لا تتوقف الإجراءات الاحتلالية على سياسات الإبعاد إنما على رأس القائمة منها الاعتقالات التي تهدف إلى منع تواجد النشطاء في المسجد الأقصى.
القدس ـ «القدس العربي»: لن تخطئ العين القادمة للصلاة في المسجد الأقصى المبارك مجموعات صغيرة من المصلين المقدسيين الذين يفترشون أرصفة مجاورة للحرم بهدف الصلاة وأداء قيام الليل وحتى تناول طعام الإفطار.
وسيحار الزائر الجديد وغير المتابع في أسباب قيام هؤلاء بالصلاة في هذه الأماكن التي لا تبعد الكثير عن الأقصى، فيما يحاطون بمجموعة من شرطة الاحتلال التي لا تتوانى عن إزعاجهم بالصراخ والشتائم.
في منطقة باب المجاهدين القريب من باب حطة الشهير تفترش خمس من النسوة المقدسيات عتبة مرتفعة عن الشارع الذي يسلكه القادمون لأداء الصلوات في الأقصى وإلى جوارهن بقايا طعام الإفطار، من هؤلاء المرابطات هنادي الحلواني وعائدة صيداوي ونفيسة خويص.
وخلال أسبوعين على شهر رمضان المبارك قامت قوات الشرطة الإسرائيلية بإصدار أكثر من 47 أمر إبعاد عن المسجد الأقصى لمجموعة كبيرة من المرابطين والشيوخ والنشطاء والحزبيين من مدينة القدس.
ومن وجهة نظر الاحتلال وشرطته فإن هؤلاء هم نشطاء يقومون بالتحريض ضد الاقتحامات ويؤثرون على المصلين، وطالما لم يتمكن الاحتلال من إدانتهم عبر إثبات أي تهمة عليهم يكون فعل الإبعاد عقوبة ماضية بحقهم.
وتنظر المبعدات عن المسجد إلى أنه لا توجد عقوبة أقسى من الإبعاد وتحديدا في رمضان، وهن صاحبات القلوب المعلقة بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة وهي عقوبة لا تمنعهن عن القدوم لأقرب نقطة يكن فيها قريبات من مسجدهن.
عائدة صيداوي المبعدة عشرات المرات عن المسجد ترى أن الإبعاد قرار مؤلم وتحديدا لمن يصلي في المسجد الأوقات الخمسة.
وبالنسبة لصيداوي فإن الأقصى يعتبر كل حياتها، وهي تبكي عندما ترى المواطنين يدخلون الأقصى من باب الأسباط وهي ممنوعة من ذلك ولا تجد غير «حسبي والله ونعم الوكيل».
وترفض هي ومجموعة من المرابطات الصلاة بالبيت معتبرة أن الإبعاد لا يزيدها إلا ثباتا وعزيمة.
وتؤكد صيداوي كما حلواني أن الرباط في شارع القدس واجب يومي، وهن كما غيرهن من المبعدات والمبعدين لن يتخلوا عن المسجد الأقصى مهما كلف الثمن. «سنرابط هنا إلى يوم الدين».
وتتضاعف مشاعرهن الحزينة عندما يشاهدن يوميا عشرات المستوطنين يصولون ويجولون فيما قوات الاحتلال تحميهم، وهن بنات القدس ممنوعات من التواجد في مسجدهن.
حسب مركز معلومات «وادي حلوة» فإن الاحتلال وعشية «عيد الفصح اليهودي» أصدر قرارات إبعاد كثيرة عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة، حيث رصد المركز 47 قرار إبعاد، من بينها 26 قرار إبعاد عن الأقصى، 20 قرار أبعاد عن البلدة القديمة، وقرار منع دخول الضفة الغربية بحق محافظ المدينة عدنان غيث.
وأصدرت سلطات الاحتلال خلال الأسبوع الماضي قرارات إبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة لمدة 15 يومًا، لمن من بينهم؛ نور شلبي، محمد أبو سبيتان، منصور درويش، نصر الله محمود، يوسف الرشق، عبد بربر ومجد أعور إلى جانب الشبان نعمان وزوز وإيهاب أبو سنينة وجهاد شلبي ورامي فاخوري ونهاد الزغير عن المسجد الأقصى لمدة عشرة أيام.
كما قام الاحتلال بتجديد الإبعاد عن أحياء شرق القدس بحق الأسير المقدسي المحرر يعقوب أبو عصب مع حصر تواجده في حي الصوانة فقط حيث يسكن.
ومنذ بداية العام الجاري، أصدرت سلطات الاحتلال عشرات أوامر الإبعاد لفلسطينيين من القدس والداخل المحتل والضفة، عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة لمدد تراوحت ما بين أسبوع وستة شهور.
ومن الشخصيات التي تم إبعادها نائب مدير دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ناجح بكيرات حيث تسلم قبل رمضان قرارا بالإبعاد عن المسجد الأقصى مدة 6 أشهر.
الاعتقالات سلاح قديم جديد
ولا تتوقف الإجراءات الاحتلالية على سياسات الإبعاد إنما على رأس القائمة منها الاعتقالات التي تهدف إلى منع تواجد النشطاء في المسجد الأقصى.
وجاء في تقرير مركز معلومات «وادي حلوة» أن قوات الاحتلال صعدت من الاعتقالات في مدينة القدس منذ مطلع نيسان/ابريل الجاري مع بداية شهر رمضان.
وجاء في تقرير المركز النصف الشهري لنيسان/ابريل أن سلطات الاحتلال افتتحت مع بداية شهر رمضان وحدة تحقيق خاصة في مركز المسكوبية للاعتقالات في القدس، خاصة الميدانية، حيث يقوم محققو الوحدة بالتحقيق مع المعتقلين، لتمديد اعتقالهم أو لعرضهم على المحكمة أو الإفراج عنهم بشروط أبرزها الإبعاد عن مكان الاعتقال.
وأضاف أن سلطات الاحتلال خصصت قسما للمعتقلين الأمنيين في مركز توقيف المسكوبية.
ورصد المركز منذ بداية شهر نيسان/ابريل الجاري وحتى 14 منه، 134 حالة اعتقال من مدينة القدس، من بينهم 29 قاصرا، وسيدة.
وحسب التقرير فإن أكثر من 75 اعتقالا تمت من شوارع مدينة القدس «باب العامود، الساهرة، السلطان سليمان، شارع نابلس، المصرارة» خلال ساعات الليل، إضافة إلى عدد من الاعتقالات من الأقصى وأبوابه.
وأشار التقرير أن العديد من الاعتقالات الميدانية في شوارع القدس، نفذت من خلال «وحدة المستعربين» الشرطة المتخفية بالزي المدني، لافتا أن القوات تنتشر بأعداد وفرق كبيرة منذ بداية رمضان في الشوارع، وفي أول أسبوع قمعت المتواجدين عدة مرات بالضرب والدفع والاعتقالات، وسجلت خلال الأيام الأولى ما يزيد عن 30 إصابة.
ولفت المركز أن الشرطة تنقل الاعتقالات الميدانية من شوارع القدس إلى مركز متنقل افتتح مؤخرا في «سوق الفلاحين» على بعد عدة أمتار من باب العامود، ومنه إلى سيارات الشرطة، ثم إلى مركز التحقيق، موضحا أن المعتقلين يتم احتجازهم في «المركز المتنقل» لأكثر من ساعة، ويتعرضون فيه للضرب والدفع، وإجبارهم على الجلوس أرضا وعدم الحركة، والأيدي والأقدام مقيدة، إضافة إلى كيل الشتائم.
وصعدت سلطات الاحتلال من قرارات الاعتقالات الإدارية، فحولت خلال الأسبوعين الأخيرين 10 مقدسيين لفترات تتراوح بين شهر و4 أشهر، ومن بين الاعتقالات الإدارية، قرار اعتقال النائب المقدسي المبعد عن المدينة أحمد عطون، حيث اعتقل بداية الشهر وبعد عدة أيام حول للاعتقال الإداري.
أما ذروة الفعل القمعي حدثت فجر الجمعة عندما اعتقلت شرطة الاحتلال أكثر من 400 شاب من المسجد الأقصى واقتادتهم إلى مراكز تحقيق.
وأفرجت شرطة الاحتلال مساء الجمعة، عن معظم الفتية والشبّان المعتقلين الذين وصل عددهم نحو 476 معتقلاً، وقد تعرّضوا للضرب الوحشي أثناء اعتقالهم.
وحسب رئيس لجنة أهالي أسرى القدس أمجد أبو عصب، فإن شرطة الاحتلال أفرجت عن معظم معتقلي الأقصى، فيمّا مددت اعتقال 113 شخصاً لمدّة 48 ساعة.
وحسب المحامي المقدسي حمزة قطينة فإن سلطات الاحتلال أفرجت عن كافة المعتقلين القاصرين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، بدون تحقيق، من مركز المسكوبية، أما المعتقلون الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً، فمجموعة منهم تم توزيعها على سجون الاحتلال، ومجموعة أخرى يتم الإفراج عنها.
وانتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي عشرات الصور لمقدسيين مقيدين بالسلاسل في حافلات نقلتهم إلى مراكز تحقيق في القدس لكنهم بدوا مبتسمين ومبتهجين.
وانتشر هاشتاغ «جكر» تعبيرا عن رفض الانصياع لأوامر الاحتلال في إخلاء المسجد الأقصى وتعبيرا عن أن سياسات القمع والتخويف لن تثني المقدسيين عن القدوم والاعتكاف في المسجد.
وبرأي المحلل السياسي هاني المصري فإن ما قامت به قوات الاحتلال في المسجد الأقصى فجر أمس من اقتحام واعتقال وجرح المئات يستهدف منع المصلين من المرابطة فيه، والحد من عددهم في الجمعة الثانية من رمضان وتمهيد الطريق لجموع اليهود وتمكينهم من الاحتفال بعيد الفصح الذي سيبدأ مساء اليوم ويستمر لمدة أسبوع.
وأكد المصري أن السياسة الإسرائيلية تشير إلى أنه يمكن أن يشهد العيد ذبح القرابين إذا لم يتوقعوا ردا فلسطينيا بمستوى الخطر، وهذا يصب في خدمة خطة التقسيم الزماني والمكاني للأقصى الجاري تنفيذها منذ سنوات، كمرحلة على طريق هدمه وبناء هيكل سليمان المزعوم بدلا عنه.