أنقرة – “القدس العربي”:
فجرت الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة ضد الفلسطينيين في مدينة القدس بشكل عام والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى في شهر رمضان بشكل خاص، موجة من الانتقادات الشعبية والحزبية في تركيا ضد مساعي إعادة تطبيع العلاقات التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان مع الحكومة الإسرائيلية، فيما تهدد التطورات الأخيرة بانهيار مسار تحسن العلاقات على غرار ما جرى في أكثر من مناسبة في السنوات الماضية.
ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2003 بدأت العلاقات التركية الإسرائيلية بالتراجع بشكل كبير وصولاً لانهيارها بشكل كامل عقب الهجوم الإسرائيلي الدموي على سفينة النشطاء الأتراك “مافي مرمرة”، وعلى مدى سنوات طويلة جرت مساع مختلفة لإعادة تطبيع العلاقات انهارت جميعها نتيجة تصاعد الهجمات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وتصريحات أردوغان الحادة ضد إسرائيل.
ومنذ أشهر بدأ أحدث مسار لإعادة تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، وعقب سلسلة اتصالات على مستوى الاستخبارات والدبلوماسية المنخفضة، جرت اتصالات سياسية رفيعة بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي ورئيس الحكومة قبل أن تتوج هذه الاتصالات بزيارة الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى أنقرة في أول زيارة رفيعة على هذا المستوى منذ أكثر من 12 عاماً.
هذه الزيارة، التي أحيت آمال الجانبين بقرب إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، مهدت الطريق أمام الحديث عن إمكانية “التعاون الاستراتيجي” والبدء في بحث ملفات تعاون كبرى أهمها بحث مشروع لنقل غاز إسرائيل وشرق المتوسط إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، حيث كان من المقرر أن يزور وزيرا الخارجية والطاقة التركيان تل أبيب لبحث مساعي تطوير التعاون بين الجانبين.
وفي خضم هذه التطورات، جددت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها على المسجد الأقصى في شهر رمضان، إلى جانب الهجمات الدموية في مدن وقرى الضفة الغربية التي خلفت عشرات الشهداء والجرحى ومشاهد القتل والضرب للنساء والشيوخ والأطفال في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، وهو ما أحرج الحكومة التركية التي أصدرت مؤخراً عبر سفارتها في تل أبيب سلسلة إدانات لهجمات فلسطينية ضد أهداف إسرائيلية، كما وصف بيان للرئاسة التركية الهجمات الفلسطينية الأخيرة بـ”الإرهابية”.
هذا المشهد فتح الباب واسعاً أمام انتقادات حادة للحكومة التركية والرئيس أردوغان، فعلى الصعيد الحزبي أدان العديد من زعماء أحزاب المعارضة التركية وخاصة الأحزاب المحافظة منها موقف الرئيس التركي من إسرائيل وعدم وجود موقف تركي قوي في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية، وهي الانتقادات التي نشرها نشطاء وصحافيون ومواطنون مطالبين بعدم الاستمرار في مسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل في ظل تصاعد الهجمات على المسجد الأقصى.
وعلى وقع هذه الضغوط أصدرت وزارة الخارجية التركية أكثر من بيان أدانت فيها تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى والهجمات في الضفة الغربية التي أدت إلى استشهاد العديد من المدنيين الفلسطينيين، كما طالبت الخارجية التركية بفتح تحقيق في جريمة قتل مواطنة فلسطينية مدنية أمام الكاميرات في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية قبل أيام.
والأحد، أجرى أردوغان اتصالاً هاتفياً مع نظيره الفلسطيني محمود عباس أدان فيه الهجمات الإسرائيلية على المسجد وقال: “تركيا ستكون دائما إلى جانب فلسطين”، مشيداً بدعوات عباس إلى “ضبط النفس”.
وفي تصريح له، الاثنين، أعرب أردوغان عن أمله في عدم تكرر مشاهد الاعتداءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى، قائلاً: “نرى ما يحدث في المسجد الأقصى، الأمر الذي يبعث على الحزن حقا. آمل ألا تتكرر مثل هذه المشاهد مستقبلا، وكنت أبلغت ذلك للرئيس الإسرائيلي (يتسحاق هرتسوغ) خلال زيارته تركيا”، مشدداً على أن استمرار تركيا في دعم القضية الفلسطينية “التي تشكل جرح الأمة الإسلامية، وتقديم الدعم للأشقاء الفلسطينيين بكافة السبل”.
ولفت أردوغان إلى أن العالم أجمع يدرك مدى حساسية المسجد الأقصى والقدس بالنسبة لتركيا، مضيفا أنه بحث هاتفيا الأحداث الأخيرة مع نظيره الفلسطيني محمود عباس، وأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وأكد خلال الاتصالين على إدانة بلاده بأشد العبارات للاعتداءات الإسرائيلية على الحرم القدسي الشريف، ومنع المسلمين من أداء حق العبادة، مشيراً إلى “استعداد تركيا للقيام بما يلزم من أجل منع زيارة التصعيد والحد من الحوادث المؤسفة في الأقصى”. لكنه لفت أيضاً إلى أن بلاده عازمة على الحفاظ على وتيرة تحسين العلاقات مع دول المنطقة، مثل الإمارات وإسرائيل.
والاثنين أيضاً بحث أردوغان مع عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني تطورات الأوضاع في مدينة القدس والمسجد الأقصى، وأوضح أردوغان عبر تويتر أنه “عبّر للعاهل الأردني عن بالغ أسفه وقلقه جراء اعتداءات القوات الإسرائيلية على الفلسطينيين في شهر رمضان”، لافتاً إلى أنهما “اتفقا على التعاون بشأن الخطوات التي ينبغي اتخاذها لإحلال السلام في المنطقة”.
وفي تطور لافت، كشفت مصادر تركية عن أن أردوغان ينوي مهاتفة الرئيس الإسرائيلي، وهو ما أكده لاحقاً وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو الذي قال الثلاثاء إن أردوغان سيجري اتصالا هاتفيا مع هرتسوغ بعد التصرفات الإسرائيلية تجاه المصلين الفلسطينيين في المسجد الأقصى بالقدس الأسبوع الماضي.
وقال موقع “خبر 7” الإخباري التركي إن أردوغان الذي تحدث مساء الاثنين أمام قيادات من حزب العدالة والتنمية الحاكم أبلغهم أنه سوف يهاتف الرئيس الإسرائيلي الثلاثاء وسوف يخبره بشكل واضح أنه “في حال أرادت إسرائيل تحسين علاقاتها مع تركيا فإن عليها احترام المسجد الأقصى الذي هو خط أحمر بالنسبة لتركيا والمسلمين”.