الرباط ـ «القدس العربي»: تواصل الحكومة المغربية جهودها من أجل تنفيذ «ميثاق الاستثمار الجديد» والإصلاحات الهيكلية التي يتعين القيام بها، من خلال إعطاء الأولوية للقطاعات الواعدة في الاقتصاد المغربي، وتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة لمختلف مناطق البلاد، وخلق المزيد من الوظائف وفرص العمل، واعتماد تدابير ناجعة كفيلة بأن تزيد من جاذبية المغرب وتسمح للأنظمة المنتجة باغتنام المزيد من الفرص، بالموازاة مع التعافي من تداعيات أزمة «كوفيد-19».
في هذا السياق، عقد رئيس الوزراء، عزيز أخنوش، اجتماعا الأربعاء 13 نيسان/أبريل، مع مسؤولي عدد من القطاعات الحكومية المعنية، لتتبع مختلف الوُرَش الأولوية المتعلقة بالميثاق الجديد للاستثمار، والتي تعمل القطاعات الوزارية على تنفيذها. ومن ضمنها بالخصوص إعداد النصوص التطبيقية لميثاق الاستثمار، لاسيما المرسوم المتعلق بآلية الدعم الرئيسية والآلية المحددة المطبقة على المشاريع الاستثمارية ذات الطابع الاستراتيجي، وآلية الدعم المحدد للمقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، ونظام الدعم المحدد الذي يهدف إلى تشجيع تطوير المقاولات المغربية دوليا.
تسريع وُرش الإصلاحات
ووفق بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه من رئاسة الحكومة المغربية، فقد انكب الاجتماع أيضا على تتبع التنسيق بين الدولة والاتحاد العام لمقاولات المغرب والمجموعة المهنية لبنوك المغرب، بهدف الإشراك الفعال للقطاع الخاص والقطاع البنكي، باعتبارهما فاعلين أساسيين في خلق دينامية في الاستثمار.
وشدد المجتمعون ـ بحسب المصدر ذاته ـ على ضرورة تسريع وُرش الإصلاحات الهادفة إلى تسهيل فعل الاستثمار والفعل المقاولاتي، مع إعطاء الأولوية لتبسيط الإجراءات ورقمنتها، واللاتمركز الإداري، خاصة وثائق التعمير والرخص ذات الصلة، والوعاء العقاري، والتمويل والوصول إلى الطلبات العمومية.
وفي تقدير الخبير المغربي مصطفى السحيمي، فإن موضوع ميثاق الاستثمار يعود إلى أكثر من ربع قرن، ومع ذلك، لم تحقق الحكومات المتعاقبة أي تقدم ملموس فيه إلى أن جاءت حكومة عزيز أخنوش، فأدرجت الملف ضمن أولوياتها. كما أن العاهل المغربي محمد السادس أعطى توجها حازما خلال جلسة العمل التي ترأسها في 16 شباط/فبراير المنصرم.
ولاحظ في مقال نشره في أسبوعية «فيناس نيوز» الصادرة باللغة الفرنسية، أن ميثاق الاستثمار الذي ما يزال ساريًا يقتصر على سلسلة من الإجراءات الضريبية وغيرها من التدابير المتعلقة بالوعاء العقاري، فكان من الضروري وضع بعض الضوابط الجديدة من خلال إعطاء المزيد من التماسك والفعالية لهذا النظام، بهدف زيادة حصة الاستثمار الخاص في إجمالي الاستثمار من الثلث فقط إلى الثلثين في أفق عام 2035. وهو ما من شأنه أن يخلق فرص عمل جديدة، ويعزز التنمية العادلة للمناطق، ويعطي الأولوية للقطاعات الواعدة في الاقتصاد المحلي.
في هذا الصدد، يأتي نظام الدعم الرئيسي بأقساط مشتركة مؤهلة لأهداف نموذج التنمية الجديد والأولويات التي تحددها الحكومة؛ بالإضافة إلى ذلك، يتم تشجيع الاستثمار في الأقاليم الأقل تنمية، وتشجيع المشاريع ذات الطبيعة الاستراتيجية (الصناعات الدفاعية والصناعات الدوائية) فضلا عن دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، ووضع آلية لتنمية الاستثمار الأجنبي.
وتنصب الدفعة الأولى من المزايا على رسوم التسجيل والرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة وإلغاء الضريبة المتغيرة وضريبة الشركات، بنسبة 0 في المئة للصناعات قيد الإنشاء خلال خمس سنوات، علاوة على مزايا أخرى تتعلق بحيازة العقارات والتدريب المهني وصندوق تشجيع الاستثمار.
ويرى الخبير السحيمي أن ثمة عدة أسئلة تطرح من أجل تحسين «ميثاق الاستثمار الجديد» وفي مقدمتها كيفية التعامل مع القطاع الاقتصادي غير المنظم الذي يدرّ أكثر من 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فلا بد بالتالي من مساعدته على إعادة الهيكلة والتطور نحو الاندماج التدريجي في الاقتصاد المنظم. كما يتعين على الشركات الكبرى والمؤسسات العامة أن تنفتح على الشركات الناشئة باعتبارها مساهمة في الانتعاش الاقتصادي.
ولاحظ أن جائحة «كوفيد-19» التي استمرت لعامين، ساهمت في قيام الشركات بمراجعة بنياتها وعملياتها الداخلية من أجل المرونة، في سياق متغير باستمرار. وبالفعل، فإن المقاولات الناشئة تتقن التقنيات الجديدة، وتعرف كيفية الاستفادة من البيانات لاقتراح التحديات التشغيلية، وبالتالي يكون لها تأثير محتمل من خلال ابتكار حلول في الإدارة عن بعد. ومن المفيد أن يهتم «ميثاق الاستثمار الجديد» بتعزيز الجسور بين مراكز البحث والنظام البيئي للشركات الناشئة، واعتماد تدابير محفزة في هذا المجال؛ فضلا عن تسريع وتيرة الموافقة على الاتفاقيات وتلبية توقعات المستثمرين المغاربة والأجانب على أفضل وجه، بالإضافة إلى تعزيز الترسانة القانونية والتنظيمية من حيث الاستثمار، لا سيما ما تعلق منها بتبسيط الإجراءات والمساطر الإدارية.
الانخراط في الاقتصاد «الْمُعَوْلَم»
أما بخصوص معادلة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فيدور الحديث اليوم في المغرب عن إعادة تركيز الدولة حول القطاعات السيادية والأعمال الكبرى. الملاحظ أن ميزانية الاستثمار تبلغ حوالي 240 مليار درهم، وهي من أعلى المعدلات في العالم، ومع ذلك، فإنه لا يولد نموًا قويًا ولا ينتج الكثير من الوظائف. من ثم، تدعو الحاجة إلى إشراك القطاع الخاص بشكل أكبر، إذ لا يمكن تنشيطه إلا إذا وُفرت له ظروف مواتية له، مثل اقتصاد السوق بقوانينه القائمة على أقصى قدر من البحث عن الربح. وهو المعطى الذي أخذه «ميثاق الاستثمار الجديد» في الحسبان مع مختلف التدابير المحفزة.
وبما أن الاقتصاد مرتبط بالسياق الدولي، كيف يمكن ربط «الميثاق» الجديد بإصلاح الاستراتيجية الرقمية؟ الجواب، أنه ما دامت هناك إرادة لتطبيق برنامج «المغرب الرقمي» وسياسة «الحكومة الإلكترونية» فينبغي أن يتطور هذا المسار نحو تسريع التحول الرقمي، لأن الانخراط أكثر في «الاقتصاد المُعَوْلَم» وتقليص الفجوة الرقمية سينعكسان إيجابا على الاستثمارات، وفق ما يؤكده الخبراء؛ إذ سيوفر للمستثمرين المزيد من الفرص الاقتصادية؛ فهو رافعة حقيقية للنمو الشامل، ما يجعل المغرب مركز مهما في هذا المجال على الصعيد الأفريقي.
ولدعم هذا المشروع، فإن الوزراء المغاربة معنيون بالاستمرار في وضع الآليات التي من شأنها تشجيع المبادرات وتسهيل ريادة الأعمال ودعم الاستثمار وتعزيز المناخ الاقتصادي، علاوة على التنفيذ الأمثل للإجراءات المختلفة القادرة على خلق ديناميكية استثمارية، وتسريع مشاريع الإصلاح ذات الصلة، مع ضمان مراقبة تنفيذها على أرض الواقع.
على صعيد آخر، ترأس رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، الخميس المنصرم في الرباط، أعمال «اللجنة الوطنية للتنمية المستدامة» في نسختها الثالثة، حيث خصص الاجتماع لتدارس التقرير السنوي للمندوبية السامية للتخطيط، وكذا تقييم نتائج استراتيجية التنمية المستدامة وخريطة الطريق لمراجعتها.
وفي كلمته الافتتاحية، أشار إلى أن الاجتماع يشكل مناسبة للوقوف على الإكراهات والإنجازات المتعلقة بالتنمية المستدامة التي تعتبر اليوم أحد ركائز النموذج التنموي الجديد، الذي التزم البرنامج الحكومي بتفعيله في جميع محاوره وأهدافه من خلال مواكبة تحول الاقتصاد الوطني وتكريس الدولة الاجتماعية وتنمية الرأسمال البشري.
وذكر في هذا الإطار أن المغرب، بفضل سياسة عاهله محمد السادس، كان من أسرع البلدان استجابة للحد مـن آثار الجائحة اقتصاديا واجتماعيا، حيث لجأ في وقت مبكر إلى مجموعة من الإجراءات النوعية وغير المسبوقة.
ومكنت هذه الإجراءات على سبيل المثال من الحد من تعميق مستوى الفقر والهشاشة، حيث إن معدل الفقر ارتفع من 1.7 في المئة سنة 2019 إلى 2.5 في المئة أثناء الحجر سنة 2020 ومعدل الهشاشة من 7.3 في المئة إلى 8.9 في المئة، وقد كان من الممكن أن يصل معدل الفقر إلى 11.7 في المئة ومعدل الهشاشة إلى 16.7 في المئة في غياب هذه الإجراءات، وفق قول المسؤول الحكومي.
ورغم هذه الظروف الاستثنائية التي تسبب فيها الجائحة، تمكنت البلاد من تحقيق عدة أهداف وفقا لما هو مسطر بالأجندة الأممية 2030 وخاصـة تلك المتعلقة بالرأسمال البشري، كما أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الأهداف ذات الصلة بالرأسمال المادي، وكذا تلك المتعلقة بمكافحة آثار التغير المناخي.
وخلال الاجتماع جرى التأكيد على أن حجم التحديات التي تنتظر المملكة المغربية في تنزيل الأجندة الأممية في هذه السنوات التي تفصل عن 2030 يستلزم مزيدا من التنسيق والخطط الاحترازية والالتقائية والفعالية في البرامج والمشاريع والسياسات القطاعية، مع إعادة ترتيب الأولويات بالنظر لتداعيات جائحة كورونا والظرفية الاستثنائية التي يمر منها العالم.
وصادق أعضاء اللجنة، على تكليف السلطة الحكومية المكلفة بالتنمية المستدامة بإعداد الاستراتيجية الجديدة من أجل ملاءمتها مع المستجدات المحلية والالتزامات الدولية.