذه المدينة». وطالب «المجتمع الدولي بالبرهنة على إنسانيته عبر إنشاء ممرات إنسانية لإنقاذ أرواح». وقال إن روسيا جلبت معها محارق متنقلة «لتتخلص من الأدلة على ارتكابها جرائم حرب».
في المكان شاهد صحافيون وصلوا مع القوات الروسية، الدمار في هذه المدينة المحترقة التي يقول الأوكرانيون إنها «دمرت بنسبة 90 في المئة».
وأعلنت أوكرانيا الخميس استئناف عمليات إجلاء المدنيين عبر تسعة ممرات إنسانية.
وسيشكل استيلاء القوات الروسية على ماريوبول انتصارا مهما لموسكو لأنه سيسمح بتعزيز مكاسبها من الأراضي الساحلية على طول بحر آزوف عبر ربط منطقة دونباس التي يسيطر عليها جزئيا موالون لها بالقرم التي ضمتها روسيا في 2014. وحسب خبراء، سقوط ماريوبول حتمي، لكن القوات الأوكرانية تواصل المقاومة وباتت المعارك تتركز في المنطقة الصناعية لهذه المدينة.
وتتواصل عمليات القصف في الجزء الشرقي من أوكرانيا حيث تسببت في مقتل سبعة أشخاص خلال الـ24 ساعة الماضية في مدينة خاركيف الواقعة في الشمال الشرقي والمحاصرة أيضا منذ بدء الغزو الروسي.
وقال أوليه سينيجوبوف حاكم منطقة خاركيف الأوكرانية إن أربعة مدنيين قتلوا وأصيب عشرة خلال قصف روسي لمدينة خاركيف الخميس.
وحث، في بيان سكان بعض البلدات على المغادرة، قائلا إنه من المتوقع أن تحدث عمليات عسكرية في المنطقة.
ودعت كييف سكان هذه المناطق إلى الفرار في أسرع وقت ممكن خوفا من هجوم روسي كبير وشيك للسيطرة بالكامل على دونباس التي تتقاسمها القوات الأوكرانية مع أعدائها الانفصاليين الموالين لروسيا منذ 2014.
ويرى محللون أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يواجه مقاومة أوكرانية شرسة، يريد تحقيق انتصار في دونباس قبل العرض العسكري الذي يجري في التاسع من أيار/مايو في الساحة الحمراء في ذكرى انتصار السوفييت على النازيين في 1945.
هجمات عشوائية
وأشار تقييم استخباراتي لوزارة الدفاع البريطانية، بشأن التطورات في أوكرانيا، الخميس، إلى أن روسيا تشن هجمات متكررة وعشوائية على مراكز مدن في أوكرانيا منذ بدء الحرب. ولفت التقييم إلى أن بلدات كراماتورسك وكوستيانتينيفكا قد تكونان أهدافا روسية لمستويات مماثلة من العنف. واعتبر التقييم أن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعكس اهتمامه المستمر في منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، حيث تستمر المواجهات بين القوات الروسية والأوكرانية.
والأربعاء، صرح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية البريطاني كريم خان خلال زيارة لبوتشا قرب كييف، أن أوكرانيا أصبحت «مسرح جريمة».
وقال لصحافيين «إننا هنا لوجود أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن جرائم تدخل ضمن صلاحيات المحكمة ارتكبت. علينا أن نبدد غبار الحرب لنصل إلى الحقيقة» في هذه البلدة التي أصبحت رمزا لـ فظائع النزاع منذ عثر على جثث مئات القتلى حسب السلطات الأوكرانية، في نهاية آذار/مارس.
وفي قرية لوبيانكا شمال غربي كييف، التي حاولت منها القوات الروسية إخضاع العاصمة وأخفقت قبل أن تضطر للتراجع، كتب جنود روس للأوكرانيين على جدار منزل احتلوه رسالة تقول «لم نكن نريد ذلك. سامحونا».
«يحرروننا من ماذا؟
وبيّن فيكتور شابوشنيكوف أحد سكان القرية «يحرروننا من ماذا؟ نحن مسالمون. نحن أوكرانيون». وأوضح قائد شرطة منطقة كييف أنه تم العثور على أكثر من 800 جثة في ثلاثة أحياء كانت تحتلها القوات الروسية.
وأضاف في تصريحات بثها التلفزيون «نعثر على أشياء مروعة، جثث مدفونة ومخبأة لأشخاص عذبوا ثم قتلوا بالرصاص وأشخاص ماتوا بسبب نيران المورتر والمدفعية».
ونفت روسيا من جانبها وقوع أي انتهاكات في أوكرانيا. وفي كل أنحاء العاصمة كما في كل الأماكن الاخرى، تقول السلطات الأوكرانية إنها تستمر في العثور على جثث في المناطق التي انسحبت منها القوات الروسية نهاية آذار/ مارس.