في الذكرى الـ110 لغرق تيتانيك: هل لايزال الأمل قائما في إنقاذ مخطوط رباعيات عمر الخيام؟

في ليلة 14-15 إبريل/نيسان 1912، شهد عالمنا أحد أكبر الكوارث في سجل تاريخه الحديث عندما غرقت سفينة الركاب البريطانية الفاخرة تيتانيك خلال رحلتها الأولى من ميناء ساوثهامبتون في إنكلترا إلى مدينة نيويورك في أمريكا. أدت الكارثة إلى هلاك ما يناهز 1500 راكب وأعضاء طاقم السفينة وضياع بضائع وكنوز ثمينة، ما زالت إلى يومنا مصدر إلهام لأبحاث ودراسات علمية وأشرطة وأفلام وموسيقى وقصص مختلفة، وما برحت إلى يومنا هذا تثير اهتماما كبيرا، وتسيل حبرا كثيرا في أرجاء عالمنا. من الكنوز المفقودة في هذه الرحلة المشؤومة النسخة المرصعة بالجواهر من رباعيات عمر الخيام، عالم الفلك والرياضيات والفيلسوف والشاعر الفارسي الذي عاش بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي.

دور فيتزجيرالد

رباعيات الخيام من التحف الأدبية النادرة المفعمة بالمتعة والإثارة، يتغنى فيها الشاعر الفيلسوف عمر الخيام بالحياة ومتع الحياة والعشق والخمور، وكل ما هو جميل ومثير في الحياة، يكون قد ألفه في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي. بقي المؤلَّف مجهولا في العالم الغربي إلى غاية النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما قام الكاتب البريطاني إدوارد فيتزجيرالد بترجمته إلى الإنكليزية. لم يكن فيتزجيرالد شاعرا وكاتبا وحسب، بل أيضا مترجما ساهم في نقل عدد من الأعمال إلى الإنكليزية، بما في ذلك من اللغة الفارسية، التي تعلمها بمساعدة صديقه المستشرق إدوارد كويل. واليوم يحتفظ بشهرته بفضل مؤلفه الذي خطف أنظار العالم المتمثل في ترجمة الرباعيات، التي نشرت طبعتها الأولى في عام 1859، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع الكاتب عن النشر إلى يومنا هذا، وبذلك يعود الفضل في شهرة رباعيات عمر الخيام حتما إلى فيتزجيرالد الذي أخرجه في أرقى صيغة وأجمل حلّة، وبلغة العالم الإنكليزية، جاذبا أنظار الدنيا نحو التراث الشرقي والأدب الفارسي، الذي كان له موقع بارز في الشرق وتأثير بالغ في الأدب العربي أثناء العهد العباسي.

تحفة نادرة

في مطلع القرن العشرين كان فرانسيس سانغورسكي معروفا بتصميماته الأنيقة في تجليد الكتب وترصيعها بالمجوهرات. كُلّف الرجل بمهمة إنجاز أعظم مخطوط في التاريخ ليكون تحفة نادرة بلا منازع. وفي عام 1911، أنهى فرانسيس سانغورسكي عمله بعد سنتين طويلتين من الجهد في ورشة هولبورن في العاصمة البريطانية لندن. بدا المخطوط مذهلا، كان غلافه الأمامي مزينا بثلاثة طواويس مرصعة بالمجوهرات، محاطة بعناقيد كروم وأصناف زهرية مختلفة. والمذهل أيضا في هذا المخطوط ترصيعه بـ 1050 جوهرة بما في ذلك الياقوت المقطوع والتوباز والزمرد. كما تطلب العمل استخدام تسعة أمتار مربعة من أوراق الذهب ونحو خمسة آلاف قطعة من الجلد، ما يجعله بلا منازع أعظم مخطوط مرصع بالمجوهرات في تاريخ البشرية.

المزاد العلني

وفي يوم 29 مارس/آذار 1912، قبل إبحار التيتانيك باثني عشر يوما، بعث ممتلك الكتاب البريطاني المجلد المرصع بالجواهر إلى المزاد العلني، الذي أقامته دار سوذبي للمزادات في لندن، لكن الثمن الذي نال به الأمريكي غابرييل ويس هذا المخطوط كان مخيبا للآمال – نحو 2000 دولار أو ما يعادل 405 جنيهات إسترلينية فقط، وهو ما يعدّ ثلث قيمة الكتاب حسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية. ولعل ذلك يبرر بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي عرفتها بريطانيا في ذلك العهد، حيث تشير التقارير إلى أن إضراب عمال الفحم وموجة أخرى من إضرابات قطاع النقل كلفا الاقتصاد البريطاني ما يقدر بـ40 مليون يوم عمل. وفي يومنا هذا، يرشح بعض التقارير أن تتجاوز قيمة الكتاب 120 ألف دولار!

رحلة التيتانيك

بعد المزاد، رتبت دار سوذبيز لإرسال الكتاب إلى مشتريه في الولايات المتحدة على متن أحدث سفينة آنذاك، التي وصفت بالسفينة «غير القابلة للغرق» تيتانيك المتجهة نحو نيويورك. وفي الساعات الأولى من صباح يوم 15 إبريل 1912، وقعت الكارثة عندما اصطدمت السفينة بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي، أربعة أيام بعد إقلاعها من ساوثهامبتون. من ضحايا الكارثة أروع مخطوط مرصع بالجواهر في سجل التاريخ، حيث يبقى إلى يومنا هذا رابضا في مكان ما في قعر المحيط ضمن حطام السفينة المتآكل.

يطارده النحس

متاعب كتاب «رباعيات عمر الخيام» لم تنته بغرقه المشؤوم في عرض المحيط الأطلسي، فبعد أسابيع قليلة من غرق أشهر سفينة في التاريخ تيتانيك، توفي سانغورسكي غرقا في ظروف غامضة عندما قفز في الماء لإنقاذ امرأة. وما زال النحس يلاحق الكتاب، فقد قام جورج ساتكليف بتصميم نسخة ثانية من المخطوط استغرق إنجازها سنوات طويلة وخرجت إلى الوجود في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. المخطوط الجديد لم يكتب له الحياة طويلا. فبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، وُضع الكتاب في قبو بنك لحفظه، غير أنه تعرض هو أيضا للتدمير نتيجة القصف الألماني على مدينة لندن.

ويظلّ الأمل قائما

بدأت عمليات الغطس لاكتشاف بقايا سفينة تيتانيك المنكوبة عام 1985 في قاع المحيط الأطلسي قبالة ساحل نيوفاوندلاند. اللافت للانتباه أنه على الرغم من تآكل معظم حطام المركب لبقائها في قعر البحر عقودا طويلة، فقد نجا من حطامها عدد من القطع الأثرية المثيرة مثل قفازات قطنية، وزجاجات عطور، ومعطف من الفرو كانت ترتديه إحدى المضيفات، ومنبّه، وكمان موسيقى. ونجت من الحطام أيضا قطعة من النوتة الموسيقية لأغنية «ضع ذراعيك حولي، عزيزتي» تعود إلى عام 1910، وأوراق نقدية محفوظة في حقائب. وتشير الأبحاث إلى أنّ المنتجات الجلدية تعدّ أكثر قابلية للمقاومة تحت الماء من المعادن لأنّ الكائنات الحية الدقيقة في المحيطات لا يمكنها هضم العفص المستخدم للحفاظ على الجلد. وتجدر الإشارة إلى أنّ غلاف مخطوط رباعيات عمر الخيام كان مصنوعا من الجلد الفاخر، ما يدعو إلى التفاؤل ويبقي الأمل قائما في احتمال مقاومة المخطوط تحت مياه المحيط وبقائه بعد مرور مئة وعشر سنوات على فقدانه، في انتظار منقذه.

كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية